ارشيف من :ترجمات ودراسات
حكومة وحدة في “اسرائيل”.. مقدمة لحرب مقبلة؟
كثرت التأويلات والتحليلات، ومن المقدر ان تزيد بوتيرة مرتفعة جدا في الفترة الحالية، حول الربط بين توسيع قاعدة الائتلاف الحكومي في "اسرائيل"، وبين توجيه ضربة عسكرية لايران، بل وايضا، المبادرة الى اعتداء ما، واسع او ضيق، باتجاه لبنان وسوريا.
سوابق حكومات الوحدة في الكيان الاسرائيلي، من شأنها ان تعضد هذه التحليلات، بل وايضا المواقف، كما هو الحال في "اسرائيل"، اذ صدر اكثر من رأي وموقف، يربط ما بين توسيع الحكومة الاسرائيلية، ودخول رئيس اركان سابق الى طاولة القرار فيها، شاؤول موفاز، وإمكان توجيه اعتداء ما خارجي، قد يطال ايران او سوريا او لبنان.
مع ذلك، توجد نقاط، قد تكون اساسية وضرورية، قبل الاقدام على اي تحليل، يربط الحرب بالمعطى الاسرائيلي الجديد، رغم اهميته.. اذ يوجد في "اسرائيل" من الاسباب، الداخلية، التي تكفي بذاتها لتفسير التغير، وانتقال التوجه من تقديم موعد الانتخابات، الذي كان مقررا في ايلول المقبل، الى توسيع الحكومة، وإدخال حزب كاديما فيها، بحيث بات الائتلاف يستند على اكثرية 94 عضو كنيست، من اصل 120 عضوا، وهي اكثرية تؤمن بالتأكيد، راحة بال لبنيامين نتنياهو، وتمكنه من اتخاذ "القرارات المصيرية"، من ناحية نظرية، من موقع اكثر راحة واقل قلقا، من ذي قبل.
مع ذلك، يتوجب استحضار الآتي، قبل الحكم على المسائل:
اولا: أظهرت استطلاعات الرأي، المنشورة اخيرا في "اسرائيل"، ولدى اكثر من مركز استطلاع معتمد لدى الاحزاب الاسرائيلية، بان حزب كاديما، مقبل على مخاطرة، في حال تقديم موعد الانتخابات، وبحسب نتائج احد الاستطلاعات، قد يتحول الحزب الى "حزب هامشي"، ويذوب لاحقا.. وبالتالي، كشفت مصادر مقربة من موفاز، فرأت ان الخلاص الوحيد، كان بالالتحاق سريعا بالائتلاف الحكومي، مهما كانت المواقف الصادرة عن الحزب ورئيسه، موفاز، ضد اداء الحكومة وضد رئيسها، اذ من شأن ذلك ان يؤجل استحقاق "تهميش" الحزب في الانتخابات، وانتهائه عمليا، من الحياة السياسية في "اسرائيل".
معنى ذلك، انه كان لدى حزب كاديما، دافعية مرتفعة جدا للدخول في الحكومة الاسرائيلية، والا يكون رئيسه، قد حكم عليه بالموت، الامر الذي يفسر، وبكفاية، حافزية الحزب واسبابه، للانضمام للركب الحكومي وعدم السكون في مقاعد المعارضة، وخوض الانتخابات الخاسرة اساسا.
وهذا بالتأكيد يفسر اكتفاء موفاز بحصة متواضعة جدا في الحكومة، وهي وزارة من دون حقيبة، اضافة الى توصيف، لا يؤثر في قراراتها، وهي نيابة رئيسها، خاصة اذا قيس تمثيلها في الحكومة بحجم اعضائها في الكنيست، الذي يعد الثاني بعد حزب الليكود الحاكم.
ثانيا: اظهرت معطيات مؤتمر حزب الليكود، الذي انعقد اخيرا، وقبل الحديث عن حل الكنيست وتقديم موعد الانتخابات في أيلول المقبل، مؤشرات مقلقة جدا لبنيامين نتنياهو، اذ لم يستطع، رغم كل الزخم والجهد الذي بذله، تأمين رئاسة المؤتمر لمصلحته، الامر الذي دفعه الى تأجيل الانتخابات فيه، كما ان هذا المعطى، وتحديدا ما يتعلق بغلبة التيارات اليمينية المتطرفة فيه، اظهرت لنتنياهو ان قائمة الحزب للانتخابات المبكرة، ستكون بمعظمها من المتطرفين، الذين لا يمكن التعامل معهم، حتى في المناورات السياسية التي يعتمدها منذ ان تسلم رئاسة الحكومة.. وبالتالي فإن موافقة نتنياهو على الانتخابات، كانت كأسا مرة، اندفع اليها دفعا من الخارج، ولم تكن خياره الابتدائي.. صحيح ان الانتخابات كانت لتعطي الليكود مقاعد اكثر في الكنيست، كما انها تؤمن له من جديد رئاسة الحكومة، لكنها في نفس الوقت تقيده من الداخل، وهذا ما لا يريده وكان يحاول قدر استطاعته الابتعاد عنه.
هذا المعطى يفسر مسارعة نتنياهو لتلقف العرض الذي قدمه موفاز، والاستجابة السريعة له، بضمه الى الحكومة، وبالتالي الاستناد عمليا على 94 عضو كنيست.. ما يعني ان المناورة التي اعتمدها حزب "اسرائيل بيتنا"، برئاسة وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، كانت هي الدافع وراء الموافقة القسرية لنتنياهو، على تقديم موعد الانتخابات، ولدى تجاوز هذه العقبة او المشكلة، تمكن نتنياهو من الابقاء على الحكومة، حتى عام ونيف اضافي وبشكل مريح جدا.
ثالثا: يعد وزير الحرب، ايهود باراك، ركنا اساسيا من اركان الحكومة الاسرائيلية، وعاملا رئيسيا في تسويقها دوليا، كما ان لموقع باراك، كوزير حرب، وزنا في المقاربة الاسرائيلية الرسمية المتبعة، ضد ساحات المواجهة، وعلى رأسها المسألة النووية الايرانية، خاصة انه يتوافق، الى حد كبير جدا، مع نتنياهو، في مقاربة المسألة.
مشكلة نتنياهو، وباراك ايضا، ان حزب الاخير، حزب الاستقلال المنشق عن حزب العمل، غير قادر على تجاوز نسبة الحسم، المنصوص عنها في النظام الانتخابي المعتمد في اسرائيل (الانتخابات النسبية)، وبالتالي لن يكون اي مرشح على قائمة حزب الاستقلال، عضوا في الكنيست المقبل، بما يشمل باراك ايضا.
حل هذه المشكلة، كان بادراج باراك على قائمة مرشحي الليكود للانتخابات المقبلة، وجهد نتنياهو في هذا الاتجاه وضغط بكل ما اوتي من قوة داخل الحزب، لكن معطيات المؤتمر، وما ظهر فيها من تطرف، ومشادات كلامية مع اكثر من تيار من تياراته الداخلية، أكدت لنتنياهو عجزه عن ادراج باراك في القائمة.. وبالتالي كان سيخسر في حال تقديم موعد الانتخابات، باراك واعضاء حزب الاستقلال جميعهم، وهو معطى يشكل خسارة كبيرة جدا لنتنياهو، حتى مع تمكنه من الفوز في الانتخابات.
العوامل الثلاثة المشار اليها هنا، تكفي بذاتها لتفسير ما يجري في "اسرائيل". لكن هل يمكن الاكتفاء بها، ام ان ما اوصلت اليه، اي حكومة وحدة وطنية، قد تشكل عاملا جديدا، بدوره، يشكل حافزا لمغامرات عسكرية ما؟ سؤال يستأهل الاجابة بالتأكيد.
اللافت ان وسائل الاعلام الاسرائيلية، اضافة الى جملة من المواقف، ربطت ما بين حكومة الوحدة، وبين إمكانات الضربة العسكرية لايران، تحديدا.. علما، وللمفارقة، انها ايضا ربطت، تقديم موعد الانتخابات الملغاة، وإمكانات الضربة لايران.. شأنها شأن اي معطى يظهر في اسرائيل، فكل شيء، بحسب الاسرائيليين، مربوط بايران، ومن شأنه ان يزيد من فرصة توجيه الضربة العسكرية اليها.
لكن في الاجابة، يتوجب استحضار المعطى المعيوش الحالي، والذي يتواصل منذ سنوات، وإن كان قد اشتد الحديث عن الضربة في المرحلة الاخيرة... ما الذي استجد، من ناحية عملية وواقعية، كي تغير "اسرائيل" من وجهتها، وعدم اكتفائها بالتهديد بالضربة العسكرية لايران، نحو تنفيذ الضربة؟ وهل كان عدم الاجماع الاسرائيلي على الضربة، هو الحائل والمانع لتوجيهها، وبالتالي بات الان بالامكان تجاوزه؟ ام ان للمسألة معطيات وموانع اخرى، مرتبطة بالقدرة العملياتية والموافقة الاميركية، وإمكانات تحول الضربة الى حرب لا تعرف نتائجها، اضافة الى الاثمان التي تقدر اسرائيل انها ستتلقاها جراءها، كما يحضر ايضا موضوع جدوائية الضربة ونجاعتها وإمكاناتها في تحقيق النتائج المرجوة منها؟؟
بطبيعة الحال، لو كانت "اسرائيل"، تضمن نتائج الضربة، وتقوى على تحمل تداعياتها وأثمانها، وقبل كل ذلك، قادرة بالفعل على تنفيذها من ناحية عملياتية، لما كانت احجمت عنها، سواء كان موفاز وحزب كاديما في الائتلاف الحكومي ام لا، بل كان الجميع في "اسرائيل" ليهلل للانجاز الكبير في حال تحققه.. المانع اذاً، مانع عملي، وبالتالي لن يزيد او ينقص، موفاز، من امكاناته.
مع ذلك، تجدر الاشارة، الى ان حكومة الوحدة، معطى جديد في "اسرائيل"، تمكن تل ابيب من اعطاء مصداقية اكثر، لمسائل تهديداتها العلنية، وهذا ما ترجوه، سواء ضد ايران، او اي ساحة مواجهة اخرى
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018