ارشيف من :أخبار لبنانية
«السفير» تنشر تقرير رئيس لجنة تقصي الحقائق حول الهبات: 5 مليارات دولار بلا وجهة إنفاق محددة... بعد 20 عاماً من الهروب من الرقابة
ليست قصة المالية العامة كقصة إبريق الزيت. هي قصة محقة عن واقع لا يمر يوم إلا ويتكشف عنه المزيد من المعلومات.
تنشر «السفير» أدناه تقريراً عن الهبات التي حصل عليها لبنان منذ العام 1990 وحتى العام 2010، وقبلتها الحكومات المتعاقبة بموجب مراسيم أو قرارات.
وبرغم أن قانون المحاسبة العمومية ينص على أن أي هبة تصل إلى لبنان يتم الموافقة عليها بمرسوم يتخذ في مجل الوزراء على أن تقيد في قسم الواردات في الموازنة، فإن كل المراسيم والقرارات المتخذة في المجلس منذ عشرين عاماً لا تعبر عن القيمة الفعلية لهذه الهبات. ببساطة لأن الواقع لم يحترم يوماً النصوص، ولأن قبول الهبات أخذ أشكالاً عدة، جعل من المستحيل معرفة قيمتها الحقيقية بمجرد الاستعانة بالمراسيم الصادرة عن الحكومات، بل يحتاج إلى قرار سياسي بتجليس الاعوجاج الذي تعانيه مالية الدولة. أبسط الأمور أن تكون البيانات المالية التي تتعلق بإدارات عامة أو بمؤسسات عامة في متناول الباحثين عن الحقيقة. تلك الحقيقة التي صرف الكثير من الوقت والجهد في الحكومات المتعاقبة، لإخفائها.
ليست الهبات استثناءً إذاً، هي أحد مزاريب الهدر المفترضة التي تكثر حولها التساؤلات من نوع: لماذا لم تقبل الهبات بمراسيم في مجلس الوزراء، ولماذا لم تسجل في الموازنة العامة، ولماذا لم ينسب 95 بالمئة منها. والأهم لماذا فتحت حسابات خاصة لبعضها؟ أضف إلى قبولها في أحيان كثيرة، وتحديداً بعد العام 2006 مباشرة من الهيئة العليا للإغاثة ومن دون المرور بالمجلس. أما النص القانوني الذي أضيف في موازنة العام 1999 واستمر العمل به في كل الموازنات اللاحقة، والذي ينص على تطبيق «الأحكام النظامية المعتمدة لدى الجهة الواهبة لإنفاق الهبة»، فلم يكن إلا حجة استُعين بها طيلة الفترة الماضية لمخالفة الأنظمة اللبنانية والهروب من الجهات الرقابية.
كل تلك الأسئلة وغيرها الكثير كان نتيجة ما كشف في لجنة المال والموازنة منذ أن أنهت دراسة موازنة 2010 في تشرين الاول من ذلك العام. في ذلك الوقت فجر ديوان المحاسبة قنبلته الشهيرة بإعلانه أن لا حسابات سليمة منذ العام 1993وحتى اليوم.
بعد ذلك، كان لا بد من الاستماع إلى وزارة المالية، وبنتيجة الأسئلة التي طرحت من النواب توسع الملف وازداد تعقيداً إلى أن تم الخروج بسلسلة استنتاجات أرست قواعد جديدة في التعامل مع الملف المالي. إذ تبين أن الادارة المالية من العام 93 وحتى اليوم عمدت إلى: فصل الموارد الأساسية للدولة عن الخزينة (الهبات والقروض)، ضرب مبدأ شمولية الموازنة، وبالتالي شمولية الحسابات، عزل الهبات والقروض عن الموازنات والحسابات المالية ونزع صفة الواردات عنها، في مخالفة صريحة للمادة 52 من قانون المحاسبة العمومية (تقييد الهبات في قسم الواردات في الموازنة)، وتحويلها إلى حسابات خاصة في مصرف لبنان مشمولة بالسرية المصرفية، بما يمنع أياً كان من متابعة إنفاقها حتى لو كانت وزارة المالية.
وللتذكير فإن «السفير» كانت ووجهت بالسرية المصرفية عندما زارت المصرف المركزي، آملة الحصول على معلومات حول ما أنفق من هبات حرب تموز، بعدما قال الرئيس فؤاد السنيورة منذ نحو شهر إن «حسابات هبات حرب تموز موجودة في مصرف لبنان ويمكن من يشاء وأيّ مواطن الاطلاع عليها وكذلك على مصادرها وأبواب إنفاقها».
بالنتيجة، فإن وزارة المالية، المعنية الأولى بمالية الدولة وحركة أموالها، لا تملك المستندات الثبوتية لهذه الهبات التي تنفقها المؤسسات عبر حساباتها الخاصة، والتي يصعب، بالتالي، مراقبتها من قبل مراقب عقد النفقات في الوزارة أو من قبل ديوان المحاسبة. أما القول بحق الديوان بالرقابة اللاحقة، فذلك أمر يعرف كل من أبعد الهبات عن رقابته المسبقة، أنه لم ينفذ أقله منذ العام 1996، علماً أن أحداً لا يستطيع إلزام المؤسسات المعنية بتقديم كل مستنداتها إلى الديوان إذا لم تشأ ذلك.
بالنتيجة، ومع تحول الهبات إلى لغز حتى على الإدارات المعنية، رقابية كانت أم مالية، نشأ وضع شاذ، كانت نتيجته إخراج مليارات الدولارات بهذا الاسلوب غير القانوني من تحت سلطة الدولة (الرقابة، الخزينة، الموازنة، الحسابات المالية...) لتعدو ورقة قوة في يد رؤساء حكومات، استطاعوا أن يوظفوها، بطرق مجهولة، وكما يشاؤون، وبما يمنع كل إدارات الدولة المعنية من تقفي أثر إنفاقها، أو حتى معرفة قيمتها الدقيقة، بعدما عطلت الرقابة الادارية: مراقب عقد النفقات في وزارة المالية، والقضائية: ديوان المحاسبة، والبرلمانية: مجلس النواب.
حكماً ليس التعامل مع الهبات هو علة النظام المالي، بل واحد من نتائجه، إذ عندما لا تأتي الحسابات مجمعة ولا تراعى شمولية الموازنة ولا يصادق ديوان المحاسبة على أي قطع حساب منذ العام 1993، فإن ذلك يعني أن ما قامت به لجنة المال والموازنة بإنشائها لجنة فرعية لتقصي الحقائق حول المالية العامة كان أكثر من ضروري.
وبالفعل، فقد عمد مكتب رئيس لجنة تقصي الحقائق النائب ابراهيم كنعان إلى تقصي حقيقة الهبات كجزء من الحسابات المالية المطلوبة، من خلال متابعة ما طرحه النواب حولها من أسئلة محقة.
يتبين من التقرير الأول لرئيس اللجنة، الذي حصلت «السفير» على نسخة منه، أنه اصطدم بواقع أن خمسة في المئة فقط من كل الهبات التي حصل عليها لبنان خلال 20 عاماً تم تنسيبها، ما أدى إلى تعذر الوصول إلى وجهة إنفاقها.
من هنا، اكتفى مكتب كنعان بعملية إحصاء معقدة لكل الهبات من خلال العودة إلى المراسيم والقرارات التي أقرت في مجلس الوزراء. وخلص إلى إحصاء نحو أربعة مليارات دولار من الهبات التي حصل عليها لبنان خلال عشرين عاماً (3,6 مليارات دولار منها غير منسب)، إضافة إلى حصوله على بيانات تتعلق بهبات حرب تموز التي قبلت من الهيئة العليا للإغاثة وقيمتها نحو 1,2 مليار دولار. بمعنى آخر، فان ما يزيد عن 5 مليارات دولار تبقى بلا اوجه انفاق محددة.
وفيما لم يتسن لفريق العمل التدقيق في ما صرف وما لم يصرف من الهبات بسبب عدم توافر الوثائق المطلوبة، اكتفت اللجنة في تقريرها الأول بإعداد جردة بما استطاعت الوصول إليه من حقائق ومعلومات، والاهم الإضاءة على ما تعذر الوصول إليه. أما كنعان فأكد لـ«السفير» أن «ما أنجز هو عمل نيابي بحت نضعه بتصرف كل النواب والادارة المالية وديوان المحاسبة»، واعداً في الوقت نفسه بإنجاز العديد من التقارير تباعاً.
أولاً: في الدستور والقانون
1ـ نصت المادة 83 من الدستور على ما يلي:
«كل سنة، في بدء عقد تشرين الأول، تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على الموازنة بنداً بنداً».
2ـ ونصت المادة 51 من قانون المحاسبة العمومية على أن «تقيد الواردات المقبوضة برمتها في قسم الواردات من الموازنة».
3ـ وحددت المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية أصول قبول الهبات وقيدها وإنفاقها فنصت على ما يلي:
«تقبل بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء الأموال التي يقدمها للدولة الأشخاص المعنيون والحقيقيون، وتقيد في قسم الواردات من الموازنة.
وإذا كانت لها وجهة إنفاق معينة فتحت لها بالطريقة نفسها اعتمادات بقيمتها في قسم النفقات».
فشمول الموازنة إذن مبدأ مكرس دستورياً، والهبات إيرادات موازنة ويجب أن تقيد في قسم الواردات من الموازنة وتخصص لتغطية عجز الموازنة، أي قصور الإيرادات المحصلة عن تغطية النفقات المصروفة، ما لم تكن لها وجهة إنفاق معينة وفقاً لإرادة الواهب فيفتح لها اعتماد في قسم النفقات من الموازنة وتخصص حصراً لتغطية هذا الاعتماد.
4ـ إلا أن الحكومة عمدت إلى تضمين مشروع قانون موازنة الدولة لعام 1999 النص التالي قبل إحالته على المجلس النيابي:
«تطبق في إنفاق اتفاقيات القروض الخارجية الجارية مع مختلف الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات الأحكام النظامية المعتمدة لدى الجهة المقرضة سواء أكان هذا الإنفاق من الجزء المحلي أم من الجزء الأجنبي على أن تخضع لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة».
وأتبعته في مشروع قانون موازنة العام 2000، وفي مشاريع قوانين الموازنات اللاحقة حتى العام 2005، بالنص التالي:
«تطبق في إنفاق اتفاقيات القروض الخارجية والهبات الجارية مع مختلف الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات الأحكام النظامية المعتمدة لدى الجهة المقرضة سواء أكان هذا الإنفاق من الجزء المحلي أم من الجزء الأجنبي على أن تخضع لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة».
5ـ لم يتنبه المجلس النيابي إلى خطورة هذا النص الذي كان يصدق بتصديق مشروع قانون الموازنة، واستغلت الحكومة غموضه فحمّلته أكثر مما يحتمل لأن عبارة «إنفاق» الواردة في النص لا تعني الخروج على نص المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية لجهة كون مجلس الوزراء المرجع الصالح لقبول الهبات، ولا إخراجها من كونها إيرادات موازنة، ولا فتح اعتمادات بقيمتها عندما تكون لها وجهة إنفاق معينة وفقاً لإرادة الواهب، كما أنها لا تعني الخروج على أحكام المادة 243 من قانون المحاسبة العمومية المعدلة بموجب القانون رقم 49/87 الصادر بتاريخ 21 تشرين الثاني 1987 لجهة المراجع التي يحق لها فتح حسابات خاصة بها لدى مصرف لبنان.
وللعلم، فقد نصت المادة 243 من قانون المحاسبة العمومية على ما يلي:
«يحظر على الإدارات العامة والبلديات والمؤسسات العامة التابعة للدولة أو للبلديات وسائر الأشخاص المعنويين ذوي الصفة العمومية فتح حسابات في المصارف الخاصة أو فتح حساب خاص بها في مصرف لبنان».
إلا أن القانون رقم 49/87 الصادر بتاريخ 21/11/1987 قد عدّل هذه المادة حيث نص على ما يلي:
«خلافاً لأي نص آخر ولاسيما أحكام قانون المحاسبة العمومية وأحكام قانون النقد والتسليف يمكن للإدارات العامة ذات الموازنات الملحقة والمؤسسات العامة والبلديات وسائر الأشخاص المعنويين ذوي الصفة العمومية فتح حسابات جارية مستقلة بهم في مصرف لبنان».
فأجاز للإدارات العامة التالية حصراً:
ـ وزارة الاتصالات (في ما يتعلق بالاتصالات فقط)
ـ مديرية اليانصيب الوطني
ـ المديرية العامة للحبوب والشمندر السكري
فتح حسابات خاصة بها لدى مصرف لبنان.
أما الحكومات المتعاقبة فقد تمادت في مخالفة أحكام القانون رقم 49/87 المذكور وأجازت للوزارات، وحتى لبعض الوحدات في الوزارات، وحتى لموظفين في وزارات، فتح حسابات خاصة بها وبهم لدى مصرف لبنان بحيث أصبح لكل وزارة أكثر من حساب لدى هذا المصرف الذي كان يفترض بالقيمين على إدارته أن يرفضوا فتح حسابات لديه بطريقة مخالفة لأحكام القانون، الأمر الذي أدى إلى تعدد الحسابات وتعذر توحيد نتائجها السنوية.
6ـ وقد استمرت الحكومات المتعاقبة منذ العام 2005 بتطبيق النص ذاته الوارد في قانون موازنة العام 2005، بالرغم من عدم صدور قوانين موازنات بعد ذلك العام يجيز لها ذلك على اعتبار أن مفعول مواد قانون موازنة ما ينتهي بانتهاء السنة المالية العائدة لهذه الموازنة. وبذلك تكون الهبات الخارجية (والقروض بالطبع) التي قبلت بعد العام 2005 مخالفة لأحكام المادة 83 من الدستور ولأحكام المادتين 51 و52 من قانون المحاسبة العمومية.
ثانياً: في الوقائع
1ـ لقد تمادت الحكومات المتعاقبة في مخالفة نص المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية، وفي مخالفة نص المادة 243 المعدلة من قانون المحاسبة العمومية، وفي التوسع بمفهوم عبارة «إنفاق» التي يجري إدراجها في قوانين الموازنة منذ العام 2000 في ما خص الهبات خلافاً لأحكام المادة الخامسة من قانون المحاسبة العمومية التي تحدد مضمون قانون الموازنة بنصها على ما يلي:
«قانون الموازنة هو النص المتضمن إقرار السلطة التشريعية لمشروع الموازنة. يحتوي هذا القانون على أحكام أساسية تقضي بتقدير النفقات والواردات وإجازة الجباية وفتح الاعتمادات للإنفاق وعلى أحكام خاصة تقتصر على ما له علاقة مباشرة بتنفيذ الموازنة».
ـ فقبلت هبات مقدمة إلى الدولة في هيئات رديفة (الهيئة العليا للإغاثة)،
ـ ولم تقيدها بكاملها في قسم الواردات من الموازنة. فمن أصل هبات بقيمة أكثر من 144 مليار ليرة لبنانية منحت للدولة خلال العام 2005 لم يقيد في الموازنة كواردات محصلة سوى حوالي 15 مليون ليرة لبنانية!!!
ـ وأودعتها في حسابات خاصة لدى مصرف لبنان خلافاً لأحكام المادة 243 من قانون المحاسبة العمومية المعدلة بموجب القانون رقم 49/87 الصادر بتاريخ 21 تشرين الثاني 1987.
2ـ تتوفر لدينا مجموعة المراسيم المتعلقة بقبول مجلس الوزراء للهبات منذ العام 1990ولغاية العام 2010، وهي مرفقة بهذا التقرير، وكذلك تتوفر لدينا قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بقبول الهبات منذ العام 1990 ولغاية العام 2008. أما الجداول المرفقة بهذا التقرير أيضاً فتتضمن ملخصاً للمعلومات المتعلقة بكل مرسوم وقرار وهبة موزعة على السنوات.
يبلغ مجموع الهبات المقدمة إلى الدولة والتي صدرت مراسيم وقرارات بها /5,812,372,306,153/ ليرة لبنانية (توزيعها يظهر في الجدول رقم واحد).
3ـ هناك هبات عديدة جرى قبولها في الهيئة العليا للإغاثة ممثلة برئيس الحكومة وحده. ومنها على سبيل المثال:
÷ هبة من بنك بيبلوس بتاريخ 16/9/2007 بقيمة مليون دولار أميركي.
(المصدر: تقرير الهيئة الأول المرفوع إلى مجلس الوزراء بتاريخ 3/12/2008، الصفحة 8).
÷ هبات من الدول والمؤسسات المانحة لمعالجة آثار عدوان تموز 2006 بقيمة 1,130 مليون دولار أميركي، أي ما يعادل 1,703,475,000,000 ليرة لبنانية، منها:
} من المملكة العربية السعودية 690,00 مليون دولار ،
} من إمارة الكويت 315,00 مليون دولار،
} من سلطنة عمان 50,00 مليون دولار أميركي،
} من الصندوق العربي للتنمية
الاقتصادية والاجتماعية 10,37 مليون دولار...
(المصدر: تقرير الهيئة الثاني المرفوع إلى مجلس الوزراء بتاريخ 3/12/2008، الصفحة 6).
÷ هبات من الدول المانحة خلال العام 2006، غير مخصصة لإنفاق معين:
÷ من المملكة العربية السعودية 50,000،000 دولار أميركي،
÷ من إمارة الكويت 15,000,000 دولار أميركي،
÷ من دولة كوريا 500,000 دولار أميركي،
÷ من دولة تشيكيا 223,604 دولار أميركي،
÷ من دولة هنغاريا 27,958 دولار أميركي...
(المصدر: تقرير مفوض المراقبة عن حسابات الهيئة الموقوفة بتاريخ 31/12/2008، الصفحتان 24 و25).
4ـ هناك هبات جرى قبولها لصالح مجلس الإنماء والإعمار، منها على سبيل المثال الهبات المستلمة خلال 2002 و 2003 (الجدول رقم 2):
(المصدر: تقرير مفوض المراقبة عن حسابات المجلس الموقوفة بتاريخ 31/12/2003، الصفحة 63).
5ـ ومن الهبات الصادرة بمراسيم ما هو منسّب، أي ما دوّن في الموازنة كواردات سنداً لأحكام المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية، ومنها ما هو غير منسّب، ولاسيما الهبات الخارجية بعد العام 2000، لا بل أن هبة بقيمة 38 مليون يورو جرى قبولها بموجب المرسوم رقم 1584 الصادر بتاريخ 30 تشرين الأول 1999، قد ألغي تنسيبها بموجب المرسوم رقم 4143 الصادر بتاريخ 18 تشرين الأول 2000، أي بعد حوالي السنة من تاريخ قبولها وتنسيبها. (الجدول رقم واحد)
6ـ تجدر الإشارة إلى أن تنسيب الهبة بموجب مرسوم قبولها، أي قيدها في قسم الواردات من الموازنة، لا يعني تحصيلها حكماً وإدخالها في حساب الخزينة (الصندوق أو مصرف لبنان). فمن أصل هبات منسّبة عام 2005 بقيمة /281,428,860/ ليرة لم يدخل في حساب الخزينة سوى مبلغ /15,075,000/ ليرة.
7ـ كما تجدر الإشارة إلى أن تنسيب الهبة، وحتى إدخالها في حساب الخزينة كواردات موازنة، لا يعني إنفاقها وفقاً للأصول، الأمر الذي يستوجب الدخول إلى حسابات كل هبة ومتابعتها منذ قيدها حتى إنفاقها بكاملها، ولاسيما إذا تم تحويلها إلى مجلس الإنماء والإعمار أو إلى إحدى الإدارات الرديفة. والهبة المقدمة من الاتحاد الأوروبي خلال العام 2000 خير دليل على ذلك، كما سنرى في الملحق المرفق بهذا التقرير.
ثالثاً: في تحليل الهبات
العائدة لعام 2005
من ضمن المستندات المتوفرة لدينا، مجموعة من المراسيم والقرارات العائدة لسنة 2005، والمتعلقة بالهبات النقدية والعينية التي قدمها أشخاص أو حكومات أو مؤسسات... إلى الدولة اللبنانية بصورة منح غير قابلة للرد إلى الجهة الواهبة.
ويتبين من المراسيم الصادرة أن البعض منها يتضمن العديد من الهبات النقدية دون أن ينص على تنسيب للنفقة المخصصة لصرفها، كما أن البعض منها أيضاً يتضمن التباساً حول الإدارة المستفيدة أو الجهة المخولة قبض هذه الهبات أو التصرف بها...
وبالعودة إلى القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء والمتعلقة بالهبات موضوع البحث والتي على أساسها تصدر المراسيم المتعلقة بها، تبين بأن بعضاً من هذه القرارات لم تصدر المراسيم المقابلة له، والبعض الآخر لا يتطابق مع المراسيم الصادرة على أساسه.
ويبين الجدولان 3 و4 الهبات التي صدرت مراسيم بها، والقرارات التي لم تصدر المراسيم المقابلة لها، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول مصير الهبات التي قبلت بموجب هذه المراسيم والقرارات على حد سواء:
1ـ المراسيم
1) يقصد بالمنسّب من الهبات ما جرى قيده في الموازنة كواردات ونفقات كما تقضي أحكام المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية.
2) ويقصد بالمحصّل من الهبات ما جرى قبضه وقيده في حسابات الخزينة بعد قيده في واردات الموازنة.
3) يتبين من الجدول أعلاه:
÷ أن من أصل عشرين هبة صدرت مراسيم بها هناك أربع هبات جرى تنسيبها أي قيدها في الموازنة كواردات ونفقات،
÷ وأن من أصل الهبات الأربع التي جرى قيدها في واردات الموازنة لم تحصل سوى هبة واحدة بقيمة 15,075,000 ليرة لبنانية.
2ـ القرارات
3ـ المجموع العام لهبات العام 2005
÷ مجموع المراسيم 12,847,012,750 ل.ل.
÷ مجموع القرارات 131,704,245,846 ل.ل.
المجموع العام 144,551,258,596 ل.ل.
4ـ وردت في قسم الواردات من مشروع قانون قطع حساب موازنة العام 2005 المنجز بالاستناد إلى البيانات الصادرة عن مديرية الخزينة والمركز الإلكتروني في وزارة المالية القيود التالية:
الجزء الأول ـ الباب الثاني ـ الفصل 29:
البند 294: الهبات الجارية الداخلية:
- إيرادات مقدرة: 169,500,000
- إيرادات محصلة: صفر
البند 295: الهبات الجارية الخارجية:
- إيرادات مقدرة: 96,853,860
- إيرادات محصلة: 15,075,000
الأمر الذي يعني:
ـ أن من أصل مبلغ 266,353,860 ليرة لبنانية جرى قيده كإيرادات مقدرة، أي صدرت مراسيم قبوله كهبات متضمنة تنسيب الهبة كما هو وارد أعلاه، لم يحصل سوى مبلغ 15,075,000 ليرة لبنانية. فأين الرصيد؟
ـ سبق لنا أن بيّنا أن قيمة الهبات التي جرى قبولها في مجلس الوزراء قد بلغت 144,551,258,596 ليرة لبنانية. فما كان مصير هذه الهبات التي لم يقيد في حساب الخزينة منها سوى مبلغ 15,075,000 ليرة لبنانية؟
رابعاً: خلاصة
لا يكتمل هذا التقرير إلا ببيان رأي ديوان المحاسبة في موضوع الهبات:
1ـ فقد أفاد الديوان في تقريره السنوي لعام 2005 بأنه «يقتضي التمييز بين الهبات التالية:
÷ الهبات التي يتولاها مجلس الإنماء والإعمار ويمكن لديوان المحاسبة ممارسة الرقابة عليها من خلال رقابته المؤخرة على حسابات المجلس.
÷ الهبات التي يتولى محتسب المالية المركزي مسك حساباتها وهي تظهر في حساب مهمته ويمكن لديوان المحاسبة ممارسة الرقابة عليها من خلال رقابته المؤخرة على حساب مهمة محتسب المالية المركزي.
÷ الهبات التي تتولاها مباشرة الوزارات والإدارات المستفيدة ولا تظهر حساباتها في حسابات مجلس الإنماء والإعمار ولا في قيود محتسب المالية المركزي، إذ تفتح لها وفقاً لقوانينها الخاصة حسابات خاصة في مصرف لبنان خارج حساب الخزينة رقم 36 تتولى إدارتها الجهة المستفيدة بالتنسيق مع الواهب».
2ـ وأكد الديوان على ضرورة «إخضاع الهبات المشار إليها لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة وضرورة استصدار النصوص التنظيمية اللازمة لتحديد آلية إرسال حساباتها والمستندات والمعلومات المتعلقة بها إلى ديوان المحاسبة تمكيناً له من إجراء الرقابة التي أناطتها به قوانين الموازنات المتعاقبة».
ويتبين مما سبق أن:
1ـ ديوان المحاسبة أغفل التطرق إلى الهبات التي يتم قبولها في الهيئة العليا للإغاثة، بالرغم من كونها تشكل معظم الهبات التي تقدم إلى الدولة.
2ـ رقابة ديوان المحاسبة على الهبات لم تمارس على الإطلاق:
ـ فهو لم يمارس أي رقابة مؤخرة على حسابات مجلس الإنماء والإعمار،
ـ ولم يمارس أي رقابة مؤخرة على حسابات الهيئة العليا للإغاثة،
ـ ولم يمارس أي رقابة مؤخرة على حسابات محتسب المالية المركزي منذ العام 1996،
وحتى بالنسبة إلى الحسابات السابقة لعام 1996 فإن رقابة الديوان لم تتطرق إلى موضوع الهبات في قراراته القضائية العشرة الصادرة بشأن حسابات محتسب المالية المركزي العائدة للأعوام 1993ـ1996.
3ـ معالجة موضوع الهبات بصورة جذرية تقتضي العودة إلى الأصول، أي إلى قانون المحاسبة العمومية، وتطبيق أحكام المادة 52 منه بحذافيرها.
4ـ تقتضي هذه المعالجة إلغاء القرارات المتخذة في الهيئة العليا للإغاثة وتخول الهيئة صلاحية قبول الهبات.
5ـ وتقتضي هذه المعالجة أخيراً عدم القبول بتضمين أي قانون موازنة نصاً يجيز إنفاق اتفاقيات القروض والهبات الخارجية وفقاً لأحكام خاصة مخالفة لأحكام قانون المحاسبة العمومية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018