ارشيف من :أخبار لبنانية
دمشق: هذه هي مقتضيات بروتوكــول خطة أنان
نقولا ناصيف ـ صحيفة "الاخبار"
جهر النظام السوري ومعارضوه بتأييد خطة البنود الستة، ورجّح كل منهما إخلال الآخر بها لتعطيل التسوية السياسية. لكل منهما تفسيره لها. كذلك حلفاء الطرفين في مجلس الأمن يفسّرونها بتناقض: خطة وقف العنف واستعادة النظام أم تحضيره للتخلي عن السلطة لأعدائه.
تُظهر دمشق، تبعاً لما يُبديه مطلعون عن قرب على موقفها، منحى إيجابياً حيال خطة التسوية التي وضعها المبعوث الدولي ـــ العربي كوفي أنان للأزمة السورية، وتعبّر أمام سائليها عن استعدادها لتقديم الدعم اللازم للخطة، ما دامت تلتزم العمل مع الدولة السورية. إلا أنها تدرج تعاونها هذا وفق معطيات أبرزها:
1 ـــ بعدما وقّعت وزارة الخارجية السورية ممثلة بنائب الوزير فيصل المقداد المشروع الأوّلي لبروتوكول التعاون مع موفد لأمم المتحدة في 19 نيسان، تتطلع دمشق إلى الصيغة النهائية للبروتوكول يوقّعها وزير الخارجية وليد المعلم مع أنان في زيارة مرتقبة لدمشق.
وما تنتظره العاصمة السورية من أنان الضمانات الكفيلة بتأكيد التزام الطرف الآخر في الأزمة احترام خطته، وخصوصاً الأفرقاء الذين يختبئون وراء المعارضة المسلحة، ويتولون تمويلها ومدّها بالسلاح وتوفير الملاذ الآمن لرجالها.
أتت الصيغة الأولية لمشروع البروتوكول من أجل استعجال إرسال مراقبي الأمم المتحدة لوقف العنف في البلاد. عكست هذا المنحى مسارعة مجلس الأمن في 21 نيسان، بعد 48 ساعة من توقيع مشروع البروتوكول، إلى إصدار القرار 2043 القاضي بإرسال 300 مراقب إلى سوريا. كانت دمشق قد أصرّت على وضع بروتوكول مكتوب وموقّع من أجل تأكيد التزام الأمم المتحدة التعاون مع الدولة السورية بصفتها مرجعية وحيدة لوضع بنود الخطة موضع التنفيذ وإدارة الحوار الوطني.
ووفق المطّلعين على الموقف السوري، فإن آلية عمل المراقبين الدوليين متفق عليها سلفاً بين الحكومة السورية والأمم المتحدة، وناط الرئيس بشّار الأسد بوزير الخارجية التفاوض مع الجانب الدولي. وهو ما كان قد أبلغه إلى الموفد الدولي ـــ العربي بعدما باشر عمله، في آخر لقاء جمعهما في دمشق . سأل أنان الأسد عن القناة السورية الرسمية المنوط بها التحاور معه، فأحاله على المعلم.
بيد أن هذا التكليف يدخل في نطاق وضع ملف علاقة الأزمة السورية بالغرب في يد الرئيس السوري مباشرة بصفته صاحب القرار النهائي، وتتولى تنسيق إجراءات العلاقة المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس الوزيرة بثينة شعبان، بينما توزّعت مهمات الملف، تبعاً لتدرّج الاتصالات والمراجع، على المعلم والمقداد والناطق الرسمي باسم الخارجية السورية جهاد مقدسي، إلى إدارات أخرى في وزارة الخارجية. ولا يقتصر عمل شعبان على هذا الجانب فحسب، بل ناط بها الأسد مع معاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف الاتصال بمعارضة الداخل والإعداد لطاولة الحوار الوطني.
2 ـــ لا ترى دمشق بروتوكول التعاون وتنظيم عمل المراقبين الدوليين صورة منقّحة عن بروتوكول مهمة المراقبين العرب وعملهم في سوريا في كانون الأول الماضي، ثم ألغته الجامعة العربية بعد 20 يوماً من بدء العمل به. ولم تكن قد انقضت ساعات على تجديد انتداب المراقبين العرب شهراً حتى أسقطت مهمتهم فوراً. وبحسب المسؤولين السوريين لم تكن دمشق وراء تعطيل تلك المهمة، ولا تنظر في المقابل إلى مهمة نظرائهم الدوليين على أنها مكمّلة لأولئك الذين ائتمروا بالجامعة العربية. إلا أن قرار الرياض سحب مراقبيها كان وحده كفيلاً بالقضاء على المهمة برمتها، رغم أن مجلس الجامعة مدّد مهمتهم شهراً إضافياً.
ليست الحال نفسها مع المراقبين الدوليين الذين يشكّلون جزءاً لا يتجزأ من قراري مجلس الأمن 2042 و2043. منذ بدأ أنان مهمته، تحفّظت دمشق عن التعامل معه على أنه مبعوث دولي ـــ عربي، ورفضت استقبال أي موفد عربي له، وتصرّفت على أنها قطعت علاقتها بالجامعة العربية. وهي بذلك تعدّ مهمة أنان منبثقة من مجلس الأمن بكفالة الموقف الروسي الذي يضبط حسن تنفيذها، بعدما أيّد المجلس بإجماع أعضائه البنود الستة.
بل يتحدّث المسؤولون السوريون عن تنسيق تفصيلي مع موسكو حيال تحرّك الغرب، في مجلس الأمن وخارجه، وباتوا أكثر اطمئناناً إلى أنهم لن يكونوا، بعد سنة من انفجار الأزمة، عرضة لضغوط روسيا بعدما وضعت ـــ وكذلك الصين ـــ زيحاً عريضاً من حول النظام ورفضت تقويضه بالقوة ومنحته دوراً أقوى لرعاية الأزمة والحوار الوطني. بل الأهم في ذلك أن الدورين الروسي والصيني وضعا حداً نهائياً لأي محاولة لشنّ هجوم عسكري على سوريا.
يتطابق هذا الموقف مع توسّع النفوذ الروسي، في أكثر من اتجاه، في هذا الجانب من شرق المتوسط، بعد إقراض قبرص ملياري ونصف مليار دولار.
3 ـــ مهمة المراقبين الدوليين آنية وانتقالية تستمر ثلاثة أشهر، تتوقع دمشق انتهاءها على أثرها. وهي لا تخفي أمام زائريها أنها لن تتحمّس لتجديد انتداب هؤلاء، ولن تقبل ببقائهم طويلاً على أراضيها ما دامت المهمة المنوطة بهم ـــ وفق خطة أنان ـــ وقف العنف وسحب المسلحين وإعادة الاستقرار توطئة لانتقال الخلاف بين النظام ومعارضيه إلى نطاقه السياسي عبر حوار وطني حضّت عليه الخطة.
4 ـــ بإصرارها على مهلة ووظيفة محدّدتين للمراقبين الدوليين، تقول دمشق إنها لن تسمح بتحوّل هؤلاء قوة فاصلة بين الجيش وقوات حفظ النظام والشرطة وبين المعارضين المسلحين، وتكريس خطوط تماس بين الطرفين. تتمسّك دمشق بتفسيرها خطة المبعوث الدولي: ليس للمراقبين مراقبة وقف النار، ولم تلحظ الخطة هذا المبدأ، بل تحدّثت عن وقف العنف وتخلي المعارضة عن سلاحها وإخراج الجيش والأسلحة الثقيلة من المدن إلى الثكن، تمهيداً لمباشرة الحوار الوطني على الإصلاح والمرحلة الجديدة في البلاد. الأمر الذي يعني، وفق هذا التفسير، عودة الاستقرار ووضع المبادرة في يد الدولة بصفتها تمثّل مرجعية أقرّ بها قرارا مجلس الأمن.
5 ـــ ليس لأي طرف خارجي أي دور في الحوار الداخلي بين النظام ومعارضيه. ومع أن روسيا، الحليف القوي للنظام، تتحدّث عن توفير الظروف الفضلى لإجراء حوار وطني في موسكو أو في دمشق، وهو مغزى استمرار اتصالها بأفرقاء المعارضة وأخصّها الداخلية، واستقبال ممثليها أطرافاً بعد آخرين، إلا أن النظام يتحدّث أمام زائريه عن أن أحداً ـــ بما في ذلك الأمم المتحدة ـــ لا دور له في الحوار الوطني.
بل يذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إنه لا دور في الحوار لأي دولة سحبت سفراءها وأقفلت أبواب سفاراتها في دمشق، وأي دولة وفّرت ملاذاً آمناً وتمويلاً وسلاحاً للمعارضين المسلحين، وأي دولة شاركت في الحصار على سوريا أو تورّطت في النزاع الداخلي. ورغم أن الدول التي تنطبق عليها هذه المواصفات من الشرق إلى الغرب تمسي أكثر من نصف العالم، ترى القيادة السورية أن الحوار الوطني مهمتها، وهي لا تزال تملك زمام المبادرة. يحدوها ذلك على التأكيد أن أحداً من الأوروبيين أو الأميركيين لن ينضم إلى المراقبين الـ300 الأسبوع المقبل. إلا أنها تبدي حماسة لانضمام مراقبين روس وصينيين وهنود.
6 ـــ يعتقد النظام بأن الضامن الفعلي الذي يغطي قوته في المواجهة هو الأرض وتماسك مؤسساته العسكرية والأمنية وثبات الجيش الذي انتقل منذ منتصف شباط من الدفاع إلى الهجوم. وقد تكشفت للجيش والاستخبارات بعد سنة من الصدامات العسكرية قدرات المعارضة وإمكانات التسلح المتوافرة لديها ومصادر تمويلها. يدفع ذلك المسؤولين السوريين إلى الاعتقاد أيضاً بأن الجيش كسر دينامية العمل المسلح، رغم أن الحسم الأمني لم يُنجز، وقد يستغرق وقتاً طويلاً ومنهكاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018