ارشيف من :أخبار لبنانية
مفتي التطبيع
رنا ممدوح ـ صحيفة "الاخبار"
ضرب مفتي الديار المصرية، علي جمعة، عرض الحائط بالموقف الشعبي المصري الرافض للتطبيع مع إسرائيل، بعد زيارته المسجد الأقصى، مثيراً عاصفة من المواقف المنددة، ومعيداً إلى الأذهان الدور الذى يقوم به «مشايخ السلطان» في تحجيم دور الأزهر.
«لا تصالح ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ... والرجال التي ملأتها الشروخ... هؤلاء الذين يحبون طعم الثريد وامتطاء العبيد... هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم... وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ... لا تصالح». لم يجد المصريون أبلغ من قصيدة أمل دنقل للرد على زيارة مفتى الديار المصرية علي جمعة للقدس، تحت رعاية الاحتلال الإسرائيلي، واصفين زيارته بأنها استكمال للدور الذي يقوم به «المشايخ المقربون من الحكام» في مصر في تحجيم دور الأزهر وعلمائه في المجتمع المصري.
وربط المصريون زيارة المفتي بمصافحة شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، في مؤتمر حوار الأديان عام 2008. وهو الأمر الذي جاء مع فرض إسرائيل حصاراً غير إنساني على شعب غزة، ما سبّب جدلاً عنيفاً فى الأوساط السياسية والبرلمانية المصرية، وقتها طالبت بإقالة شيخ الأزهر، وخصوصاً أن خطوة طنطاوي كان قد استبقها الأخير باستقبال الحاخام الإسرائيلي الأكبر «لاو» في مشيخة الأزهر، رغم رفض غالبية علماء الأزهر للخطوة. وبرر موقفه في حينه قائلاً «إذا جاءني عدوي، سواء كان إسرائيلياً أو غير إسرائيلي، فسأقابله».
مدير وحدة النظام السياسي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمر هاشم ربيع، فسر زيارة المفتي ومن قبلها مصافحة شيخ الأزهر رئيس إسرائيل بأنها لا تعبر عن مؤسسة الأزهر أو دار الإفتاء، بل عن سياسة الحكومة المصرية وتعاملها مع هذا الملف فتختلف بتغير السياسات من وقت إلى آخر، على عكس موقف الكنيسة الأرثوذكسية في مصر بقيادة الراحل البابا شنوة الثالث، والتي تتبنى، حسب ربيع، سياسة ثابتة تجاه هذه القضية لا تتغير بتغير السياسة الحكومية برفض سفر الأقباط للقدس ورفض التطبيع بكل صوره رفضاً مطلقاً طوال ما يزيد على 40 عاماً. وأوضح ربيع لـ«الأخبار» أن مؤسسة الأزهر في الثمانينيات في عهد تولي الراحل جاد الحق علي جاد الحق مشيخة الأزهر كان لها موقف معاد لسياسة التطبيع مع إسرائيل، ورافض لزيارة المسلمين للقدس بعدما أفتى بعض العلماء بجواز ذلك بعد عقد اتفاقية أوسلو بين السلطة الفلسطينية والحكومة الصهيونية، بل رفض أن يستقبل الرئيس الإسرائيلي عازار وايزمان إبان زيارته للقاهرة.
مفتي مصر الأسبق نصر فريد واصل، رفض زيارة جمعة للقدس. وحذر من أن «زيارة القدس وهي تحت الاحتلال الصهيوني نوع من التطبيع، يؤدي إلى الإيحاء بأن مشكلة احتلال القدس قد حلت بدليل أن زيارتها أصبحت مفتوحة للجميع، ولا داعي للاستقلال والمطالبة برفع يد الصهاينة عن القدس». ولفت واصل إلى أن نصرة القدس عملياً تأتي عبر تدعيم «المقدسيين» سياسياً واقتصادياً لتثبيت وجودهم داخل القدس ليكونوا شوكة في حلق مخطط التهويد، مع الاستمرار في حظر التطبيع السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي مع إسرائيل.
التاريخ يذكر أن موقف الأزهر من التطبيع واتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ظل متأرجحاً ومرتبطاً بالسياسة العامة للبلاد ورؤية رئيس الجمهورية، وذلك بفضل استحداث قانون منذ عام 1952 يعطي رئيس الجمهورية الحق في تعيين شيخ الأزهر بدلاً من انتخابه من قبل هيئة كبار العلماء داخل الأزهر، وهو ما ألقى بظلاله على المواقف السياسية لشيوخ الأزهر الممثلين للمؤسسة الإسلامية الأعرق في العالم الإسلامي. ففي الوقت الذي قوبلت فيه زيارة السادات لإسرائيل بغضب عربي وإسلامي شديد، اهتم شيخ الأزهر وقتها، محمد عبد الرحمن البيصار، بإعطاء التبريرات الشرعية لإبعاد صفة الحرمة عن الزيارة. وواكب الأمر خروج فتوى من مفتي البلاد في هذا الوقت عبد الحليم محمود بجواز الصلح مع إسرائيل، رغم وجود اتجاه ثابت أقرّته لجنة الفتوى بالأزهر عام 1956بتحريم التصالح مع إسرائيل لأنها اغتصبت فلسطين من أهلها، وأخرجتهم من ديارهم. وهو القرار الذي بررته اللجنة آن ذاك بأن «الصلح مع إسرائيل لا يجوز شرعاً لما فيه من إقرار الغاصب على الاستمرار في غصبه، وتمكين المعتدي من البقاء على دعواه».
كذلك لوحظ عدم وضوح موقف الأزهر الحالي في عهد رئاسة الشيخ أحمد الطيب، من التطبيع وهو الذي اكتفى بالتعليق على زيارة المفتي للقدس بأنه لم يكن يعرف مسبقاً بالزيارة وأنه يرفض زيارة القدس تحت الاحتلال، من دون أن يترتب على ذلك أي رد فعل أو تصرف تجاه الدكتور علي جمعة، الذي قام بالزيارة قبل أن يستأذن الجهة التي يمثلها، على عكس موقف الأزهر في عهد مبارك بقيادة الشيخ محمد سيد طنطاوي الذي أيد صراحة التطبيع.
ولم يكتف طنطاوي بمصافحة رئيس دولة إسرائيل أمام جميع كاميرات وسائل الإعلام، بل عمد الى إصدار فتاوى وصفها مراقبون بالشاذة بجواز إقامة الجدار العازل بين مصر وقطاع غزة، مبرراً بأن الجدار يحمي مصر من أعدائها. أستاذة العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر، الدكتورة آمنة نصير، أكدت أنه بغض النظر عن الموقف الرسمي لشيخ الأزهر، إلا أن الثابت أن جميع علماء الأزهر متفقون منذ سنوات على عدم زيارة القدس وهي تحت الاحتلال، و«تشاركهم في هذا الموقف الكنيسة المصرية التي ترفض زيارة المسيحيين لها إلاّ بعد تحرير المدينة المقدسة من دنس اليهود، بالرغم مما قام به بعض الأقباط من زيارة القدس أخيراً». نصير أبدت «تخوفاً من أن تقتل دعوة المفتي لزيارة المسجد الأقصى العداء في نفوس العرب والمسلمين تجاه إسرائيل»، مشيرةً إلى أن ذلك يعدّ دعوة للتطبيع مع العدو الصهيوني تحت ذريعة زيارة المسجد الأقصى.
محمد الخولي ـ "الاخبار "
أثارت زيارة مفتي مصر علي جمعة القدس المحتلة عاصفة من الاستنكارات ودعوات الاستقالة، فيما برر المفتي الزيارة.
موجة من الرفض كان يتوقعها بكل تأكيد مفتي الجمهورية المصرية علي جمعة عندما اتخذ قراره بزيارة القدس وهي تحت الاحتلال الصهيوني، لكن ما لم يكن يتوقعه أن تكون تلك الموجة عالية لهذه الدرجة. مطالبات كثيرة من مؤسسات غير رسمية تطالبه بالاستقالة من منصبه، بينما اعتبرت أغلبية الاحزاب المدنية والإسلامية والحركات الثورية زيارته «كارثية وعاراً، وعليه أن يعتذر عنها». إلّا أن جمعة أصرّ على موقفه واضعاً زيارته للقدس في اطار شخصي وليس رسمياً.
وقال في مؤتمر صحافي عقده أمس «زيارتي كانت بدعوة من ملك الأردن. وأنا لم أدخل بتأشيرة إسرائيلية، ولم أر طوال طريقي إلى بيت المقدس إسرائيلياً واحداً». وأضاف «تلك الزيارة هي نعمة من الله لم أستطع رفضها»، مؤكداً رفضه تهم التخوين التي تعرض لها منذ الإعلان عن زيارته للمسجد الأقصى، موضحاً «تلك وجهة نظر ولا يجوز لأحد أن يخون آخر، ومن الواجب علينا ألا نترك هذه المدينة المقدسة». وفي محاولة للتخفيف من وطأة خطوته التي أثارت انتقادات واسعة، قال جمعة إنه يحمل رسالة إلى الشعب المصري من المقدسيين مفادها بأن «المقدسيين يستغيثون بكم فلا تنسوهم وابقوا بجانبهم، فالقدس عزيزة علينا ولو هودت لضاعت منا».
إلّا أن مؤتمر جمعة الصحافي لم يفلح في تهدئة موجة الغضب التي انطلقت بمجرد الاعلان عن زياته وخصوصاً بعدما ذكرت اذاعة الجيش الاسرائيلي أن الزيارة السرية التي قام بها مفتي الديار المصرية، إلى المسجد الأقصى تم تنسيقها عبر وحدة الاتصال مع القوى الأجنبية التابعة للجيش الاسرائيلي.
وعقب اجتماع طارئ لمجمع البحوث الإسلامية، إحدى المؤسسات التابعة للأزهر الشريف ويرأسه أحمد الطيب شيخ الأزهر، جدد المجمع في بيان له رفضه زيارة القدس والمسجد الأقصى تحت الاحتلال الإسرائيلي. وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، علي عبد الباقي، أن «المجمع استمع إلى إيضاحات من المفتي حول ملابسات زيارته للقدس والظروف التي تمت فيها، وأنها جاءت في إطار علمي وليست بصفة رسمية».
من جهتها، تركت جماعة الاخوان المسلمين لحزب الحرية والعدالة التابع لها، اعلان موقفه من زيارة المفتي للقدس. وقال الأمين العام المساعد للحزب، أسامة ياسين، إنهم «رافضون بشكل قاطع للزيارة التي قام بها مفتي الديار المصرية للقدس، مهما كانت المبررات والأسباب»، وأكد أن الزيارة «تمثل كارثة حقيقية وضربة موجهة للجهاد الوطني الذي نجح في إفشال كل محاولات التطبيع طوال السنوات الماضية».
كذلك رفض الحزب مبررات المفتي. وأوضح أن جمعة بزيارته «لم يكن يمثل فيها نفسه، وإنما يمثل أحد المسؤولين في المؤسسة الدينية الرسمية، وبالتالي فإن ما قام به لا يقبل تبريره ولا يمكن تمريره بل يجب مساءلته بالشكل الذي لا يسمح بتكرار مثل هذا الموقف من أي شخصية اعتبارية رسمية». وشدد على أن المفتي خالف «الفتاوى التي أصدرها الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية وكبار علماء الأمة».
أما المتحدث الرسمي لحزب النور السلفي، يسري حماد، فأوضح أن مؤسسة الأزهر تمثل دول شمال أفريقيا والدول العربية جميعاً، وكان ينبغي للمفتي أن يعلم أن موقفه لا يعبر عن قرار شخصي وإنما هو قرار رمز إسلامي كبير. وشدد في حديث لـ«الأخبار» على أن الحزب «يرفض التطبيع وأنّ ما قام به جمعة لا ينبغي أن يكون». ورغم أن حماد نفسه اتهم بالتطبيع بعد حوار صحافي أجراه منذ أشهر مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، «اتهم جمعة بأنه أحد فلول النظام المخلوع»، مؤكداً أنهم في الحزب لم يفاجأوا بموقفه من زيارة القدس.
بدوره، أكد حزب الكرامة «القومي العربي» على رفضه للزيارة واعتبرها «منكرة» لأنها انحراف عن الثوابت الوطنية ضد التطبيع وتعكس ظلالاً كئيبة من سياسات النظام الفاسد القديم الذى يحتضر. وأوضح الحزب أن خطوة جمعة «تدعونا إلى تطهير مؤسسات الدولة من هذه الرموز القديمة»، مطالباً باستقالة المفتي.
وفي السياق، نظم المئات من طلاب جامعة الأزهر، تظاهرة أول من أمس داخل المدينة الجامعية في مدينة نصر، أكدوا فيها رفضهم لزيارة المفتي والصلاة في المسجد الأقصى، تحت الاحتلال الإسرائيلي. واعتبروا أن الزيارة تأتي في سياق «الرغبة بالتطبيع مع العدو الصهيوني رغم الرفض الشعبي لذلك». وهتفوا «هنرددها جيل ورا جيل لن نعترف بإسرائيل». كذلك، اتهموا المفتي بالخيانة وهتفوا «يادي الذل والخيانة المفتي خان الأمانة».
موقف مماثل اتخذته نقابة الدعاة المصريين، بتأكيدها على رفضها للزيارة لأنها «نوع من أنواع التطبيع مع الكيان الصهيوني، ويتضمن إقراراً بسيادة الاحتلال على المسجد الأقصى المبارك، واعترافاً بشرعية هذا الاحتلال البغيض».
من جهته، وصف النائب وحيد عبد المجيد، عضو البرلمان المصري، سفر المفتي للقدس بأنه «أمر مشين». وقال لـ«الأخبار» إنه يعتبر اختراقاً للموقف المصري الرافض للتطبيع، واختراقاً أيضاً للقرارات الصادرة عن مختلف الهيئات الدينية المسيحية والاسلامية الرافضة للتطبيع. ولم يستبعد أن يطرح الأمر للنقاش داخل البرلمان، فيما أكد وكيل نقابة الصحافيين، جمال فهمي، أن الزيارة «صادمة ومخزية».
وامتدت المواقف المنتقدة للمفتي لتشمل عدداً من المرشحين للرئاسة. وطالب حمدين صباحي جمعة، «بتقديم استقالته من منصبه احتراماً لمقام منصبه الرفيع»، فيما أكد محمد سليم العوا رفضه الزيارة، داعياً «إلى الجهاد لتحرير القدس بدلاً من زيارات التطبيع مع العدو الصهيوني».
أما حزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، فكان الجهة الوحيدة التي اعتبرت أن زيارة المفتي «جائزة من الناحية الشرعية لأنها أرض إسلامية، وهو أمر تعبدي جائز لعموم المسلمين، ولا سند لتحريم مثل هذا الأمر أو تجريمه من الناحية الشرعية». لكن الحزب أكد في الوقت نفسه على ضرورة «مراعاة الوضع السياسي للبلد كونها أرضاً محتلة، ولا بد من مراعاة إن كانت مثل هذه الزيارة تحمل في طياتها معنى التطبيع مع الكيان الصهيوني».
محمد عبد الرحمن ـ "الاخبار"
«لماذا لا يذهب مليون مصري إلى القدس المحتلة عبر الأردن كما فعلها مفتي الديار المصرية علي جمعة، ونقول إن الزيارة شخصية وليست تطبيعاً مع الدولة العبرية»، بهذه الكلمات علقت الناشطة المصرية نوارة نجم على زيارة الشيخ جمعة للمسجد الأقصى. مليونية مصرية إلى القدس المحتلة عبر الأردن، كان هذا هو الاقتراح ــ الخيالي طبعاً ــ الذي ردّت به الناشطة المصرية على الخبر الذي دهم الجميع، مفتي الديار المصرية ذهب إلى المسجد الأقصى وصلى هناك. الزيارة التي فاجأت الجميع أثارت ردود فعل متباينة وإن كانت الظروف السياسية التي يعيشها الشارع المصري قد منعت تحول الزيارة الى حديث الساعة. غير أن النشطاء على فايس بوك وتويتر لم تمنعهم تلك الظروف من التعليق على الزيارة بين رفض من المعظم وقبول من البعض وحياد من قلة نادرة، المفتي قال إن الزيارة كانت شخصية لا رسمية، وإنه ذهب باعتباره عضو مجلس أمناء مؤسسة آل البيت الأردنية، المسؤولة عن المشروع الإسلامي الذي افتتحه لدى زيارته المثبرة للجدل.
وتعليقاً على الأقوال التي بررت الزيارة بأنها شخصية ولم تحصل تحت أي رعاية إسرائيلية، تساءل الناشطون هل ستسمح اسرائيل بالأمر نفسه إذا قررت مجموعة من النشطاء زيارة شخصية الى القدس المحتلة عبر الأردن ومن دون الحصول على الأختام الإسرائيلية.
صحيفة «يديعوت احرونوت» تحدثت لاحقاً عن أن الزيارة تمت تحت حراسة مشددة من الجيش الاسرائيلي ليزيد موقف المفتي سوءاً، وخصوصاً مع انطلاق مطالبات بعزله وهو الرجل المحسوب أساساً على نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. وهناك من تهكم على خبر عودة المفتي إلى مطار القاهرة ورفضه التصوير أو التصريح للصحافيين. وتساءل «هل عاد مفتي مصر بالعمامة أم بالقبعة؟ وهل الحل هو عزله ليعين مفتي فلسطين ويصلي هناك كما يشاء». وجاء تبرؤ الأزهر من زيارة المفتي والتأكيد على أنهم عرفوا بها من وسائل الإعلام ليزيد الصورة سخونة وتتزايد الاتهامات التي تؤكد أن الزيارة كان لها أهداف أخرى.
فحتى لو أراد المفتي جمعة أن يحقق لنفسه أمنية الصلاة في المسجد الأقصى، فهل ينفي، حسبما يرى النشطاء، أن تلك الزيارة تُسهّل مهمة اعتراف العرب باسرائيل أيا كانت الحجة، ودعم هذا الرأي التعليق الذي أطلقه المفكر العربي عزمي بشارة عبر صفحته الرسمية على «فايس بوك»، حيث فند كل الدعاوى المبررة لزيارة أي شخصية عربية إلى الأرض المحتلة، مؤكداً أن إسرائيل ستسمح بزيارة المسؤولين العرب للحصول على الشرعية لكنها لن تفتح حدودها لأي تدفق شعبي عربي تحت أي مُسمى حتى لو كان الصلاة في المسجد الأقصى.
بيسان كساب ـ "الاخبار"
قررت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية تثبيت القاعدة الموروثة بتحريم الحجّ إلى القدس المحتلة، في موقف مواجه لخطوة المفتي علي جمعة، وهو ما بدا أقل التزاماً بالنسبة إلى الكنيستين الانجيلية والكاثوليكية.
القاهرة | مثلما كان متوقعاً، أطلقت زيارة مفتي الديار المصرية علي جمعة للمسجد الأقصى في القدس المحتلة، آلاف التعليقات الرافضة لها في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. والكثير من التعليقات المنتقدة قارنت بين موقف دار الافتاء، وموقف الكنيسة الأرثوذكسية القبطية التي لطالما رفض رأسها الراحل البابا شنودة الثالث حجّ الأقباط إلى القدس أو زيارتها حتى، «إلا مع إخواننا المسلمين بعد تحريرها» بحسب عبارته الشهيرة. موقف الكنيسة الأرثوذكسية لم يكن محصوراً بعهد شنودة، بل هو مقتبَس من سلفه البابا كيرلس السادس، الذي أوقف سفر الأقباط إلى القدس في 1968 بعد عام من وقوعها تحت الاحتلال، وهو ما بدا متوافقاً مع ما عُرف به من علاقة وثيقة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
إلا أن زيارة الرئيس الأسبق أنور السادات للقدس، ورفض شنودة مرافقته في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، مثّلت بداية الشقاق بينهما، والذي أوصل نهاية الأمر إلى عزل البابا وإبعاده إلى دير في وادي النطرون في صحراء مصر الغربية، خلال ما عُرف بـ«اعتقالات سبتمر 1981»، التي سبقت اغتيال السادات بأقل من شهر.
وكما أنّ خراب العلاقة مع رأس الدولة كان ثمناً لرفض شنودة التطبيع مع إسرائيل، فإن الاصرار على زيارة القدس والحج إلى الاماكن المقدسة هناك، رغماً عن قرار الكنيسة، قد كلّف أصحابه بدورهم ثمناً أغلى ــ على الأقل من وجهة نظرهم. ذلك أن بطريرك الكرازة المرقسية كان مصرّاً على مواجهة الأمر بحسم، حتى وصل به الأمر حدّ اتخاذ قرار بحرمان مَن يُقدم على عصيان القرار البابوي من ممارسة أسرار الكنيسة. عقوبة لا تزال تهدِّد مَن يزور الأراضي المحتلة رغم وفاة البابا، «وسيخضع لها أولئك الذين أقدموا على زيارة القدس في تلك الوفود أخيراً»، على حد تعبير الأنبا مرقص، الناطق الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية لـ«الأخبار»، في اشارة إلى وفود من مئات الأقباط زاروا القدس قبل فترة. وكشف مرقص أن مدّة نفاذ الحرمان على صاحبه، ستتقرر بناءً على رأي أسقف المنطقة التي يعيش فيها، «في حين أن البابا شنودة كان يفرض حرماناً لمدة سنة في هذه الحالات، إلا في ظل استثناءات من قبيل المسنّين الذين كان الحنين يأخذهم إلى القدس خشية من الانتقال (الوفاة) قبل رؤيتها».
المتحدث باسم الكنيسة شدّد أيضاً على أن زيارة المفتي جمعة للقدس لن تغيّر شيئاً من موقف كنيسته، فـ«القدس لم تتحرّر بعد، وموقف الشيخ علي جمعة لاقى انتقادات واسعة» على حد تعبيره. موقف مماثل تبنّته الكنيسة الانجيلية، كون «المفتي ليس كل المسلمين»، وفق القس إكرام لمعي الذي استند في حديثه مع «الأخبار» إلى رفض مشيخة الأزهر الزيارة.
إلا أن كنيسته تختلف مع نظيرتها الأرثوذكسية في منحها الحرية لرعيّتها إزاء زيارة القدس الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي من عدمه، كون «الكنيسة الانجيلية قالت إنها تقف ضد تلك الزيارات منذ السبعينيات، لكنها لا توقِّع عقوبات على المخالفين، وتترك لهم حرية الاقتناع برأيها من عدمه»، بحسب لمعي.
في المقابل، وقفت الكنيسة الكاثوليكية ــ أصغر الكنائس في مصر ــ وحدها في هذا الشأن، إذ إنها لم تعلن موقفاً ضد زيارة القدس، وهو ما فُسر على أنه تأييد ضمني لمعظم الحجاج المصريين الكاثوليك ــ على ضآلة عددهم ــ لزيارة القدس.
وكان المتحدث باسم هذه الكنيسة رفيق جريش، قد أوضح في تصريحات صحافية تعقيباً على زيارة وفود قبطية للقدس أخيراً، والتي لاقت اهتماماً اعلامياً واسع النطاق تحسُّباً لتغير الموقف من زيارة القدس بعد وفاة شنودة، إن كنيسته «لا تمانع في زيارة الأماكن الدينية في القدس».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018