ارشيف من :ترجمات ودراسات
خلفيات التباين الإسرائيلي في توصيف عقلانية القيادة الإيرانية
كتب محرر الشؤون العبرية
ليس أمراً قليل الدلالة أن يصف رئيس أركان جيش العدو "بني غانتس" القادة الإيرانيين بالـ "عقلانيين جداً"، لا لجهة مدى دقة هذا الوصف، فهو لا يحتاج إلى شهادة من احد، ولا لجهة أن يتوصل القادة الإسرائيليون إلى استنتاج كهذا، لأن الموقع الذي بلغته الجمهورية الإسلامية على مستوى المنطقة، والمعادلات التي تمكنت من فرضها على السياسة الدولية عامة والأميركية خاصة، تجاه المنطقة، لا يحتاج إلى استدلال.. وإنما للإعلان عن ذلك أمام وسائل الإعلام، وعلى لسان رئيس أركان الجيش، بكل ما ينطوي عليه من ابعاد ودلالات إستراتيجية، الامر الذي دفع الوزير المسؤول عنه، ايهود باراك إلى الرد عليه بنفي صفة العقلانية عن القيادة الإيرانية.
ما يؤشر إلى أن ما قاله "غانتس" كان بفعل قراءة محددة، المقارنة التي اردفها بعد وصفه القيادة الايرانية بالعقلانية، بالقول لو أن هذه القدرات النووية كانت بيد أصوليين إسلاميين (يقصد السلفيين التكفيريين)، قد تكون لديهم في أوقات معينة حسابات أخرى هي أمر خطير.
ولعل من أبرز دلالات التعبير العلني عن هذه الرؤية والقناعة إزاء القيادة الإيرانية، انه يتعارض مع متطلبات السياسة التهويلية التي تتبعها القيادة السياسية الإسرائيلية، التي تحاول إضفاء مشروعية على خيارها العسكري الذي تلوح به ضمناً وتصريحاً، انطلاقاً من أن امتلاك إيران لقدرات نووية، وهي التي ترفع شعار إزالة إسرائيل من منطلق عقائدي ديني، يُشعرها بالخطر الجدي إزاء أي تقدم جوهري تحققه.
لذلك لم يتمكن باراك من أن "يبلع" هذا الوصف للقيادة الإيرانية والذي
بالتأكيد سيكون له صداه العالمي والغربي، ورد على "غانتس" بالقول إن كونهم «أذكياء
ويفكرون.. ويسعون نحو أهدافهم بمكر غير محدود ومن خلال تقدير متواصل لخطوات ونوايا
الخصم لا يجعلهم عقلانيين بالمعنى الغربي للكلمة»، موضحاً قصده بأنهم «لا يبحثون عن
إبقاء الوضع القائم وحل المشاكل المطروحة على جدول الأعمال بطرق سلمية»، مؤكداً أن
«القيادة الإيرانية ليست على هذا النحو».إلى ذلك، تكمن اهمية هذه القناعة والتعبير عنها، انطلاقاً من ان النظرة الإسرائيلية إلى القيادة الإيرانية لها دورها الأساسي في بلورة الخيارات الإسرائيلية، لأن مواقف وخطوات الكيان الغاصب ستكون مختلفة عندما تشعر أنها أمام قيادة إيرانية متهورة وغير "عقلانية جدا"، كما هي حال النظرة إلى "الاصوليين"، كما عبّر غانتس، اذ في حينه ستجد "إسرائيل" نفسها ملزمة بالمبادرة إلى الخيار العسكري، في وقت مبكر لتحقيق ما يمكن تحقيقه، وستجد نفسها مضطرة إلى تجاوز "معادلة الجدوى والكلفة"، على الأقل بالقياس إلى أدائها الآن.
وهذا ما حاولت تل أبيب أن توحي به للغرب، كي تعزز لديه الخوف من "جنون" إسرائيلي، ينطلق من نظرة نمطية تفيد أن كون القيادة في إيران دينية، هذا يعني أن هناك قدراً من اللاعقلانية في مواقفها وخطواتها (على الأقل هذا ما يحاولون الإيحاء به ويجد أرضية لقبوله بنسبة معينة في بعض الأوساط على الأقل على خلفيات فكرية وسياسية).
وتحت سقف هذه العقلانية، تأتي قراءة "غانتس" لسعي إيران "خطوة تلو الأخرى إلى حيث تستطيع أن تتخذ القرار إذا أرادت إنتاج قنبلة"، ولاستبعاده لهذه الخطوة انطلاقاً من تقدير لديه بأن قرار الإمام الخامنئي (حفظه الله)، التقدم نحو إنتاج قنبلة نووية، مرتبط بتحصين المنشآت النووية من القصف، وهي التي طالما كانت غير محصنة، سيكون "برنامجها النووي قابلاً جداً للمس، وفق رؤيتها (إيران)". رغم أن السيد الخامنئي أعلن أكثر من مرة حرمة إنتاج الأسلحة النووية..
في هذا السياق، يمكن الجزم بأن المواقف التي يطلقها سماحة القائد هي موضع مراقبة دقيقة جداً جداً من قبل القيادة الإسرائيلية، وتحضر بقوة في حساباتهم وتقديراتهم، وبالتالي يصبح مفهوماً ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية من أن الرئيس اوباما قال لنتنياهو في زيارته الأخيرة إن السيد الخامنئي يُحرِّم إنتاج أسلحة نووية الأمر الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى محاولة تقويض هذا الأساس بالرد على اوباما قائلاً "محرّم ضد منّ"، بهدف القول إنه قد لا يكون محرماً استخدامه ضد إسرائيل واليهود.
بموازاة ذلك، لا تعني النظرة الإسرائيلية إلى عقلانية إيران، وأنها في المستقبل يمكن أن تشكل تهديداً وجودياً، والى قدراتها الذاتية النووية، أن الواقع الذي سيترتب على تحول إيران إلى دولة نووية، سيكون سهلاً على إسرائيل بل هو بحسب تعبير غانتس "شيء سيئ جداً، يجب على العالم أن يوقفها وأنه يجب على "إسرائيل" أن توقفه. ونحن نُعد خطتنا بحسب ذلك، وهذه هي التوجيهات العملياتية والإستراتيجية في الأمد القصير".
لكن الفارق، أن حسابات "إسرائيل" و"عقلانيتها" ستختلف، عندما يكون تقديرها أنها أمام عدو غير عقلاني في خطواته، وبين عدو ينطلق في خياراته من قراءة دقيقة جداً لموازين القوى، ودراسة عميقة لخطواته.. رغم انه يرفع شعار إزالة "إسرائيل"، ولا يوفر أي دعم لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين، وهنا يكمن سر المشكلة الإسرائيلية والعالمية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018