ارشيف من :أخبار لبنانية

حذار الغَصْب السياسي

حذار الغَصْب السياسي
ادمون صعب - "السفير"

قال معاوية لأحدهم: «كيف ترى الزمان؟»
قال: «يا أمير المؤمنين، ان تصلح يصلح»
ابن عربي

تابع اللبنانيون باهتمام بالغ المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وتوقفوا ملياً عند النسبة المرتفعة للذين شاركوا في العملية التي أسفرت عن تقدم مرشح المعارضة الاشتراكي فرنسوا هولاند على منافسه الرئيس نيقولا ساركوزي. كما صدموا بالنسبة المرتفعة من الأصوات التي نالتها مرشحة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة مارين لوبين، ما اعتبر «توبيخاً شعبياً» بل معاقبة شعبية من جانب اليسار واليمين الفرنسيين بألوانهما المختلفة للرئيس الذي أخلف بوعوده وأخفق في معالجة القضايا الحياتية لشعبه، مثل البطالة، والتقشف، والدين العام... وهو الذي دعاهم يوم انتخب في العام 2007 إلى محاكمته في حال إخفاقه في إدارة شؤون البلاد. وما حصل الأحد الماضي حقاً هو محاكمة في البداية والاستئناف، وان تمييز الحكم في الدورة الثانية المقررة في 6 أيار لن يكون، بحسب التوقعات والحسابات، لمصلحة الرئيس ساركوزي.

ولعل أبرز ما استنتجه المواطن اللبناني الذي أنشأ له الانتداب الفرنسي أول نظام للانتخابات في العام 1922، ان الصوت المتحرر من القيود والمعطّلات يستطيع أن يُنزل «ملكاً» مثل الرئيس ساركوزي عن عرشه، في حين أن المعطّلات التي وضعها الانتداب في درب الناخب اللبناني لا تزال تحول دون التمثيل العادل والصحيح، بفعل الطائفية والمذهبية والعائلية، وتعطيل المال السياسي للإرادة الشعبية، بحيث أمكن، في ظل الأنظمة الانتخابية التي شهدها لبنان خلال السنوات التسعين الماضية، إنتاج مجالس نيابية شكّلت مظلة لطبقة من السياسيين استثمرت الحكم وتوزعت خيراته أسلاباً وحصصاً، كما حالت دون قيام الدولة التي تُعتبر المظهر القانوني والدستوري للمجتمع الموحّد والمتجانس. وهذا المجتمع غير موجود في لبنان، إلى الآن، ووجوده شرط لقيام الدولة. من هنا، فكل كلام على الدولة وبنائها وقيامها، في ظل مجتمعات أشبه ما تكون باتحاد دوقيات إقطاعية ومذهبية، يُعتبر خدعة وتلاعباً بالألفاظ. إذ لا قيام لدولة قبل تحرير البلاد من سلطة الدوقيات التي تتقدم في صفوف الرافضين قانون انتخاب جديداً يعتمد النسبية، ويُعطي كل ذي حق حقه في التمثيل استناداً إلى وزنه، بعد جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة.
علماً بأن دستور الطائف الذي حرر لبنان من الرواسب الانتدابية في الدستور، قد نص في المادة 22 منه على انه «مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية».

وقد أثار طرح موضوع النسبية، خصوصاً من جانب الرئيس ميشال سليمان، ردود فعل رافضة لها ومتمسكة بقانون الستين الذي أوجد نوعاً من «الحقوق المكتسبة» لبعض الزعامات على حساب تمثيل الجماعة المسيحية التي رفع غلاتها شعار «كل طائفة تنتخب نوابها»، وتالياً يجب البحث في نظام الانتخاب الذي يحقق المناصفة الفعلية ويمكّن المسيحيين من اختيار نوابهم الـ64، مشيرين إلى ان إحصاءات دورة 2009 الانتخابية أتاحت للمسيحيين انتخاب نصف نوابهم، أي 34 نائباً في حين ان النصف الآخر انتُخب بأصوات الطوائف الأخرى، ما جعل النواب المسيحيين تابعين لقيادات وكتل غير مسيحية، فاقدين للدور والفاعلية، ومقيدين بسياسات هذه الكتل وتوجهاتها. وشذ عن هذه «القاعدة» التيار الوطني الحر، و«تكتل التغيير والإصلاح» الذي تعرض لـ«حرب كونية»، خلال الانتخابات في المتن وكسروان وجبيل والبترون وبيروت، مع الإشارة إلى أن لا حقوق سياسية مكتسبة لأحد، لأن النيابة ليست عقاراً.

علماً بأن «تيار المستقبل» الذي أقرّ بأن قانون النسبية «يحرر» نحو 30 نائباً من كتلته، غير مستعد للتنازل عن رصيده النيابي، هذا في حال تم اعتماد النظام النسبي، وخصوصاً ان المسيحيين سيكونون أول المتحررين من تياره. كذلك هو يتمسك بقانون الستين، لأن نظام النسبية حدد سقف الإنفاق الانتخابي بقسم ثابت مقطوع قدره مئة مليون ليرة، وقسم متحرك قدره ثلاثة آلاف ليرة لبنانية عن كل ناخب من الناخبين المسجلين في قوائم الناخبين، وهي مبالغ لا تُغطي ثمن السندويشات في المكاتب الانتخابية!

وثمة من يرد على الاعتراض المسيحي على قانون الستين بأن الهجرة المسيحية الكثيفة من لبنان منذ إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920 وإصابة بعض المسيحيين اللبنانيين بـ«صدمة» جراء تبخر فكرة «الوطن المسيحي»، قد أوجدتا نقصاً كبيراً من الناخبين المسيحيين في بعض الدوائر، ما جعل القرار الانتخابي فيها بيد الغالبية الإسلامية.

واليوم، في ظل الواقع الطائفي، وإلى حين إلغاء الطائفية السياسية وإجراء انتخابات خارج القيد الطائفي، لا بد من قانون متوازن، يحقق التمثيل السياسي الصحيح والعادل، ولا يُقصي أي مجموعة عن المشاركة في القرار السياسي.

وأخشى ما نخشاه ان يأتي الموقف المزلزل الرافض أي انتخابات ظالمة وغير منصفة، من الجانب المسيحي الذي يتألم بصمت ويحاول الإيحاء بأنه «أم الصبي» في كل ما له علاقة بالتعايش والمشاركة والوفاق الوطني. ولقد كان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي واضحاً في موقفه من النسبية التي كان حبّذها في السابق، لكنه عاد وتردد حيالها بعدما اطلع على المواقف الرافضة لها والتعليلات التي أبديت في شأنها، إذ هو أراد ان يأكل عنباً لا أن يقتل الناطور، كما يقول المثل.
وهل هناك أصرح من هذا الكلام؟

ان الذين يراجعون اليوم حساباتهم: كم نائباً حصدت الأموال التي أنفقنا في ظل قانون الستين؟ عليهم ان يعيدوا النظر في حساباتهم، لأن بكركي لن تقبل بالظلم والاستغلال والاستئثار بعد اليوم، وإذا كان لبكركي ان تنظر، في ظل مشروع مروان شربل للنظام النسبي، بين الخيارات الستة لتقسيم الدوائر الانتخابية، فإن الخيار الثالث هو الأنسب لها، إذ يختار المسيحيون بملء إرادتهم 48 نائباً من أصل 64.
وتتوزع الدوائر والمقاعد في هذا الخيار كالآتي:

طرابلس (8)، بعلبك ـ الهرمل (10)، بعبدا ـ المتن (14)، صور ـ بنت جبيل (7)، بيروت 1: الأشرفية ـ الرميل ـ المدور ـ المرفأ ـ الصيفي ـ الباشورة (9)، زغرتا ـ بشري ـ الكورة ـ البترون (10)، راشيا البقاع الغربي (6)، جبيل ـ كسروان (6)، النبطية ـ مرجعيون ـ حاصبيا (8)، بيروت 2: رأس بيروت ـ دار المريسة ـ ميناء الحصن ـ زقاق البلاد ـ المزرعة (10)، عكار ـ المنية ـ الضنية (10)، زحلة (7)، الشوف ـ عاليه (13)، صيدا ـ جزين ـ الزهراني (8).
ووصف شربل مشروعه بأنه «تغييري» ويلبي طموحات اللبنانيين إلى إيصال «ممثليهم الحقيقيين»، كما «ينتج طبقة سياسية تمثل شرائح الوطن كافة (...) لعلّ ذلك يقفل الباب نهائياً بوجه الخضات، وعدم الاستقرار والتهميش».

2012-04-26