ارشيف من :أخبار لبنانية

العونيّون في البرلمان: ولّى زمن الهزائم

العونيّون في البرلمان: ولّى زمن الهزائم


صحيفة "الأخبار" - غسان سعود

مع انتهاء جلسة المناقشة العامة بتجديد المجلس النيابي ثقته بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، توجه الرئيس نبيه بري صوب العماد ميشال عون، منحه قبلتين وأوصاه بالحفاظ على «الأبطال»، مشيراً بكفه إلى مجموعة من النواب العونيين الذين كادوا أن يشنقوا خصومهم على المشنقة التي أعدّت لهم في ساحة النجمة


قبيل انعقاد جلسة المناقشة العامة لسياسة الحكومة، كان الانطباع العام لدى السياسيين أن «المجزرة» آتية لـ«تقصف» عمر الحكومة التي تتراوح أوصاف أهلها لها بين: بطيئة، منقسمة على نفسها، وتنأى بنفسها عن كل شيء. لكن، في ختام الأيام الثلاثة، لم تسلم الحكومة من صفعات السلطة التشريعية المكلفة بالمراقبة والمحاسبة فحسب، بل خرجت بفعل تجديد النواب الثقة بها أقوى مما دخلت. والسبب؟ يعزوه نواب من قوى الأكثرية إلى نجاح المعارضة السابقة، أو التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل، للمرة الأولى، في التنسيق مسبقاً وخلال المواجهة وبعدها للخروج فائزين.

وعلمت «الأخبار» في هذا السياق أن اجتماعين تحضيريين عُقدا على الأقل داخل كل كتلة، قبيل اجتماع النواب محمد رعد وإبراهيم كنعان وأيوب حميد ممثلين لكتلهم النيابية في عين التينة في 13 نيسان (حضر الاجتماع نحو 5 نواب آخرين عن كل كتلة أيضاً). واتفق خلاله على الخطة التفصيلية لتطبيق مبدأ «الهجوم أفضل وسائل الدفاع». في الليلة نفسها، لم ينم فريق عمل التيار الوطني الحر النيابي والاستشاري، فتكثّفت الاجتماعات بقيادة النائب إبراهيم كنعان قبيل توجه الأخير في اليوم التالي إلى المصيلح لوضع الرئيس نبيه بري في الأجواء التفصيلية لخطتهم والاتفاق معه على بعض النقاط. وصباح الاثنين، قبل يوم من بدء النقاش العام، وصل إلى ستة من النواب العونيين على الأقل المضمون الأساسي لكلماتهم، في ظل تفرّغ باحثين يعملون مع كنعان لدراسة مضمون الكلمات التي يلقيها نواب 14 آذار، لتأخذ الأكثرية علماً سريعاً بالنقاط الأساسية التي تنوي المعارضة إثارتها، فيكون الرد عليها جازماً، سريعاً ومباشراً.

لاحقاً قدّم العونيون (أو المجموعة المؤلفة من النواب: زياد أسود، سيمون أبي رميا، حكمت ديب، آلان عون، إميل رحمة، ميشال الحلو وفادي الأعور) أفضل عروضهم النيابيّة حتى الآن. فبعد قصة رحمة عن «الوالد السكرجي والقمرجي» الذي لم يترك لأبنائه غير الديون والمشاكل، كرّست المداخلات الأخرى مبدأ وجود «إرث ثقيل» زحزحته شبه مستحيلة، فما الحال مع تجاوزه. بعدها تفرّد أبي رميا، من بين جميع زملائه، بعرض علمي يوضح بالأرقام والوثائق أساس المشكلة المالية وأسباب تعرقل الحلول. الأمر نفسه فعله الحلو على صعيد الكهرباء. قبل أن يهدّ أسود أعمدة الهيكل فوق رؤوس الجميع من دون استثناء، مبيّناً لزملائه الآذاريين أنه أقدر منهم على الصراخ إن اقتضى الأمر ذلك.

وفي معظم المداخلات، كمداخلة الأعور مثلاً، كان النواب العونيون يثيرون فضيحة حقيقية وموثقة. وبدا أن في حقائبهم عشرات، لا بل مئات، الملفات التي أحسنوا إعدادها وتوثيق مضمونها، فيما لا يملك خصومهم إلا ثلاث قضايا: أولاً، داتا الاتصالات المستهلكة. ثانياً، قضية فايز كرم التي يتحمّل القضاء مسؤولية الحكم فيها. وثالثاً كلام الرئيس نجيب ميقاتي عن وجود نية لتقاضي عمولة في سفن الكهرباء، فاحتشدوا لمحاكمة الوزير على نيّاته غير المعلنة بدل الالتفات إلى الفضائح الموثقة. ولولا ما نشرته «الأخبار» مثلاً عن فضيحة الكهرباء، لما وجد نائب مثل عضو كتلة القوات جورج عدوان مادة جدية يثيرها في مداخلته.

هكذا، بعد وقوع نواب المعارضة في فخ التكرار، وتحول هجومهم على الوزيرين جبران باسيل ونقولا صحناوي إلى مجرد حملة سياسية لا تؤثر في غير المنحازين أصلاً وسط الرأي العام، نجح العونيون في تحديد ثلاثة عناوين (بدت ملامحها شديدة الوضوح في كلمة كنعان التي حرص العماد عون على الوصول قبل أن يستهلها كنعان، هامساً في أذنه: «أتيت لأصفق لك»)، كانت أساس جلسة المناقشة العامة:

أولها، تحميل حكومات الرئيس رفيق الحريري المتعاقبة مسؤولية الأزمة المالية التي ليس أمام أي فريق إصلاحي إلا الاستمرار بمحاولة معالجة تداعياتها. وبالتالي تذكير الرأي العام بأن هذه الحكومة تحاول إصلاح فساد ليست هي مسؤولة عنه بأي شكل من الأشكال.

ثانياً، تحميل قوى 14 آذار المسؤولية عن عدم تقديم أي مبادرة جدية لتسليح الجيش اللبناني خلال تولّيهم الحكم بين عامي 2005 و2011، في ظل انشغالهم الدائم بالمبادرات الكلامية لسحب سلاح المقاومة. وفتح الباب لنقاش جديّ في ما يخص السيادة و«النأي بالنفس»، بعد توفير بعض نواب المستقبل كل الدعم الممكن انطلاقاً من الأراضي اللبنانية لـ«الجيش السوري الحر» في موازاة صراخ النواب أنفسهم كلما مسّ الجيش السوري بالسيادة اللبنانية.

ثالثاً، إثارة موضوع قانون الانتخاب لناحية وجوب معالجة الخلل الحاصل في التمثيل الطائفي للبنانيين. وقد أرخت كلمة النائب آلان عون بثقلها على كتلتي الكتائب والقوات كما على حلفائهما. فبعد تلطّي الكتائب والقوات خلف اقتراح القانون الأرثوذكسي، أتت كلمة عون لتضع إصبعاً طائفياً (جداً) على جرح طائفيّ (جداً)، محددة من دون خداع أو أقنعة أساس المشكلة: هيمنة تيار المستقبل الذي يقدم نفسه في الممارسة بوصفه تياراً سنّياً على مقاعد تفترض الممارسة لا الدستور أنها تمثل المسيحيين في المجلس النيابي. ورفض هذا التيار كل المبادرات الهادفة إلى الحدّ من هيمنته وتصحيح الخلل، سواء سمّيت نسبية أو قانوناً أرثوذكسياً أو أي شيء آخر.

وهكذا سرعان ما انكفأ خصوم العونيين داخل المجلس، فشُغل نواب المستقبل بالدفاع عن النفس بدل الهجوم. والآن ماذا؟ يعتقد تكتل التغيير والإصلاح أنه قدم نموذجاً للرئيس نجيب ميقاتي عن أهمية الهجوم أحياناً بدل الدفاع عن النفس دائماً، وتذكر التيار نفسه وجوب المبادرة إلى مهاجمة خصومه بدل التفرج عليهم يهاجمونه كما كان يفعل منذ أكثر من أربع سنوات. وعلى الرئيس ميقاتي الاستفادة من الثقة المتجددة للقيام ببعض العمل، سواء على صعيد التعيينات أو غيرها من الملفات، وهو شاهد وسمع كيف أن القمصان البرتقالية، لا السوداء أو الخضراء أو قمصان رئيس الجمهورية، دافعت عن حكومته وحمتها، بينما تستعد الماكينة العونية بالتنسيق مع حلفائها لجولة جديدة من الإعداد لتغدو جلسات اللجان النيابية أقرب إلى جلسة المناقشة العامة.

في الأسبوع الماضي أثبتت المعارضة السابقة تعلّمها ثلاث مفردات جديدة: تنسيق، إعداد مسبق وهجوم بدل الدفاع. الآن فقط يمكن جمهور التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل أن يحلم بالهتاف: ولّى زمن الهزائم... السياسية.
2012-04-23