ارشيف من :أخبار لبنانية
رئيس الجمهورية يوقع المخالفات
منذ أن عطّل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قبل ثلاثة أسابيع العمل الحكومي، عبر رفضه تشريع الإنفاق القانوني من خارج الموازنة (الـ8900 مليار)، حرص على إبراز المبررات القانونية لخطوته، موحياً أن هدفه الأول والأخير الحفاظ على الدستور (الذي انتخب رئيساً بمخالفة صريحة لإحدى مواده)، لكنّ جديداً طرأ أخيراً يوحي بعدم حرص فخامة الرئيس دائماً على «الالتزام بالقانون» و«السهر على تطبيقه». فقد حصلت «الأخبار» على ثلاثة مراسيم رئاسية تحمل الأرقام 7997 و7996 و8000 وقعها رئيس الجمهورية في 23 نيسان الماضي، يحيل بموجبها قطوع الحسابات عن سنوات حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة على مجلس النواب.
وفي التفاصيل: هناك كما بات معروفاً نزاع بين العونيين وكتلة المستقبل، أساسه إنفاق حكومتي السنيورة 11 مليار دولار من خارج الموازنة، دون جداول واضحة تكشف أين صرفت الأموال وكيف. الأمر الذي وفر اكتشافه للعونيين سيفاً مالياً ـــــ قضائياً يصلتونه على رقبة غريمهم. أما السنيورة، فلجأ إلى القول إن حكومة ميقاتي صرفت على طريقته 8900 مليار، متجاهلاً إعداد الحكومة الميقاتية جداول تظهر أين صرفت كل ليرة وكيف. بعد ذلك، بدأ السنيورة تسويق تسوية تقول: غضوا النظر عن ملف الـ 11 مليار دولار الخاص بي، فأغض النظر عن ملف الـ 8900 مليار ليرة الخاص بكم.
فجأةً دخل رئيس الجمهورية في هذا النزاع إلى جانب السنيورة، مفترضاً أن واجباته كرئيس توافقي تفرض وقوفه على مسافة واحدة من الملفين. وبالتالي تعطيله مسعى الحكومة لحل مشكلة الـ 8900 مليار ليرة بحسب القانون، قبل حل مشكلة الـ 11 مليار دولار.
تحول التصادم العوني ـــــ السنيورة إلى تصادم عونيّ سليمانيّ إذاً، فانكب الرئيس نجيب ميقاتي على البحث كعادته عن مخارج تجنب البلد أزمة حقيقية. أما مفاجأة الرئيس الثانية، فتمثلت في انكبابه على البحث عما يخرج فؤاد السنيورة من أزمته الحقيقية. وهكذا عاد سليمان ليبحث في بقايا «تسوية الصفدي» عما يسهم في إنقاذ السنيورة، متناسياً أن تلك التسوية (مادة واحدة من ثلاثة أسطر، تنص على موافقة المجلس النيابي على النفقات المعقودة بين عامي 2006 و2010) أسقطت قبل ثلاثة أشهر في مجلس الوزراء، بعد هجوم عنيف عليها من تكتل التغيير والإصلاح. وفي خطوة مفاجئة حوّل سليمان إلى المجلس النيابي مراسيم رئاسية تحمل توقيعه على «قطع الحساب» الخاص بحكومتي السنيورة، رغم كل المخالفات التي ترد فيه.
لا بد هنا من توضيح إضافي: رفض سليمان توقيع إجازة صرف تجيز لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي أن تصرف المال بحسب جداول واضحة تتيح للمؤسسات الرسمية الاستمرار في عملها، لوجود ملاحظات (مجرد ملاحظات) قانونية عليها. وفي الوقت نفسه، يوقع سليمان نفسه قطع الحساب الخاص بحكومتي الرئيس فؤاد السنيورة رغم وجود أكثر من مجرد ملاحظات، رغم وجود ما يقول عنه مدير المحاسبة العامة بالتكليف في أحد التقارير حرفياً: «ملاحظات ومخالفات جوهرية تعتري قطوع الحسابات، تفقدها المصداقية وتجعلها مجرد أرقام، لا تضمن مديرية المحاسبة صحة رقم واحد منها»، ورغم وجود أكثر من 10 قرارات قضائية صادرة عن ديوان المحاسبة في السنوات الماضية تطعن بنماذج مشابهة لقطع الحساب السنيوريّ. وبالرغم من ذلك، وقعها الرئيس الحريص على الدستور والقانون، وعلى عدم إتاحة أي فرصة للطعن بقرار يوقعه هو شخصياً.
هكذا يستمر سليمان في مسعاه لإعطاء براءة ذمة مالية للسنيورة عن مرحلة حكمه، دون الأخذ بالاعتبار أن انتظام المالية العامة يفرض كأولوية وضع قطع حساب مفصل عن كل تلك السنوات. فإما أن تعلن وزارة المال أن لا حسابات لديها، أو أن ترسل الحسابات المخالفة إلى ديوان المحاسبة ومجلس النواب. ويختار سليمان الانحياز إلى وجهة نظر السنيورة التسووية بدل المطالبة جدياً، بوصفه الحكم الحريص على انتظام عمل المؤسسات، بتحديد وجهة إنفاق الأحد عشر مليار دولار في جداول واضحة كما فعلت حكومة ميقاتي مع الـ8900 مليار ليرة، وخصوصاً أن الإنفاق السنيوري لم يستند إلى أي أصول قانونية أو دستورية. مع العلم أن المراسيم التي وقعها رئيس الجمهورية تخالف على نحو فاضح المادة 15 من المرسوم (رقم 3373) المتعلق بتحديد أصول ومهل تنظيم الحسابات والبيانات المالية وتدقيقها وتوحيدها.
في النهاية، أحيلت مراسيم سليمان على المجلس النيابي، حيث يفترض أن الرئيس نبيه بري ومعه رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان يتطلعان إلى كشف فضائح هذه المراسيم وتعطيلها. وبالتالي فإن سليمان وقع مرسوماً لن تكون له قيمة معنوية في تبرئة السنيورة من تهمة الصرف خلافاً للقانون. ليكون السؤال: لماذا وقّع سليمان مراسيم كهذه؟ الأجوبة في مكاتب النواب في المجلس الأمس لم تكن توحي إلا بنتيجة واحدة: القول إنه مع السنيورة، ضد عون.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018