ارشيف من :أخبار لبنانية
"إسرائيل" عضو دائم في مجلس الأمن
سمير كرم* - "السفير"
لو سئل مئة شخص في أي مكان في العالم، بعد اختيارهم عشوائياً، عن الدول التي تتمتع بعضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي لأجاب تسعون منهم على الأقل هذه الدول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين. وأغلب الظن أن الإجابة ستعتبر صحيحة.
خطأ. وهو خطأ شائع يقع فيه الجميع، لأن الجميع يعرف ان هذا ما ينص عليه ميثاق الامم المتحدة، ولكنه يتوقف عن متابعة الممارسات الحقيقية لدول مجلس الامن الدائمة بل ومجلس الامن نفسه ليعرف ان اسرائيل تصوت باسم الولايات المتحدة في كل مرة يتم التصويت فيها على مشروع قرار يمس إسرائيل او سياساتها.
خطأ. وخطأ شائع على الرغم من ان الجميع يعرف ان الولايات المتحدة تصحب اسرائيل معها اينما ذهبت وحيثما كان احتمال لمناقشة السياسات الاميركية المتعلقة بإسرائيل او مناقشة سياسات اسرائيل نفسها المتعلقة بالآخرين، فلسطينيين كانوا او لبنانيين او سوريين او مصريين... او كانوا إيرانيين. وهذا ما حدث على وجه التحديد في المحادثات التي جرت في اسطنبول التركية. لقد جرت هذه المحادثات بين طرفين: طرف هو ايران وحدها، وطرف آخر ضم كل دول مجلـس الأمن الدائمة مضــافاً إليها ألمانيا. من وجهة نظر «حيادية» بين هذين الطرفين فإن المحادثات جرت بشأن ما اصبح يعرف دولياً باسم «الملف النووي الإيراني». وهدفت المحادثات الى الحصول على ما يطمئن المجتمع الدولي الى ان ايران لا تعمل من اجل اكتساب السلاح النووي. اما من وجهة نظر «غير حيادية» تمثلها في هذه المحادثات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فإن المحادثات هدفت الى الحصول على تعهدات وأوضاع جديدة من جانب ايران تعطي ضمانات بأن إيران لا تنوي وضع نهاية بالسلاح النووي لوجود اسرائيل.
بطبيعة الحال كانت اسرائيل مشتركة في المحادثات من خلال اشتراك الولايات المتحدة، وبصفة عضو دائم في مجلس الامن. وهنا لا يكفي أن نقول إن الولايات المتحدة كانت تمثل نفسها وتمثل اسرائــيل في الوقت نفسه في هذه المحادثات - وهو امر ينطبق في أحيان كـثيرة على بريطانيا وفرنسا وألمانيا ايضاً - غير ان التلقائية التي يعنيها تمثيل الولايات المتحدة لإسرائيل، تتجاوز كثيراً الجانب الشكلي او التشـبيهي. ولقد وصفت هذه المحادثات في اسطنبول بأنها نجـحت، لأن إيران والدول الغربية توصلت فيها الى ارضية مشتركة كانت كافية للتوصل الى اتفاق على الاجتماع مرة اخرى في العاصمة العراقية بغداد في 23 ايار/مايو القادم.
وتأكيداً لهذا الحد من التفاهم قال احمد داوود اوغلو، وزير خارجية تركيا - الدولة المضيفة - إن نجاح المفاوضات النووية بين ايران ومجموعة الدول الاعضاء الدائمة في مجلس الامن بالإضافة الى ألمانيا (التي اسميت للاختصار مجموعة 5+1)، من شأنه أن يسهم في تحقيق السلام والأمن الدوليين.
بل ان مسؤولين ودبلوماسيين اميركيين وأوروبيين رحبوا بما اعتبروه رغبة الإيرانيين في مفاوضات اسطنبول في مناقشة طبيعة الأنشطة النووية لبلادهم. وقالوا - بلسان مسؤول اميركي رفيع المستوى - «إن الأجواء التي جرت فيها مفاوضات اسطنبول كانت إيجابية وجيدة بما يكفي للاتفاق على جولة ثانية، اذ لا نزال نمارس ضغوطاً لأنه ينبغي تحقيق تقدم ملموس».
كان من الواضح ان الجانب الاسرائيلي يفرض نفسه على المسؤول الاميركي، فكان هذا التأكيد بأن الضغوط لا تزال تمارس. فلم يكن الجانب الاميركي ليمتلك حرية التعبير عن الرضى بنتائج المفاوضات وتوقع جولة ثانية ناجحة في بغداد بعد شهر من الآن. ولم يلبث الجانب الاسرائيلي ان تحدث مباشرة، وليس من صدر المسؤول الاميركي، حيث اكد بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل رفضه لمحادثات اسطنبول ومحادثات بغداد التي لم تعقد بعد، والتي وصفها بأنها «ستزيد الأمور تعقيداً... فإن مسألة استكمال المحادثات في الشهر القادم ستمنح إيران هدية، لأنها ستمكنها من مواصلة تخصيب اليورانيوم خلال خمسة اشهر قادمة من دون قيد او عائق».
إسرائيل إذن لا تريد لهذه المحادثات بشقيها أن تنجح، وتريد ان تأخذ تصريحات ممثلها المسؤول الاميركي، خطوة الى الوراء، حتى قبل ان تبدأ الجولة الثانية منها في بغداد. ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه من الآن: لماذا تتحدث اسرائيل بلسان رئيس وزرائها وكأنها طرف في المحادثات؟ والجواب البسيط والسريع هو ان الولايات المتحدة تمثل اسرائيل في المحادثات وتوجهها اسرائيل في الوجهة التي تريدها، بصرف النظر عما يمكن ان يكون عليه الموقف الاميركي على حدة.
ولا يمكن ان تكتمل الصورة من دون معرفة رد الفعل الايراني. ولقد اوضح كبير المفاوضين الايرانيين سعيد جليلي ان المفاوضات «احرزت تقدماً على الرغم من وجود خلافات في الآراء، ولكن النقاط التي تم الاتفاق عليها كانت مهمة». وقد لاحظ مراسلو وكالات الأنباء والصحف والاجهزة الاعلامية، الذين تحدث اليهم جليلي، وجود خريطة لمنطقة الشرق الاوسط على الجدار خلفه كتبت عليها عبارة «الطاقة النووية للجميع، الأسلحة النووية ليست لأحد». ولم يكن غريباً ان يفسر بعض المراسلين العبارة بأنها تعني في شقها الأول إيران وتقصد في شقها الثاني إسرائيل (...)
والحقيقة ان هذه العبارة التي لا بد ان الاتراك وضعوها عن عمد في هذا الموقع الذي يمر به كافة المشاركين في مفاوضات اسطنبول، تلخص ما كانت تجري المفاوضات بشأنه. فإن الطرف الإيراني انما يريد، كما اعرب قادته ومسؤولوه مراراً وتكراراً خلال السنوات الاخيرة ثم امام مفاوضات اسطنبول، ان تمتلك إيران الطاقة النووية لا ان تمتلك السلاح النووي. وترى ايضاً انه ليس من المقبول ان تمتلك اسرائيل السلاح النووي بينما تحرم ايران من امتلاك البرنامج النووي الذي يرمي الى فتح آفاق الطاقة والتطور التكنولوجي امامها.
وتواجه اسرائيل هذا المنطق الايراني بتوجيه اتهامات جزافية الى طهران بأنها سبق ان هددت بإزالة اسرائيل من الوجود. ومن الواضح ان الولايات المتحدة تتبنى رسمياً هذا الاتهام، على الرغم من ان مصادر اميركية في المخابرات وفي مراكز الابحاث الاميركية المتخصصة استبعدت كلية هذا التصريح المنسوب الى ايران والقادة الايرانيــين. بل ان هذه الجهات حددت ما اعلنته ايران في هذا الصدد بأنه يعني ان اسرائيل تقضي على نفسها بنفسها من خلال سياسات التوسع والهيمنة ومن خـلال إصرارها على احتكار القوة النووية في المنطقة. وهذا ابعد ما يكون عن تهديد مباشر او غير مباشر بإبادة اسرائيل. ويجدر بالذكر في هذا السياق ان دان ميريدور، نائب رئيس وزراء اسرائيل، اقر في اعتراف اسرائيلي نادر بأن قادة ايران يقولون في تصريحاتهم إن اسرائيل «مخلوق غير طبيعي ولهذا فإنها لن تبقى على قيد الحياة. إنهم لم يقولوا ابداً إنهم مصــممون على إزالة اسرائيل من الخريطة». وقد وصف المراسل الصحافي الذي حصل على هذا التصريح من ميريدور بانه لم يصدر ما يماثله ابدا من مسؤول إسرائيلي.
ومن الواضح ان تمسك اسرائيل بالزعم بأن إيران تهدد وجودها ذاته وأن إيران تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل ليس اكثر من تمسك بالدوافع الاسرائيلية التي تتوالى بدون توقف في صورة تهديدات بشن هجمات عسكرية واسعة النطاق على المؤسسات النووية الايرانية. هذا ان لم تقبل ايران راضخة المقترحات الاميركية - الاسرائيلية بتفكيك مؤسسات نووية بعينها أنشأتها إيران ضمن برنامجها السلمي. وقد وصفت الاقتراحات بتفكيك المنشآت النووية الايرانية او التعرض للهجمات العسكرية عليها بأنها «قرص السم» الذي تريد إسرائيل إجبار إيران على تعاطيه، وذلك في مقال كتبه الباحث الاميركي غاريت بورتر (على موقع «كاونتر بانش»بتاريخ 13/4/2012) واعتبر فيه ان «قرص السم» هذا يمكن ان يؤدي الى انهيار محادثات ايران مع مجموعة 5+1، في حالة ما اذا قدم في المحادثات مع ما هو متوقع الى حد اليقين من رفض ايران له. ويقول بورتر انه يبدو ان ادارة اوباما الاميركية تقبل مطلب اسرائيل بأن تغلق إيران احدى مؤسساتها النووية في قم. فيما ترى اوروبا الاكتفاء بأن يطلب من ايران بأن توقف التخصيب النووي بنسبة 20 في المئة، واستبداله بإمدادات من الطاقة من الخارج تتعهد اوروبا وأميركا بتقديمها لإيران.
ويشير نجاح مفاوضات اسطنبول والاتفاق على جولة ثانية في بغداد في الشهر القادم الى ان اياً من هذين الاقتراحين لم يقدم الى ايران، الامر الذي اتاح الفرصة للاستمرار في جو متفائل الى حد ما. لكن ليس هناك اي ضمان بأن تسلك اسرائيل ازاء هذه المحادثات مسلكاً يتيح لها ان تنجح وأن يتوصل الغرب مع إيران الى اتفاق يرضي الطرفين ويضمن السلام في المنطقة والعالم. ذلك ان اسرائيل لا تكف إطلاقاً عن إطلاق التهديدات. وهي تريد ان تجرى المحادثات بين ايران والغرب تحت التهديد. وليس واضحاً الى الآن الى اي مدى يمكن ان تتحمل دول الغرب.
قد يقال إن الولايات المتحدة تبدو سعيدة بتردد إسرائيل في الإقدام على ما تهدد به من تدمير المنشآت النووية الإيرانية. وإذا كانت تهديدات إسرائيل قد ترددت كثيراً الى حد افقدها مصداقيتها، ليس فقط لدى الإيرانيين - الشعب والقادة جميعاً - إنما ايضاً لدى الرأي العام الأميركي والعالمي، إلا أن تجارب الماضي تؤكد ان عدوانية إسرائيل وزهوها بقوتها يتجاوزان كل الحدود التي يمكن ان يفرضها العقل والتعقل. وإيران تعي هذه الحقيقة جيداً وتعرف مدى الخطر الاسرائيلي وكيفية مواجهته على ارض الواقع.
ومن المؤكد ان الولايات المتحدة تستشعر الحيرة وتخشى ان تفاجئها اسرائيل بالخروج على النصائح الاميركية التي توالت خلال الاشهر الاخيرة بالإحجام عن مغامرة ضد ايران يمكن ان تتحول الى كارثة لإسرائيل من حيث الخسائر المادية والبشرية التي ستؤدي اليها. لكن لهذا الوضع وجهاً آخر يتعلق برغبة الادارة الاميركية، وبالتحديد الرئيس اوباما، في ضمان الاصوات الانتخابية اليهودية.
وربما يكون نجاح مفاوضات اسطنبول النـسبي وتحديد موعد لجولة ثانــية مجرد تمهــيد اميركي لجولة ثالثة لإعطاء اسرائيل فرصة اخرى للتفكــير فيما يمكن تحصيله من المحادثات بدلا من كوارث الحرب في انتــظار موعد انتخابات الرئاسة الاميركية في 6 تشرين الثاني/نوفمبر القادم. وتبقى اسرائيل عضواً دائماً خفياً في مجلس الامن، إنما الى حين.
كاتب سياسي ـ مصر
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018