ارشيف من :ترجمات ودراسات
داغان في مقابلة مع "معاريف": منهج الحكم لدينا خطرٌ وجوديّ
المصدر: "معاريف ـ بن كسبيت"
قل لي ـ سألت مائير داغان ـ صحيح أنّك لا تحمل هاتفاً خلويا؟
"هذا صحيح"، أجاب الرجل الذي تولّى رئاسة الموساد لأكثر من ثماني سنوات، "ليس لديّ، وها أنا ذا أتجوّل دون هاتف وما زلت أعيش"، كيف يحصل هذا، سألته، وأنت الآن رجل أعمال تطوف العالم، أنت لا تعيش على القمر. قال دغان: "إذا ما أردتني أن أجيبك بطيب خاطر، فمنذ فترة قصيرة تعلمت من هؤلاء الذين تجوّلوا مع الهاتف الخلوي، وأنا أفضّل بدونه. عدا عن ذلك، الآن ليس لدي إمكانية استبدال الخلوي كل بضعة أيّام ولذا أدبّر أموري بدونه".
باختصار، قلت له، ثماني سنوات في الموساد جعلت منك شكّاكاً كبيراً. "لا"، صحّح داغان،" كنت شكّاكاً قبل ذلك، لقد حاولوا قتلي قبل الموساد، أليس كذلك؟ بلى، حاولت تصعيب الأمر عليه، لكن حتى حينه شككت بالعرب فقط، الآن أنت تشكّ بالهواتف الذكية. "لا"، قال دغان، "أنت تخطئ ثانية، لأنّني لطالما تدبّرت أمري مع العرب"، إلى هنا، طيب الخاطر.
"مائير داغان، ابن السابعة والستين، قصير وسمين، من مواليد سيبريا وهاجر إلى البلاد في الخامسة من عمره وترعرع في أحد أحياء "بات يام"، كان إلى ما قبل عام تقريباً رئيس الموساد للمهامّ الخاصّة، منصب نجح فيه مع إنجازات مؤثّرة، وربما غير مسبوقة، وفيض من الهالة. الآن هو في الحياة المدنيّة، ويبدو أنّه يستمتع فيها. اشترى شقة من التعويض الذي حصل عليه بعد خمسين عاماً في المؤسسة الأمنية، في برج تل أبيب، صالونه زاخر برسومات بريشته الخاصة، فدغان يهوى الرسم وخبير بالفنون، وقد توجّه إلى عالم الأعمال، لكنّه أيضا يواصل العمل لمصلحة الدولة. يترأس جمعية وضعت لنفسها هدفا غير سهل: "تغيير منهج الحكم في إسرائيل". يقف خلفها رجال أعمال بارزون، بينما يجلس "داغان"، في شبّاك العرض.
ـ أخبرني، سألته، من أين أتتك هذه "السوسة"؟ أكثر من ثماني سنوات في الموساد لم يكن لديك الوقت للانشغال بهذه الأمور، كيف نزلتَ علينا فجأة بتغيير المنهج؟
"لديكم بضع مغالطات، حين تفكّرون أنّ الألوية والجنرالات وعناصر الأذرع الأمنية يكفّون عن كونهم مواطنين وينشغلون فقط بقضايا أمنية. ألستُ في هذا المكان مواطناً مثلك؟ ألا يهمّني ما يحصل داخل الدولة؟ أليس لديّ عائلة، أولاد تعلّموا في المدارس والآن أولادهم يتعلّمون؟ أنا أعيش في حيّ منعزل مع حراسة لا تسمح لكائنات المكان بالاختراق داخلاً؟ نحن نحتكّ بكافة المشاكل التي يحتكّ بها شعب إسرائيل، حتى عندما نكون في الجيش أو الموساد. ولدينا نفس أحاديث صالونات مساء يوم الجمعة تحديدا، حول كلّ ما يحصل في الدولة".
ـ منهج الحكم في "إسرائيل"، في هذه المرحلة، يشكّل خطرا وجوديّا على الدولة؟
"للمدى الطويل، حتماً. لا، لست أمزح، أنا جدّي تماماً. دولة إسرائيل تتحرّك داخل ضغوطات وتحدّيات خلافاً لأيّ دولة أخرى. تهديدات خارجية، تهديدات الإرهاب، مجتمع ممزّق بين إرادات متنوّعة ومجموعات مختلفة تريد تغيير طابع الدول، بعضها يعمل داخل المنظومة الحالية لتغييرها ولتخريبها. انظر، يوجد في إسرائيل مجموعات تريد دولة ثنائية القومية، وهناك مجموعات تريد مملكة يهودية، وأخرى تريد دولة دينية، وهناك دولة كلّ مواطنيها، وهناك من يريدون دولة فوضوية. بعض تلك المجموعات كبير وقوي ولديها أهداف واضحة لتغيير طابع الدولة. أضف إليها التحديات الخارجية، الواقع الصعب، فنحن للأسف لم نتوصّل إلى السلام، وعلينا دائما أن نكون متأهّبين وجاهزين ومدرّبين ومستعدّين لأيّ تحدٍّ، بمستوى استثمار ضخم في الحاجات الدفاعية، لسنوات طويلة أخرى، هذا ولم نتحدّث بعد عن النووي الإيراني، عن الإرهاب، وفي جوهر كلّ هذا، كيف يمكن إقامة دولة لا يمكنها التصرّف بطريقة فاعلة وناجعة؟ وتخلو من إمكانية اتخاذ القرارات؟
ـ ألست تبالغ قليلاً.. فرئيس الحكومة في "إسرائيل" لديه قوّة كبيرة؟
"أنا لا أتبنّى هذا. الواقع معاكس. رئيس الحكومة هنا يعيش ضغطا دائما، وعليه أن يستثمر جزءا كبيرا من وقته ومن طاقته ومن وسائله الخاصة في المحافظة على الائتلاف، في كلّ يوم، حتى لا يتفكّك، إنّه معلّق بحسنات أحزاب وسطية، كما إنّ حرية عمله محدودة جدّا، وقد تكون غير موجودة، خصوصاً في القضايا السياسية الحساسة. علينا تقوية منصب رئيس الحكومة، إيجاد استقرار سلطوي، وأن لا تستبدل الحكومة كلّ سنتين ونحتاج إلى ثلاثين وزيرا لتعزيزها وإطالة عمرها".
ـ حقيقة أنّك كنت لسنوات طوال داخل نفق المؤسسة الأمنية، ساعدتك في تحديد المشكلة الوجودية هذه، ورؤية سير الأمور من الداخل؟
"هذا الأمر يرافقني منذ سنوات. حين تبدأ بالتعرّف الى المؤسسات من الداخل، تفاجئك إبداعية المؤسسة السياسية. هذه العملية لم تحصل في يوم واحد، ولست الخبير في العلوم السياسية الذي يعرف تحديد توقيت بداية ذلك تماما، لكن من الواضح أنّ الأحزاب الكبيرة مذ خسرت ثقلها النسبي، تحوّلت مراكز الثقل إلى أحزاب قطاعيّة، باتت تشكّل لسان القبّان في مختلف الائتلافات. وأنت تتابع وترى كيف تراكم تلك الأحزاب عظمة وقوّة على المحور الزمني. أنت ترى الهيئات المركزية تضعف. ليس من فترة بعيدة، في عهد رابين وشامير، كان للعمل والليكود معاً قرابة تسعين مقعداً. وغضبوا من رابين لأنّه لم يجلب إلا أربعة وأربعين مقعداً في العام 92. اليوم الحزب الأكبر لديه ثمانية وعشرون مقعداً. ينبغي أن نقول، للإنصاف، إنّ هذا الأمر لا يسجّل للحكومة الأخيرة. إنّه وضع قائم. هو ليس اختراع رئيس الحكومة الحالي".
دغان حذر، يحافظ على احترام بنيامين نتنياهو، طوال المقابلة، بحرص شديد. يضيف، عند اللزوم، أنّه "يجب أن نتحدّث بإنصاف أن تلك الظواهر لم تنوجد عنده". وعلى الأحزاب الإئتلافية أيضاً، الحريدية خصوصا، يحاول أن يكون رحيماً. وكلّما تفلت منه كلمة "ابتزاز"، بخصوصها، كان يسارع إلى التصويب والتلطيف. لكنّ الرسالة هناك، عالية وواضحة.
يتابع "تواصلت العملية سنوات طويلة، إلى أن بلغنا الوضع الحالي من اللا حكم تقريباً.. الدولة بصعوبة تتدبّر أمورها، هناك صعوبة في اتخاذ قرارات سياسية حسّاسة. نحن نعيش وضعاً، حيث برنامج العمل القومي، التخطيط البعيد المدى، معالجة المشاكل القومية المشتعلة أو السياسية الحسّاسة، تقريبا غير موجود. كلّ ما يهمّ السياسيين هو المحافظة على الائتلاف والقدرة على البقاء. لديك اليوم حكومة مع ثلاثين وزيرا تقريبا، عشرة أو أحد عشر نائب وزير، كلّهم، باستثناء واحد، أعضاء كنيست. فكّر في هذا الأمر. في دولة إسرائيل ثلث البرلمان أعضاء حكومة. نحو أربعين عضو كنيست أعضاء في السلطة التشريعية، يجدون أنفسهم أيضاً في السلطة التنفيذية. قل لي هل هذا وضع سليم؟ هذا طبيعي؟ الواقع أنّ هذا غير منطقي ومن الواضح أنّ هذا الحجم فرضته ضرورات سياسيّة، ولم يكن تطلّعا من جانب رئيس الحكومة. اليوم يسيطر رئيس الحكومة على 19% من البرلمان. هذا جنون. فكّر في هذا. الباقي كلّه ائتلاف يستدعي منه طوال الوقت الجري خلفه والحفاظ عليه. ليس أمامه خيار.
"من يستطيع اليوم اتخاذ قرارات بشأن مشاريع قومية ضخمة. الحكومات غير مستقرّة. باستثناء الحكومة الحالية، التي حققت استقراراً بفضل هذه الأعداد غير المبرّرة، في المعدّل الوسطي، تتغير الحكومات في إسرائيل كلّ عامين تقريباً. فكّر في هذا الأمر، أنّ وزارة الإسكان مرّ عليها في السنوات الخمس عشرة أو الست عشرة الأخيرة، أحد عشر وزيرا. إذاً كيف تريدهم هنا أن يضعوا مخططات إسكان للمدى الطويل؟ الحقيقة أن الوزير يريد أن يُنتخب، فلماذا يشغل باله في مشروع يستلزم سنوات، ومن يدري عموما هوية من سيبتّ بشأن السيناريو الخاص به؟ تلك ضغوط لا تُحتمل. الوضع يحدث ظاهرة توجّه الجميع إلى المحاكم، ويضعون القرارات بيدها. بسبب صعوبة إيجاد غالبية سياسية، يرسلون كلّ شيء إليها، وهو ليس دورها أساسا، فتجد المحاكم نفسها تبتّ في قضايا سياسية، أو قيادية، كما قانون طال، من هو اليهودي وغيرها".
ـ لكن في النهاية المسألة ترتبط بسلطة القانون. أنت تكفر بحقّ المحكمة بالبتّ في هذه القضايا؟
"أبدا لا. ليس لدي أي جدل تجاه سلطة القانون، لكن ليس من المناسب نقل أي قرار إلى المحكمة. المسألة لا تتعلّق هنا بسلطة القانون وإنّما بمحاولات تمويه إخفاقات، وبرغبة للتقليل من شأن المشاكل الحادة وتأجيلها وتأخيرها، بهدف البقاء. هذه هي القصة. اسمع، رئيس الحكومة كما وزير الدفاع خدما في الجيش، وليس لديّ شكّ بأنّهما لا ينظران بارتياح إلى حقيقة وجود كمية مخيفة إلى هذا الحدّ ممّن لا يخدمون ولا يساهمون في تحمّل الأعباء. لا يمكنني مذمّة من لا يفهم المشكلة هذه على حقيقتها، أمّا هما فيفهمان. لكنّهما يعيشان ضغوطاً لا تحتمل. أضف إلى هذا، المؤسسة البيروقراطية، الموظفون الذي يقولون في قرارة أنفسهم، كل عامين تقريبا يأتينا وزير، وحين يرغب بتغيير السياسات نشكّل لجنة، وإلى أن تنهي عملها، يكون هو قد انتهى، وهكذا يمكن الاستمرار في عدم فعل أي شيء. وببساطة، لا أحد معنيّ بفعل شيء، وعندها تتزايد الحافزية لرمي كلّ شيء على المحكمة ونسيان الأمر. وهكذا تتولّد قوّة لا جدوى منها لدى جهات قضائية، حتى داخل وزارات الحكومة، كل المستشارين القانونيين الذين يفضّلون أيضا التأخير والتقليل والإلغاء، وكلّ واحد منهم يقول، قبل أن يتخذ أي قرار، لحظة، فلنسأل رجل القانون".
ـ وما السيّئ في ذلك؟ كلّ شيء ينبغي أن يكون قانونيّا، أليس كذلك؟
"صحيح، لكن ليس علينا في كلّ لحظة الركض نحو الحقوقيين. حين يكون هناك قرارات يرفرف فوقها علم أسود، أو مشكلة بيّنة، ينبغي التوجّه إليهم. لكن في جزء كبير من القرارات لا يكون ذلك مطلوباً. المستوى التنفيذي يجب أن يقرّر وينفّذ. هذا شرعي. وهذا ما يجري في العالم أجمع. لكن هناك أشخاص يريدون تعطيل ذلك بأنفسهم، هم يخافون، الأفضل أن ندفن هذا، أو في كلّ الأحوال تأمين تغطية، وعلى المدى الزمني الطويل، يصبح الأمر مستحيلاً. وهكذا نصل إلى الوضع الحالي، حيث في البلاد من يعمل، يدفع الضرائب ويخدم في الجيش، لكنّه لا يحصل على شيء تقريباً من الدولة، في وقت هناك الكثير من الناس الذين لا يعملون، لا يخدمون في الجيش ولا يدفعون الضرائب، ويحصلون على الكثير من الدولة. صحيح أنّني الآن أعمّم وأظلم الكثير من الأشخاص فأنا شخصيا أعرف كثرا من الحريديم الذين يعملون أو يخدمون، لكن الصورة العامّة واضحة. يوجد في الدولة تشوّه بنيوي حادّ، يشكل خطرا على وجودها في المدى الطويل. وهذا، بالمناسبة، لا يتعلّق بالحريديم فقط. وإذا ما كنّا مجتمعاً يريد تحقيق المساواة، فلماذا لا يخدم العرب أيضاً؟"
ـ.. في الجيش؟
"لا، هناك مشكلة بالنسبة للجيش. لكن هل لدينا نقص في الوظائف؟ لم لا يمكنهم أن يكونوا في الشرطة؟ الشرطة هي أيضا جهاز أمني. أو في مصلحة الإطفاء؟ أو في نجمة داوود الحمراء؟ توجد اليوم أطر تعليمية تابعة لأذرع الجيش، يمكنهم أن يكونوا هناك. وهذا من شأنه أن يحلّ جزءاً من مشكلة المساواة داخل الدولة. حين تنظر إلى هذا المسار لفترة طويلة، تفهم أنّنا قد نصل إلى واقع غير ممكن. وهذا قبل أن نتحدّث عن الأحزاب الوسطية، التي تعرف كيف تترجم قوّتها السياسية إلى مال وابتزاز، هذه الكلمة قاسية وأنا لا أحبّ استخدامها، لأنّ تلك الأحزاب، في نهاية الأمر، تحقق أهدافها السياسة وتخدم ناخبيها. لكن حين تنظر إلى الأمر بعموميّته، تستخلص النتيجة المرجوّة بأن ليس الغالبية من يحكم ويملي برنامج العمل في إسرائيل، وإنّما الأقليّات".
حين أسأل دغان كيف وصلنا إلى هذا الوضع يجيب فوراً أنّ "كلّ شيء يبدأ من مشاكل الحكم. من خضوع المؤسسات السياسية لضغوط تمارس عليها في إطار ابتزازها، أو نتيجة قدرة الأحزاب القطاعيّة على ترجمة قوّتها السياسية لمصلحة إنجازات دائمة وثابتة لمجتمعاتها. وعلى نهاية هذا نشأ اللا معقول، لكنّ الأمر لم يبدأ هناك، بل من الأسلوب المجنون. فهو من تسبّب في إحياء بقايا عناصر القوّة المختلفة لمصلحة تحقيق إنجازات غير شعبوبة لمجتمعات الهدف بالنسبة لهم. قانون طال، على سبيل المثال، هو وليد هذه المسألة. بالمناسبة، قانون طال في أساسه هو قانون جيّد جاء لتصحيح الإجحاف وحاول خلق آليّة تدريجية. الهدف كان جيدا، لكنّ المسار أخفق".
ـ كيف برأيك يمكن حلّ مشكلة التجنيد؟
"حلمي؟ قانون عادل للجميع. سريان القانون يجب أن يستلزم وقتا أطول، وينبغي بناء ذلك تدريجياً. لكن القانون يجب أن يكون واضحا، مشخّصا، قيميا، حادّا وبيّنا. لا خيار آخر ولا يمكن التسوية في هذا الشأن. روح القانون يجب أن تتضمن توزيع العبء بشكل متساوٍ بين كافة مواطني دولة إسرائيل، يهودا، عربا، متدينين، بربريين لا يهمّ من يكونون. تطبيق وتنفيذ؟ سيكون مطلوبا منا الإبداع والإنتاجية وتقديم حلول تقنية بحذر شديد، أيضا فكرة قاعدة مشتركة للاستيعاب والتصنيف لا تبدو لي على وجه الخصوص، لأنّ ذلك سيفتح منفذا لوضع ترى فيه من يخدمون ثلاث سنوات ومن يخدمون ثلاثة أسابيع أو أشهر. والقانون يجب أن يكون، من اللحظة الأولى، واضحا لا يقبل التأويل. روح القانون يجب أن تكون مساواة كاملة، وهذا يجب أن يكون قانون أساس. قيميا، واضحا وحادّا، من دون تقليصات ولا تخفيفات. نعم، قد يكون هناك استثناءات، ويجب أن تكون المعايير واضحة تماماً".
ـ قل لي، هل ترى في مخيّلتك آلاف الحريديم مقادين إلى قاعدة الفرز والتصنيف؟ هل يخطر هذا في البال؟
"لمَ لا؟ اشرح لي أنت، اليوم أيضا، ليس جميع من يتجنّدون لديهم نفس الإرادة لذلك. نحو 30% أو 40% ممّن يتجنّدون اليوم يقومون بذلك لأنّ القانون يفرض عليهم ذلك. إذاً نحن نفرض ذلك عليهم وعلى الحريديم لا نفعل ذلك؟ نلزمهم وهم يأتون. وهذا ما سيحصل. هل تتخيّل أن حريديا أو عربيا، سيتجاهل، على سبيل المثال، قانون السير ويسمح لنفسه بقيادة سيارته بسرعة 180 كلم بالساعة على الطرقات؟ هل يجب أن يكون هناك فرق بين سائق حريدي وآخر غير حريدي؟ هل يمكن القول إنّ الحريدي سيدفع ضرائب أقلّ من العلماني؟ ليس هناك شيء كهذا، يجب أن نوقف هذا أيضا في مسألة التجنيد. دعنا لا نتحسّس من هذا الأمر أكثر من اللزوم. سيكون هناك قانون، والجميع سيلتزم به".
ـ ما هي طريقة الحكم التي تقترحها؟
"انظر، لا يوجد هنا حل كامل. لا يمكن للديموقراطية أن تكون نموذجية حتى النهاية. يجب أن تعبّر عن رغبة الأغلبية، ويكون بمقدورها أن تحكم. نموذجية فائضة ليست جيدة، وكذلك نموذجية ناقصة تُعتبر مشكلة. يجب العثور على صيغة تتلاءم مع الطابع الإسرائيلي والضغوط الخاصة بنا هنا. ينبغي معالجة النقاط الأساسية بشكل نهائي، لكنني لا ألغي احتمال أن نفحص أنفسنا بعد عدة سنوات فإن وجدنا خللا يجب إصلاحه فسنصلحه".
ـ إذاً ما هي مبادئ أسلوبك؟
"هي بسيطة وواضحة: زيادة نسبة الحسم (في الانتخابات)، برنامج انتخابات مشترك بين النسبية والدوائر، حيث يُنتخب 60 عضو كنيست وفق النسبية و60 وفق الدوائر، بحسب الأقاليم الأساسية لوزارة الداخلية. سيكون رئيس الحكومة رئيس أكبر حزب، شرط أن ينال على الأقل 40 مقعدا في الكنيست. وإن لم يتحقق ذلك، تجري جولة ثانية بين الفائزين الأولين على رئاسة الحكومة. تستمر فترة ولايته أربع سنوات. تأجيلها، فقط بأغلبية 73 عضو كنيست، تأجيل بنّاء، هذا يعني أنه يجب تقديم مرشح بديل في موقع التصويت الذي سيكون رئيس الحكومة تحته. ستُقيّد الحكومة بـ 16 وزيرا على الأكثر، فترة ولاية الحكومة ستُقيّد بفترتي ولاية متتاليتين، الحكومة ستؤلَّف من عناصر مهنيين ليسوا أعضاء كنيست، عضو الكنيست الذي يُعيَّن وزيرا يستقيل من الكنيست، تعيين الوزراء سيتم من قبل رئيس الحكومة مع الخضوع لجلسة استماع عامة".
ـ ما الذي يفيدك بإدخال الانتخابات وفق الدوائر إلى المعادلة؟
"هناك فوائد كثيرة لذلك. قبل كل شيء يرفع مجددا نسبة الحسم في الباب الخلفي، وثانيا، عضو الكنيست المنتخب من قبل نفس الإقليم، لديه ثقة في نطاق انتخابه، لدى الأشخاص الذين انتخبوه، يجب أن يقدم لهم تقريرا، وليس إلى مركز الحزب. اليوم الوضع السائد هو أن أعضاء الكنيست لا يهمهم في الحقيقة ما يريده الجمهور. ما يهمهم هو مجموعة العلاقات التي اختارتهم للائحة، أولئك الذين هم أعضاء الوسط، أو أحيانا رئيس الحزب".
ـ يرون ذلك ممتازا في الليكود، عندما تُخضع مجموعة ضغط من البايغلونين حزبا كاملا..
"أنا أوافقك أنه ثمة خوف من أن تنجح مجموعات هامشية في استغلال الأسلوب السياسي وأن تجمع قوة تصنع سلطة الأقلية على حساب الأغلبية، من خلال أخذ الأقلية بالاعتبار".
ـ هل تعتقد أنه يمكن الصمود بـ 16 وزيرا؟
لِمَ لا؟ أنت تعتقد حقا أننا بحاجة لـ 30 وزيرا؟ من أجل ماذا؟ من أجل من؟ إن أردت الصدق، هذا ما لا يريده في الحقيقة رئيس الحكومة، لكنه فُرض عليه، كي يصمد. وفي ظل ضغوط كهذه كيف يمكن اتخاذ قرارات حساسة؟ ليس فقط قانون طال، بل أيضا من هو يهودي، أو تهويد جنود الجيش الإسرائيلي وفق الشريعة، وهناك أمثلة مهمة كثيرة جدا".
أنت تعرف أن هناك الكثير من الأحزاب التي تدعم ذلك. لديك الكثير من الحلفاء في الكنيست. أفيغدور ليبرمان مثلا. ومن جهة ثانية، هناك الكثير من الجمعيات والمنظمات التي تعمل بالموازاة. هذا النشاط متفرّع، ويوجد هنا طاقة كبيرة تُهدر.
"قبل كل شيء، بالنسبة للأحزاب. خذ برامج كل الأحزاب، أنزل العناوين واسمح للجمهور أن يحاول تنسيق برنامج للحزب. لن ينجحوا باستثناء الأحزاب المحايدة، الجميع سمع نفس الشيء. هم يكتبون برنامجا من أجل الانتخابات. وحينها فورا يضعونه في الجارور حتى الانتخابات التالية. لا توجد أي علاقة بين البرنامج وبين ما يفعلونه بعد ذلك. نحن نوحّد حاليا كل الجمعيات. أنا واثق أنه في غضون أسبوعين سنتوصل إلى صيغة ونتمكّن من العمل معا. أريد أن نصل إلى وضع بحيث يُقدَّم قانوننا بأسرع وقت ممكن إلى الكنيست. يقولون لي، تعال قبل كل شيء ندرّب الشعب، نعلّمه، وبعدها نأتي بالقانون. نحن ننوي تفعيل كل رافعات الضغط الممكنة للضغط على أعضاء الكنيست للسير في هذا الاتجاه.
ـ هل تنوي الجلوس مع رجال السياسة؟
"طبعا. مع كل من يوافق على سماعي. ونحن سنوزّع عريضة ونسعى أن نجعل مليون مواطن يوقّع عليها، لزيادة الضغط. بمليون توقيع واضح لك أن هناك مواطنين من كل الأحزاب. سأكون مسرورا جدا إذا تبنّى رئيس الحكومة قانوننا، إذا سارت الأحزاب الكبيرة في هذا الاتجاه، إذا سار رؤساؤها في هذا الاتجاه".
ـ أنت تعتقد أن رئيس الحكومة، بعد كل ما حصل بينكما، سيوافق على لقائك؟
"لم لا؟ أنا أتحدث عن جوهر القضية، وليس مع أشخاص بعينهم. سوف أُسرّ بلقائه. أنا لم أتحدث عنه أبدا بشكل شخصي. حقيقة أنني أفكر بعدة أمور بشكل يختلف عما يفكر به وزير الدفاع لا علاقة لها بذلك. أنا لم أجعل أبدا رئيس الحكومة أو وزير الدفاع أعداءً لي. أنا لا أتفق حتى مع زوجتي في كل الأمور. هناك الكثير من المواضيع لا أتوافق فيها مع نتانياهو وباراك، وهناك الكثير من المواضيع التي يتوافقون فيها معي. لا يمكن التوافق على كل شيء".
ـ قل، ما الذي تفكر به حول قانون التجميد؟
"لم أهاجم أبدا هذا القانون بشكل رسمي، لأنهم سيقولون فورا إنني أريد الاتجاه صوب السياسة. ليس سيئا السير نحو السياسة، لا أعتقد أن السياسة هي أمر سلبي. لكن لو أردت أن أكون سياسيا، فقد تسنت لي عدة فرص في الماضي، لكن لم أستغلّها. هذا القانون هو قانون يمس بفداحة بمبدأ المساواة. لا يمكن أن تأخذ مجموعة، منحتَ أعضاءها قدرة على اتخاذ قرارات مصيرية، على قيادة أشخاص في ميدان المعركة إلى منيتهم، ثم تمنعها من أن تختار وظائف في هذه البلاد. أحد الحقوق الأساسية في الديموقراطية هو الحق في الاختيار والانتخاب. هل يجب أن يكون هناك تجميد محدد؟ نعم. ليس بسبب الاحتكاك بالجمهور. هذا أمر تافه. في نهاية المطاف، الأمر يتعلق بقانون شخصي موجّه ضد شخص هنا أو هناك. اشرح لي لماذا لدى مدير عام مكتب حكومي، لنفترض وزارة الداخلية، المعني بتخصيص ميزانية لمؤسسات ومنح تراخيص، لديه تأثير ضئيل على الجمهور أكثر من لواء في الجيش الإسرائيلي أو لواء في الشرطة؟".
ـ هذا ليس مجرد احتكاك مع الجمهور. أنتم أيضا تتمتعون بشعبية كبيرة. هذا استغلال للبزة العسكرية.
"في وظيفتي الأخيرة لم أكن مرتديا بزة عسكرية".
ـ لكن كانت لديك شعبية كبيرة جدا.
"يمكن أن أظهر لك عدة مراحل كانت فيها شعبيتي في الحضيض".
ـ أنت تبالغ قليلا. لم يحزن أحد هنا كثيرا حتى على المبحوح.
"مرّت فترات من الانتقاد الحاد، من المقالات. لم يمر عليَّ كل ذلك بدعم واسع من الجمهور. لكن دعك مني لحظة. يوجد هنا مس كبير بمبدأ المساواة. وتوجد هنا بداية مختلفة حول موظفي دولة عديدين وحتى ضد مرتدي البزات العسكرية. لماذا لا يوجد تجميد لوزير أنهى وظيفته ويذهب بعد ذلك لتقديم أعمال أمام المكتب الذي تولى إدارته منذ زمن غير قصير؟ أو رئيس شعبة، برتبة توازي لواءً، يمكنه بعد ثلاثة أشهر أن يقدم أموره أمام المكتب؟ وثمة أمور أخرى. هذا أيضا مس بحرية العمل. ثلاث سنوات، تعتبر وقتا طويلا، عندي مثلا التجميد يصل إلى ست سنوات. الانتخابات القادمة ستجري قبل نهاية تجميدي، وحينها ستمر أربع سنوات إضافية، والمجموع ست سنوات، إنها فترة طويلة، هذا جنون. أيبدو لك هذا الأمر منطقيا؟ وعموما، كم وثيقة قيادة توجد في دولة إسرائيل في هذه الأيام؟ وثائق حقيقية. كم؟".
أنا أرى في هذا القانون محاولة من المؤسسة السياسية لمنع المنافسة أو الاختيار. هذا أحد الأسباب لقول أشخاص اليوم إنه لا يوجد أي خيار أمام بيبي. ينظرون يمينا ويسارا ولا يجدون. هم أحاطوا أنفسهم بسور، لا يمكن الدخول ولا الخروج. بالمناسبة، هناك صحافيون موجودون حاليا في وضع مشابه.
"أنا أوافقك. هذا القانون كان بالأساس لعامين، هذا قانون دان حالوتس...، وبعد ذلك زادوا عليه سنة. برأيي، هذا ببساطة جبن من المؤسسة السياسية، جبن بمستوى عال، تشريع فردي، ذاتي، هدفه ليس حماية الدولة إنما حماية الكرسي الذي يجلسون عليه، لمنع تهديدات بديلة نظرية.
قبل الختام، رغم أننا قررنا معا، عدم التحدث عن شؤون داخلية، تحدث دغان عن ذلك ما فيه الكفاية، هو استرسل قليلا, في العشية التي التقيناه فيها نشر في القناة الثانية خبر مفاده أن مصر ألغت اتفاقية الغاز مع إسرائيل. قبل يوم من ذلك نُشر هنا في معاريف تحذير لوزير الخارجية أفيغدور ليبرمان بشأن العلاقات مع مصر.
"أنا أقترح أن نهدأ. التجارة مع مصر لم تنته، العملية في ذروتها، لا يمكن معرفة ماذا سينتج عن ذلك في النهاية. مسألة الغاز ليست مرتبطة بالعلاقات السياسية. أنا أقترح أن ننظر إلى الأمور بواقعية. اليوم لا يوجد تهديد تقليدي على إسرائيل. لا توجد جبهة شرقية، لا يوجد جيش تقليدي كبير، على شاكلة يوم الغفران، يهددوننا. أنا أقدّر أن يستمر هذا الوضع على الأقل للسنوات الثلاث القادمة".
ـ لكن لا يمكنك التغاضي عن هذه الخطوة المصرية المقلقة، عن مليون مصري ينادون بالسير نحو القدس في ميدان التحرير، عن سيطرة الأخوان المسلمين.
"صحيح، هذه الخطوة المصرية إشكالية. لكن من الجدير ذكره أن لديهم مشاكل داخلية صعبة جدا، من الصعب عليَّ أن أصدق أنهم يمكن أن ينشغلوا بنا. الوضع الداخلي، الوضع الاقتصادي، الاستثمارات التي توقفت، الحركة في القناة التي خفت، السياحة التي اختفت، إيرادات الغاز التي انخفضت، عدم الهدوء الذي يجعل المستثمرين يهربون. لدى مصر معادلة غير ملتئمة. لديهم مشكلة وجودية، المتمثلة بالصراع حول تقسيم مياه النيل. إذاً مصر، ليس لديها أي نية عدوانية، لكن لا يجب أن نبالغ. في الحقيقة، العملية هناك لم تنضج بعد".
ـ ما هو الاتجاه؟ الأخوان نالوا أغلبية عظمى، السلفيون أقوياء، إلى أين هذا يجب أن ينضج؟
"تذكّر أن الجيش لم يقرر بعد ماذا يفعل. لا تقلق، القوة الحقيقية في مصر ليست بيد البرلمان، بل بيد الرئيس، وهناك مجلس عسكري لم يقرر بعد كيف سيتصرف. ينبغي التريث لرؤية ماذا سيحدث. لست نبيا، لكن أيضا لا سبب لرؤية الأمور السوداء".
ـ عندها أيتحسن وضعنا أم يتأزم؟
"أنظر، اضحك اضحك، لكن اليوم هذه المرة الأولى في تاريخنا لا تكون فيها الجامعة العربية ضد إسرائيل. كل الجهات الراديكالية التي أشعلتها ضدنا غير موجودة اليوم. القذافي مات، صدام حسين مات، بشار مشغول بمحَنِه، لديك اليوم جامعة عربية أقل تشاجراً، أقل سيطرة بالتأجيج ضد إسرائيل. ولديها الكثير من الدول العربية التي تُدرك أنه في جزء من الأمور، مصالحنا ومصالحهم متداخلة. أيضاً الوضع في العراق ليس سيئاً جداً بالنسبة لنا. يوجد فيه اليوم نظام سياسي، ضعيف بالطبع، لكنه فاعل. هدوء حقيقي في العراق لم يتحقق أبداً. صدام قاتل الأكراد، أو الشيعة، أو الإيرانيين، وكانت هنالك دائماً مواجهات. أيضاً العراق يعرف أنه مُلزم بأن يكون مرتبطاً مع العالم العربي، والإيرانيون يُدركون الآن أن هناك حدودا لتأثيرهم داخل العراق، وهذا يُقلقهم جداً. ولذلك، ليست كل الإجراءات سيئة بالنسبة لنا. كذلك، إذا تحوّلت مصر إلى دولة أخوان مسلمين وإذا ما أظهر النظام مشاكل أمامنا، سنواجه مشكلة. لكنني لا أرى أن هذا يحصل بهذه السرعة. مصر بحاجة إلى مساعدة غربيّة كبيرة. لا توجد كتلة شرقية. هي مرتبطة بالأمريكيين. ولذلك، حتى لو استلم الأخوان المسلمون الحكم، إحتمال أن تصبح عدوانية أكثر ضدنا، منخفض. يجب أن نكون حذرين. السلوك المعادي لإسرائيل كان موجوداً حتى في عهد مبارك. هذا لم يتغيّر كثيراً. السلام البارد لا يزال سلاما فاعلا وجيدا. حقيقة، لم تواجهها مصر على مدى عقود. بالمجمل، مصر تحافظ على الإتفاقية، مع استثناءات صغيرة هنا وهناك، لكن من دون ضرر جوهري.
"عندما أنظر إلى الجبهة المصرية، لا أرى وضعا حيث يُفتح فيه علينا من الجنوب وضع سيئ. لم يحبونّا أبدا في مصر. هم لم ولن يحبوا صهيون. هم دائما سيفضلون الفلسطينيين. هذا هو الوضع السائد. لكن يوجد هناك جهات لاجمة كثيرة جدا. فلن ننسى أن القومية ليست ابتداعا للدين. الأنظمة العلمانية في كل الدول العربية كانت راديكالية جدا ضدنا. الحروب كانت ضد أنظمة علمانية في مصر، في سوريا وفي أماكن أخرى. إذاً لا يمكنني أن أتنبأ، لكن يجب رؤية الصورة بكل جوانبها، فهي متنوعة ومعقدة. إلى جانب كل خطورة، موضوعٌ أيضا أمل".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018