ارشيف من :أخبار لبنانية
صلاحية الاستعجال الرئاسي
نقاش دستوري على ضفاف المليارات
احمد زين ـ صحيفة "السفير"
الإشكالية المطروحة حول المادة 58 ـ دستور لجهة إلزامية أو عدم إلزامية إصدار رئيس الجمهورية مشروع القانون المعجل بعد توافر المهلة لنشره (بعد طرحه في الهيئة العامة بأربعين يوما) تستحق المتابعة ليس لاتخاذ موقف من المشروع المثار انما لأن الموضوع يتعلق بقراءة مادة دستورية طالما أثير النقاش النيابي حولها قبل تعديلها في العام 1990.
من الملاحظ ان المشترع الدستوري قد ميّز بين صلاحيات رئيس الجمهورية لجهة إلزامية العمل بالصلاحية. فما يكون ناشئا عنه لجهة المبادرة إليه أولاه المشترع حرية الخيار باستعمال الصلاحية أو عدم استعمالها كما في المادة 59 ـ دستور التي تجيز له تأجيل انعقاد المجلس ويكون ذلك ملزماً كما في المادة 76 بنصها على قراره إعادة النظر بالدستور فتصبح الحكومة ملزمة بتقديم مشروع بذلك إلى مجلس النواب.
أما الصلاحيات التي يمارسها رئيسها الجمهورية ولا تكون بمبادرة منه أو لا تكون مفاعيلها نافذة حكماً فقد جاءت كالتالي:
أ ـ عندما تكون الصلاحية ناشئة عن مؤسسة دستورية اما بسبب تقاعسها واما لاتخاذ إجراء ينشئ الصلاحية تلقائياً. والمثال على الحالة الأولى المادة 58 اما الثانية فتظهر في أكثر من مادة ومنها المادة 85 التي تجيز له إصدار مرسوم بفتح اعتمادات استثنائية او إضافية وبنقل اعتمادات بناء على قرار مجلس الوزراء عندما يرى ان النفقات مستعجلة ومن دون موافقة مجلس النواب المسبقة.
والملاحظة الأساسية هنا ان جميع هذه الصلاحيات التي تندرج تحت هذا الشكل من الصلاحيات تكون صلاحيات ملزمة للرئيس أو تحدد له خياراته حصراً على ان يكون الخيار النهائي لمجلس الوزراء. فالمادة 55ـ دستور مثلا أولت رئيس الجمهورية حق الطلب من مجلس الوزراء حل مجلس النواب انما لا يمكنه ممارسة هذه الصلاحية إلا إذا توافر شرط من الشروط المنصوص عنها في المادتين 65 و77. كما ان طلب الحل يحتاج إلى قرار بالموافقة من مجلس الوزراء.
من هذه الأمثلة وغيرها، يتبين ان الصلاحيات التي تؤول إليه من مؤسسة دستورية يكون ملزما بها، ومنها المادة 58 باعتبار ان مشروع القانون المعجل موضع الإشكالية اليوم هو المشروع الذي صدقته الحكومة وهو المعتمد بالنسبة لعملية النشر أو عدمها.
ولا بد من الإشارة إلى ان المشاريع أو القرارات التي تؤول إلى رئيس الجمهورية على هذا الشكل لا تسقط صلاحية رئيس الجمهورية بالامتناع عن إصدارها ونشرها لأن ممارسة الصلاحية هذه ليست آلية وحكمية، فالدستور احتفظ لرئيس الجمهورية بحقه في رد القرار أو المشروع أو القانون أيضاً، إلا ان ذلك ضمن شروط محددة أيضاً وتؤكد تلك الشروط ان رد الرئيس لا يكتسب قوة «القرار النهائي» إذ ان مثل هذا القرار يبقى بيد المؤسسة الدستورية التي أنشأت القرار أو المشروع.
وعندما تصر المؤسسة الدستورية على ما قام رئيس الجمهورية برده، يصبح نشر القرار أو القانون نافذ الإجراء ويكون ذلك ضمن مهلة محددة في المادتين 56 و57 وهي 15 يوماً لرد القرار وشهر واحد لرد القانون. وهذا ما يؤكد ان ما يصدر عن مجلس الوزراء وعن مجلس النواب لا يفسح في المجال لرئيس الجمهورية بصلاحية تكون مفاعيلها نهائية كوجهة النظر القائلة اليوم بحق رئيس الجمهورية ان يصدر المشروع المعجل أو لا يصدره ولا ينشره.
فالمشروع وصل إلى رئاسة الجمهورية من الحكومة والمهلة المحددة لرده وإبداء الملاحظات عليه قد انتهت، ولا بد من إصداره ونشره حتى إذا تضمن مخالفات دستورية في نصوصه، ذلك أن وقف نفاذه يبقى متاحاً ان بالطعن به أمام المجلس الدستوري، خصوصاً وان كل القوانين التي أبطلها المجلس الدستوري لمخالفتها احكام الدستور، كانت قد صدرت ونشرت بموافقة رئيس الجمهورية عليها لأنه من دون هذه الموافقة ما كان متاحاً للمشروع ان يصبح قانوناً.
والجدير ذكره هنا ان هناك من يستند في مناقشة دور رئيس الجمهورية في المشروع المعجل إلى فقرة في المادة 58 بنصها على انه «يمكن لرئيس الجمهورية... ان يصدر مرسوماً قاضياً بتنفيذه بعد موافقة مجلس الوزراء». ويعتقد المستندون إلى هذا النص ان عبارة «يمكن» هي خيارية وليست إلزاميةً. ولكن إذا كان التفسير اللغوي الصرف لـ«يمكن» صحيحاً إلا ان المطلوب تفهم لمن المقصود بهذا «الإمكان». فإن ينشر قانون من دون موافقة مجلس النواب هو في الأصل أكبر الكبائر في النظام أولاً لكونها تشكل خرقاً للمبدأ الأساسي لفصل السلطات والمبررات التي أدت إلى ابتداع النظام البرلماني الديموقراطي. وثانياً لأنها تشكل استثناء لثلاث مواد دستورية على الأقل هي المادة 16 التي تنيط السلطة التشريعية بمجلس النواب والمادة 18 بنصها على ان «لا ينشر قانون ما لم يقره مجلس النواب والمادة 51 التي تنص على صلاحية رئيس الجمهورية إصدار القوانين» بعد ان يكون وافق عليها مجلس النواب وليس له ان يدخل تعديلاً عليها». والملاحظة الأولية في نص المادة الأخيرة هي النص الجازم بأنه ليس من صلاحية رئيس الجمهورية ان يعدّل في القانون ومن باب أولى من قرار مجلس الوزراء باعتبار القرار أقل مرتبة من القانون.
أما الملاحظة الأساسية فإن المشترع الذي اعتمد جرأة غير مسب
وقة في أي دستور آخر عندما وضع المادة 58 فإنه كان يدرك ان ما أقدم عليه لا يخالف مادة دستورية بعينها إنما جملة المواد والأصول ولذلك لجأ إلى تعبير يفسر إدراكه هذا بالفعل «يمكن» ولم يعتمد صيغة «لرئيس الجمهورية ان...» كما فعل في بقية المواد الدستورية التي رفض استعمال كلمة «يمكن» قبل إيلاء الصلاحية.
ان المعنى بـ«يمكن» هو أصول ومبادئ النظام وأحكام عدد من المواد الدستورية وليس منح رئيس الجمهورية الخيار، فعندما نص على الإمكان لم يجز ذلك لغير رئيس البلاد من دون مشاركة احد، لأن موافقة مجلس الوزراء لا تعني شيئا لأن إصدار المشروع ونشره يكون نفاذا لقرار اتخذه مجلس الوزراء تحديداً فكيف يمكن لمجلس الوزراء ان يرفض ما قرره؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018