ارشيف من :ترجمات ودراسات
رغم تباين خطاب باراك نتنياهو.. يبقى قرار الحرب على إيران في واشنطن
كتب محرر الشؤون العبرية
بمقارنة خاطفة بين ما يُركّز عليه باراك في مواقفه، "في كل مفاوضات، كما هي العادة، هناك مساومات وربما يصلون في نهاية المطاف إلى اتفاق يقضي بتخصيب اليورانيوم بنسبة ضئيلة لا تكفي لعمل شيء من شأنه أن يُشكِّل خطراً ملحوظاً علينا.."، وبين ما يركز عليه نتنياهو لجهة "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني فوراً وإخراج المادة المخصَّبة من الأراضي الإيرانية وتفكيك منشأة التخصيب قرب مدينة قم"، بل والجزم بأن إيران تريد إنتاج أسلحة نووية بهدف إزالة إسرائيل.. يتضح أكثر فأكثر وجود نوع من التباين بين الرجلين.. (رغم عدم وجود تباين في النظرة إلى التهديد الايراني وما تشكله ايران النووية من خطر على إسرائيل).
وبالنظر الى خلفيات هذا التباين، يمكن إدراجه ضمن إطارين محتملين:
أن يكون تعبيراً عن خلاف حقيقي حول الموقف من أي اتفاق يُكرِّس أو يشرعن تخصيب اليورانيوم ولو بنسب منخفضة على الأراضي الإيرانية انطلاقاً من رؤى معينة حول الحد الأقصى الذي يمكن تحقيقه في الظروف والمعادلات الدولية والإقليمية القائمة..
أو أنه مرتبط فقط بالموقف من التعبير العلني عن حقيقة المدى الذي يمكن لـ"إسرائيل" أن تتقبله، ولو مكرهة، في هذه المرحلة، وبالتالي يتمحور التباين في هذه الحالة حول تشخيص المصلحة الإسرائيلية، من الكشف عن السقف الذي تلتزم فيه أمام واشنطن بعدم "الجنون" فيما قد يورط المنطقة والولايات المتحدة..
المؤكد أن ما أدلى به رئيس الوزراء يعبر عن السقف الإسرائيلي الحقيقي، لأن الكيان الغاصب يرفض أي درجة من درجات التخصيب على الأراضي الإيرانية، ولولا ارتداعه خوفاً من التداعيات وردود الفعل لما امتنع عن الهجوم العسكري طوال السنوات الماضية، كما فعل مع العراق (1981)، وسوريا (2007).
في
المقابل يعبّر كلام باراك عن السقف الذي يمكن أن يتكيف معه الكيان بفعل ضرورة
معادلات القوة القائمة في المنطقة، والمعادلات التي تتبلور بين إيران والولايات
المتحدة، وفي ظل محدودية الخيارات العسكرية الإسرائيلية على قاعدة "لم يكن بالإمكان
أفضل مما كان".إلى ذلك، يبدو واضحاً أن موقف باراك يُعبِّد الطريق أمام كيانه، في حال تم التوصل إلى صيغة اتفاق مع إيران، للتراجع عن شعاراته بأقل خسائر ممكنة على مستوى قدرة الردع، عبر الادعاء بأن تهديدات إسرائيل أتت أكلها وحققت فوزاً بالنقاط.. خاصة وأن إصرارها على تكرار مواقفها الحاسمة، التي تعبِّر عن حقيقة مصلحة الكيان العبري، في حال تم التوصل إلى صيغة ما، بين إيران والغرب، ستبدو فيه تل أبيب كطرف مهزوم في المعادلة الجديدة.. في الوقت الذي ستكون فيه مقيدة عن العمل الابتدائي سواء انطلاقاً من محدودية القدرات، و/أو بفعل الظروف الدولية..
ايضاً، فيما يتعلق بحديث باراك عن أنه "في كل مفاوضات، كما هي العادة، هناك مساومات وربما يصلون في نهاية المطاف إلى اتفاق يقضي بتخصيب اليورانيوم بنسبة ضئيلة لا تكفي لعمل شيء من شأنه أن يُشكِّل خطراً ملحوظاً علينا، ويكون تحت المراقبة بحسب البروتوكولات المعروفة والمقبولة بالإضافة إلى كشف إيران عن جميع نشاطاتها النووية السابقة"، يمكن القول إنها المرة الأولى التي يصدر فيها كلام عن شخصية إسرائيلية بهذا المستوى الرفيع، وتحمل صفة رسمية (وزير الأمن)، ينطوي على تقدير وارجحية ما بإمكانية التوصل إلى صيغة اتفاق، "في نهاية المطاف قد يصلون إلى اتفاق.."، رغم أنه عاد وأكد على القناعة الإسرائيلية بـ"عدم وجود احتمال كبير بأن يؤدي نوع الخطوات التي تتخذ إلى تراجع إيران عن برنامجها النووي".
أيضاً ينطوي كلام باراك على تلميح بإمكانية تكيّف "إسرائيل" (وبالدقة بحسب رأي باراك)، مع صيغة اتفاق بين الغرب وإيران، يتضمن السقف التالي "اتفاق يقضي بتخصيب... لا يكفي لعمل أي شيء من شأنه أن يشكل خطراً ملحوظاً علينا..".
في المقابل، يمنح موقف نتنياهو "إسرائيل" مساحة أكبر من المناورة، خاصة وأن الاعلان عن أي موافقة إسرائيلية على حد أدنى سيُشكِّل مكسباً مجانياً لإيران، ويمنحها قدرة أكبر على المساومة.. بل قد يُلزم تل أبيب في المستقبل بأسقف لا تجسد فعلاً المصلحة الإسرائيلية، خاصة وأن المواجهة بين إيران والكيان الغاصب مفتوحة ومتعددة المسارات وبالتالي من المصلحة المؤكدة لـ"إسرائيل" الحفاظ على سياسة السيف المسلط الذي يتطلب على الدوام إبقاء الجمهورية الإسلامية في موقع المترقب لضربة إسرائيلية، قد تستدرج مواجهة دولية واسعة، للحد، قدر الإمكان، من الاندفاع الإيراني..
في كل الأحوال، أثبتت تجارب السنوات السابقة انه بالرغم من الصوت الإسرائيلي المرتفع، ان الصراخ لم يكن تمهيداً لعمل عسكري جنوني بقدر ما هو استنجاد واستدراج للدول الغربية كي لا تتركها وحيدة في مواجهة الجمهورية الاسلامية، وأي معادلة يتم التوصل إليها بين إيران والغرب لن تتمكن تل أبيب من الإقدام على ما يشكل خروجاً عن سقفها.. ويبقى تنوع الآراء بين قيادييها نظرياً، كون كلمة الفصل في قرار الحرب على ايران هو لواشنطن المنكفئة لأكثر من سبب..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018