ارشيف من :أخبار لبنانية

متى عُرِفَ السبب...

متى عُرِفَ السبب...

ادمون صعب -"السفير"

«لا تؤمن بمحبة من لا يريدك إلا معصوماً».
أبو الدرداء المتصوف

لم يكن مقنعاً تذرّع الرئيس بأن المادة 58 من الدستور التي تنص على انه «يمكن لرئيس الجمهورية، بعد مضي 40 يوماً من طرح مشروع القانون المعجل على مجلس النواب، وبعد إدراجه في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته فيها، ومضي هذه المهلة دون أن يبت به، أن يصدر مرسوماً قاضياً بتنفيذه بعد موافقة مجلس الوزراء»، غير ملزمة له لأنها لا توجب عليه تنفيذها بل تعطيه الحق، بحسب بعض مستشاريه، في النظر بمدى «ملاءمة مشروع القانون مع الانتظام العام والذي على أساسه يوقع أو لا يوقع»... علماً أن الرئيس يتحفظ عن مسألة التوقيع خشية ان يعتبر ذلك تحيزاً منه إلى فريق الأكثرية الذي يطالب بتغطية قانونية لإنفاق خارج سقف موازنة العام 2005، في حين أحالت الحكومة على مجلس النواب مشروع قانون لمحاسبة حكومتي الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري على مبلغ 11 مليار دولار أنفق خلال السنوات 2005 إلى 2010، ويشوب هذا الإنفاق الكثير من المخالفات وتجاوز قوانين المحاسبة العمومية، فضلاً عن غياب القيود والوثائق التي تثبت وجوه استعمال المبلغ.

وقد اصطدم إقرار مشروع الـ8900 مليار في مجلس النواب بمقاطعة نواب «تيار المستقبل» وحلفائهم في 14 آذار جلسات المجلس وتعطيلهم النصاب، الأمر الذي اضطر الرئيس نبيه بري إلى سحب المشروعين والسعي إلى حل متوازٍ لهما من دون إدغامهما في مشروع واحد وكأن الأخطاء هي عينها في الـ 11 مليار دولار التي أُنفقت خارج القاعدة الاثني عشرية المعتمدة.

ونقل عن الرئيس سليمان رفضه مطالبة البعض بوضع توقيعه على «حسابات سياسية لا تمت بصلة إلى الانتظام المالي»، علماً أن مشروع قانون الـ8900 مليار ليرة أقر بالإجماع في مجلس الوزراء الذي غالباً ما يكون برئاسة رئيس الجمهورية، وأُعطي في الجلسة عينها صفة الاستعجال. وثمة من تساءل هنا: ما دام الدستور ينص على أن يوافق مجلس الوزراء على مرسوم النشر، فماذا سيكون موقف الرئيس سليمان من قرار للمجلس بالنشر نظراً إلى الحاجة إلى استمرار الإنفاق العام للدولة في انتظار إقرار موازنة 2012 بعد إنجاز قطع حسابات السنوات 2005 ـ 2010 المجمّد إلى الآن بسبب أزمة بت مصير الـ11 مليار دولار في مجلس النواب؟

لقد «بق» الرئيس البحصة في استراليا لدى سؤاله عن أسباب امتناعه عن توقيع مرسوم الـ8900 مليار ليرة، بسؤال واضح المعالم عما يريده في المقابل: «كيف يطالبونني باستخدام صلاحيتي هنا، ويرفضون هناك حقي بتسمية رئيس مجلس القضاء الأعلى؟».

ومع إدراكنا ان الرئيس ليس رجل بازارات، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل وضع الرئيس الذي أوقع نفسه في الأخطاء عينها التي ارتكبها الرئيسان الياس الهراوي واميل لحود بدخوله شريكاً في المحاصصة من طريق مشاركته في السلطة الإجرائية المتمثلة بمجلس الوزراء، خلافاً للدستور، وإصراره أن يكون له حصص وزارية جعلته ينغمس في الصراعات والنزاعات السياسية، ويعرّض نفسه للانتقاد، الأمر الذي جعل منه شريكاً مضارباً في السلطة، وأفقده صفة الحَكَم، بعد إمعانه في مخالفة الدستور، بدءاً بالمحاصصة.

ووصف أحد مشرعي الطائف الذي شارك في صوغ المواد التي عُدلت في الدستور، بعد صدور وثيقة الوفاق الوطني في المدينة السعودية، صيغة الحكم بعد الطائف، حكم الرئيس سليمان، بالآتي: «منذ وضع اتفاق الطائف، إلى الآن، كانت السلطة فيه بناء على صيغة حكم لا علاقة لها بالدستور، ولا بوثيقة الوفاق الوطني، بل هي صيغة حكم مبنية على المحاصصة، وقد أدت إلى الانحدار من الطائفية السياسية التي نرغب في الخروج منها، إلى المذهبية القاتلة التي عطلت إقامة سلطة وفقاً لصيغة الحكم هذه».

وسبق لهذا المرجع أن أشار مرات عدة إلى ان صلاحيات رئيس الجمهورية في دستور الطائف هي أهم من امتيازاته السابقة التي أضعفت الحكم وأدت إلى ثورات وحروب. إذ أصبح الرئيس في الدستور الجديد رئيساً لكل المؤسسات، وراعياً للدولة بكل مكوناتها، خصوصاً لمجلس الوزراء، بعدما أصبح الحكم «مشاركة متوازنة وحكم جماعة لا حكم فرد متسلط ومهيمن».

ووصف حكم الطائف بأنه «أهم إنجاز إصلاحي» في لبنان المعاصر.

وأشار إلى ان تورط الرئاسة في النزاعات والصراعات الداخلية قد تحول إلى عنصر عرقلة داخل مجلس الوزراء، خصوصاً من خلال تضامن «وزراء الرئيس» مع وزراء آخرين ينتمون إلى كتلة الرئيس نجيب ميقاتي والزعيم وليد جنبلاط.

وقد اعترف الرئيس بأنه هو الذي يعرقل منذ أشهر التعيينات وأخصّها تعيين رئيس جديد لمجلس القضاء الأعلى، وقد أنكر عليه هذا الحق الفريق المسيحي المتمثل بعشرة وزراء من «كتلة التغيير والإصلاح» بينهم وزير العدل الذي أناط به القانون مسألة اقتراح أسماء ثلاثة مرشحين لهذا المنصب على مجلس الوزراء، بحسب الآلية التي يطالب بها الرئيس سليمان.

وكانت لافتة سعادة الرئيس بالوجود اللبناني الكبير في استراليا، خصوصاً في سيدني التي يشكل نسبة ملحوظة من سكانها، إضافة إلى المراكز المرموقة التي يحتلها المغتربون اللبنانيون في تلك البلاد الغنية. إلا أن القصة تبقى في الاستقرار النهائي للمغتربين في بلدان الشتات، بعد بيعهم الأرض ومغادرتها إلى غير رجعة. وتجلت تلك الغصة في قول الرئيس «إن لبنان في حاجة إلى المغتربين، لجهة العودة والتمسك بالأرض والجذور، وعدم بيعهم لأملاكهم بمجرد مغادرتهم لبنان، لأن الإبقاء على الأملاك، ولا سيما الأراضي، سيولد فيهم الحنين الدائم للعودة إلى أرض الآباء والأجداد».

انه كلام جميل وشاعري، ولكنه يبقى قاصراً وعاجزاً إزاء ما يشاهده المغتربون من صور الوطن البشعة، صور الفساد والتعصب الطائفي والمذهبي، وتبديد المال العام، ومخالفة القوانين والتهرب من الضرائب، وتخريب البيئة، وهي صور لا تشجّع على الزيارة، وليس على العودة فحسب!
 

2012-04-19