ارشيف من :أخبار لبنانية
تهديدات "إسرائيل" المتجدّدة: قفزة إلى الوراء
صحيفة "الأخبار" - يحيى دبوق
ارتفع، في فترة زمنية قصيرة نسبياً، منسوب التهديدات والتحذيرات الإسرائيلية للبنان، كمّاً ونوعاً، مع تركيز إضافي في هذه المرحلة على استعراض «جبروت» الجيش الإسرائيلي ووسائله القتالية التي بات من شأنها، بحسب رواية تل أبيب، تأمين الغلبة في الحرب المقبلة مع حزب الله.
ورغم أن جديد التهديدات والتحذيرات، كما استعراض الوسائل القتالية، شبيه بقديمها، إلا أن وتيرتها كانت لافتة في هذه الفترة، فضلاً عن أن بعضها جاء ابتدائياً بلا مناسبة. ومن بينها تهديدات أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، شدد فيها على أن «إسرائيل ستضرب البنى التحتية للبنان في الحرب المقبلة»، وتحذير الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، من أن «لبنان سيكون في خطر إذا ما استهدفت الصواريخ إسرائيل»، وإنذار رئيس الأركان الإسرائيلي، بني غانتس، بأن الحرب المقبلة ضد حزب الله لن تكون شبيهة، لناحية مستوى الدمار الذي ستلحقه بلبنان، بالحرب الماضية.
قبل هذه «الموجة»، كانت التصريحات والمواقف الإسرائيلية تركز تحديداً على توصيف «الواقع المأزوم» لحزب الله، كما حاولت تل أبيب أن تشيع، مبتعدة عن رتابة التهديدات والتحذيرات التي انتهجتها طوال السنوات القليلة الماضية، في أعقاب فشل العدوان عام 2006. خلال الفترة السابقة، تمحور الحديث الإسرائيلي حول انكفاء حزب الله، وشعوره بانعدام اليقين حيال مصيره، وسقوطه في شبكة تعقيدات داخلية وإقليمية تهدد دوره وتقيّد حركته، كما جرى الربط بين «تردي وضعه» بالمآل، والسقوط الحتمي لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، بوصفه داعماً رئيسياً للمقاومة في لبنان. كان هذا التقدير جامعاً للقوس الإسرائيلي، إعلامياً وسياسياً وأمنياً، بانتظار تحقق المرتقب، الذي كما يبدو، طال وسيطول انتظاره.
وما بين التقدير بانكفاء حزب الله ربطاً بتقدير وجوده في دائرة الخطر، والعودة الى التهديدات، قفزة الى الوراء قد لا يصعب إيجاد أسبابها.
فعلى ما يبدو، راهنت تل أبيب على سقوط النظام في سوريا، وقدرت أن هذا السقوط سيطوّق حزب الله، ويضطره الى الانكفاء الدفاعي عن النفس، حيال تهديد سيكون مركباً: من الجنوب والغرب (البحر)، من ناحية إسرائيل، ومن الشرق والشمال، من ناحية سوريا الجديدة والمأمولة، الموالية للغرب. أي إمكان تحقيق ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه، في حالتي الحرب واللاحرب، خلال السنوات القليلة الماضية.
وانتقال النظام السوري من استراتيجية الاحتواء والدفاع السلبي، الى المبادرة الهجومية وتحقيق الإنجازات الميدانية، مع تأكّد تل أبيب بأن لا أفق وإمكان للتدخل الخارجي العسكري، أدى الى تغيير التقدير الاستخباري لديها، من سقوط وشيك للأسد، سيستغرق أسابيع، الى سقوط بعيد، قد يستغرق مدة طويلة جداً، وبالقدر المتيقّن ليس متوقعاً في غضون العامين: الحالي والمقبل.
معطيات وتقديرات الساحة السورية الجديدة كشفت لتل أبيب أن الرهانات السابقة على سقوط الأسد، كانت، في أقل تقدير، خطأ في قراءة الواقع وما يرتبط به من مؤثرات، الأمر الذي يعني، من جهة أخرى، أن إسرائيل خسرت في التعويل على خيار بديلٍ حيال حزب الله كانت تعوّل عليه كثيراً.
من هنا، تصبح مفهومة عودة إسرائيل إلى استخدام الوسائل نفسها التي استخدمتها طويلاً في مقابل حزب الله، إبان مرحلة ما قبل بدء الأزمة في سوريا: التهديد واستعراض القوة. وهي عودة الى نقطة البداية، في مرحلة ما بعد استنفاد الرهانات على إسقاط النظام في سوريا، بمعنى أن تل أبيب باتت تتطلع وتقارب تهديد حزب الله وأساليب مواجهته ومحاولة احتوائه، بناءً على تقديرها الجديد لمرحلة ما بعد بقاء الأسد، وليس لمرحلة ما بعد سقوطه. والفارق بين المطلبين كبير وشاسع. وما يزيد من الخشية الإسرائيلية أن موقع النظام السوري ما بعد الأزمة، كجهة داعمة للمقاومة، سيكون أكثر اندفاعاً وحافزية لتقديم الدعم والمؤازرة لحزب الله، قياساً بموقعه السابق، ما قبل الأزمة.
تبقى الإشارة الى أن تصريح باراك (معاريف 05/04/2012)، كان لافتاً، لجهة دلالاته، إذ قال إن «حزب الله مرتدع، لأنه يعلم أنه إذا أطلق الصواريخ باتجاه الجبهة الداخلية الإسرائيلية في المواجهة المقبلة، فإن إسرائيل ستمارس قوة شديدة ضد البنى التحتية اللبنانية».
وبمفهوم معاكس، فإن إسرائيل تمتنع عن ضرب البنى التحتية للبنان خشية صواريخ حزب الله، وهو بحد ذاته، إقرار غير مباشر بقدرة سلاح المقاومة على إنتاج مفاعيله الردعية، حتى من دون استخدامه الفعلي.
يعود الواقع الإسرائيلي الى الحالة المأزومة القديمة ـــ الجديدة، قبالة حزب الله: إذا كان سلاح المقاومة عاملاً دافعاً لعدوان تل أبيب على لبنان، فهو، في الوقت نفسه، مانع لنشوبها، وهو إنجاز دفاعي، غير مسبوق للبنان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018