ارشيف من :أخبار لبنانية
أحداث طرابلس: مكاسب بالجملة حقّقتها 8 آذار
ليست المرة الاولى التي تبدو فيها طرابلس وكأنها في صراع تحدٍ مع السلطة والدولة، وفي طريقها الى التمرّد على الشرعية كما حصل في الايام الثلاثة الماضية. فتاريخ عاصمة الشمال، منذ مطلع عقد السبعينات حافل بشواهد ومحطات عدة يظهر فيها شخص أو مجموعة تحكم قبضتها على الجزء الداخلي من المدينة، وتذهب في رحلة مواجهة مع الأجهزة، بدءاً من القدور وعصابته مروراً بـ"حركة 24 تشرين" وزعيمها فاروق المقدم الذي اندفع للسيطرة على قلعة المدينة التاريخية، فضلاً عن "حركة التوحيد" وزعيمها الراحل الشيخ سعيد شعبان في النصف الاول من عقد الثمانينات وما رافق ذلك من دخول لياسر عرفات على الخط وقبلها مجموعات الاحياء المحلية.
قد يبادر المتخصصون بعلم الاجتماع والسياسة الى ربط هذه المحطات التي ما زالت حية في أذهان كثر عايشوها عن كثب أو شاركوا في حدثانها خصوصاً إذا ما ربطت بمسائل اجتماعية وحوادث تتصل بالعمل الفدائي والتماهي معه، وهو ما ساد العديد من المناطق عشية اندلاع الحرب الاهلية، لكن المفارقة الكبرى التي قد لا تعجب الكثيرين هي ان ثانية المدن اللبنانية تتراءى وكأنها أدمنت دوماً التمرد ومواجهة السلطة... وهذه المرة أتى دور الجماعات السلفية التي نجحت الى حد بعيد في اظهار سطوتها وحضورها في شارع المدينة المحتقن منذ فترة، وبالتحديد مذ رفعت هذه المدينة لواء التماهي والتعاطف مع حركة التمرد على النظام في سوريا الى درجة بدت معها وكأن ثمة من ساكنيها من ارادها أن تكون "حزام أمان" لهذه الحركة. كان جلياً بفعل هذا التطور الذي فرض نفسه على المدينة التي باتت تستيقظ على تظاهرة تأييد لـ"ثوار سوريا" وتنام على تظاهرة أخرى تحرق رايات وأعلام القوى المتعاطفة مع النظام في دمشق، ان ثمة من يدفع المدينة وتناقضاتها في سياق ينطوي على ما يقود حتماً الى هذه الخاتمة التي يشهد الجميع توالي فصولها الموجعة منذ السبت الماضي، فهي، وفق خصوم الحالة القائمة في المدينة، تنكبت طوعاً مهمة أكبر من قدرتها على الاحتمال، وهي مهمة تغيير الوقائع والمعادلات الراسخة منذ زمن في المنطقة من خلال المشاركة في عملية اسقاط النظام في سوريا.
لا شك في أن ثمة من يبحث خلف دخان الحريق الأمني الذي حصل في المدينة عن أمرين اثنين اساسيين هما: مَن هي الجهة التي اشعلت عن قصد أو عن غير قصد فتيل التفجير الاخير، ومَن هو المستفيد، بصرف النظر عن الابعاد والخلفيات المختبئة وراء الحدث الطرابلسي الاخير والتي تحتاج ولا ريب الى وقت لفكفكة طلاسمها وفك ألغازها المتعددة.
بادئ ذي بدء لا بد من الاشارة الى ان احداث عاصمة الشمال الاخيرة أعادت صوغ "أجندة" الأولويات في المشهد السياسي في البلاد عموماً، إذ طغت على "العقدة" التي استأثرت مدى اسابيع عدة بالواجهة السياسية، وهي عقدة الانفاق الحكومي من خارج الموازنة العامة. فضلاً عن ذلك، فإن مشهد المسلحين بالمئات يحتلون شوارع المدينة، ويحولون جزءاً منها محاور قتال أعادت ذاكرة الكثيرين الى، سنوات الحرب الأهلية، قد جرى على ساحة تعود "ملكيتها" السياسية الى رئيس الحكومة وخمسة وزراء في الحكومة أربعة منهم محسوبون على التيار الوسطي الذي كان السباق في رفع شعار النأي بالنفس عن الحدث السوري، وهو الشعار الذي سقطت رايته سقطة مريعة في الشوارع والساحات الطرابلسية التي كانت مسرح الحدث أخيراً.
وأمر ثالث لا بد من أن يأخذ بالحسبان وهو أن الحدث الطرابلسي ان من حيث مشهد الشوارع المكتظة بالمسلحين أو من حيث الخطاب السياسي أو من حيث الرموز التي تصدت لشاشات التلفزة والاعلام تطلق المواقف التصعيدية والتهديدات وتبدو وكأنها "الحارسة الحصرية" للطائفة، قد أظهر حجم ارتباط عاصمة الشمال والشمال بالحدث السوري المتوالي فصولاً منذ نحو 14 شهراً، الى درجة يشعر معها أي مراقب محايد بأن ثمة مَن يريد لهذه المنطقة أن تربط مصيرها بالوضع في سوريا، وان لا يكون لها أي اهتمام بأي أمر آخر مهما كان حجمه، ودرجة أهميته.
وسواء كان حدث اعتقال جهاز الأمن العام لشادي المولوي هو الذي فجر بركان الغضب الطرابلسي وبالتالي استدرج المدينة، عن سابق وعي ودرس، الى قبضة الفلتان والفوضى والظهور بمظهر "العاصي" على السلطة وأجهزتها وقواها، أم ان الامر كله كان مجرد مصادفة وبالتالي كان لا بد أن يأتي حين من الدهر ويشتعل فتيل الاحتقان الناجم عن تاريخ من المعاناة والاهمال وعن استعداد دائم للجنوح الى مشهد تحدي الدولة وسلطانها، فالثابت ان قوى 8 آذار تعتبر ضمناً ان المشهد الطرابلسي الفائر، قد عزز منطقها وخطابها على المستوى البعيد، إذ أظهر بشكل أو بآخر صحة ما كان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد ذهب اليه قبل فترة رداً على ما سبق وقاله الرئيس سعد الحريري من انه لن تكون هناك انتخابات نيابية ما دام السلاح موجوداً لدى فريق بعينه، إذ قال بري ان هذا الكلام لا معنى له لأن السلاح الفردي بيد الجميع، وهو كلام قال الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير ما يماثله.
فبعد سويعات على اعتقال المولوي، غصت شوارع المدينة بمئات المسلحين وتحولت احياء بعينها محاور قتال، وبالتالي صار يقيناً بأن السلاح ليس حكراً على جهة معينة، بل هو موجود وبكثرة داخل مناطق شاسعة تدور في فلك الانتماء الى تيار "المستقبل" وهو امر سيسقط سلفاً ذريعة مهمة كان يتذرّع بها تيار "المستقبل" لتعبئة جمهوره استعداداً للانتخابات المقبلة.
ومشهد آخر بعث شعوراً بالارتياح في نفوس قوى 8 آذار، هو مشهد الارباك والارتباك الذي بدا ظاهرا في خطاب رموز قوى 14 آذار وتحديداً رموز تيار "المستقبل" حيال التطورات المتسارعة للحدث الطرابلسي. ففي اقل من 4 ساعات على اشتعال شرارة هذا الحدث تغيرت لهجة خطاب رموز "المستقبل" وتحولت دعوات الى الانسحاب من الشارع وإلغاء المظاهر المسلحة.
وبالطبع رصد فريق 8 آذار بدقة هذا البون الشاسع بين خطاب الجماعات السلفية التي امسكت بزمام الشارع وبين خطاب "المستقبل" ورموزه، فكانت بالنسبة إليه عينة لا تحتاج الى اي تعليق على بلوغ الأمور بين هذين الفريقين درجة الافتراق، وان يذهب كل طرف في طريق مغاير لطريق الطرف الآخر، وهذا بالنسبة الى 8 آذار امر منتظر منذ زمن، اذ كان الطرفان طوال الاعوام الماضية يعتقد كل منهما أنه يستخدم الطرف الآخر، في حين ان تيار "المستقبل" كان يتصرف وكأنه يستتبع الفريق السلفي على اختلاف مجموعاته وتلاوينه، ويضعه تحت جناحه خصوصاً بعدما منحه نائبين في الانتخابات الاخيرة، الا انه وبعد ما صار يعرف بـ"الربيع العربي" بدا وكأن التيار الاصولي عموما استشعر وكأنه بات مالكاً لزمام الساحات والقادر على فرض المعادلات.
وعليه فبعد ما حصل في طرابلس أخيراً، ثمة من يجد ظهور معادلة سياسية امنية جديدة في الساحة السنّية على وجه التحديد وسيكون عنوانها العريض في قابل الايام التنافس وتضارب المصالح والأجندات، خصوصاً بعدما استشعر تيار "المستقبل" بأن التيار السلفي يريد أن يحجز مكانه في شارعه، ويريد أن يفرض عليه شروطه.
ونتيجة اخرى للحدث الطرابلسي، يبدو جلياً أن قوى 8 آذار تعتمد عليها، لتتحدث في اوساطها عن مكسب آخر حققته ضمناً، وهو ان قدرة قيادة الجيش على التعامل مع الحدث وتطوراته الميدانية والسياسية على نحو بدّد لعبة الساعين الى جعله هدفاً وتصويره عدواً، فهو انتهج سياسة جعلت دخوله الى المدينة بأقصى سرعة يصير مطلب الجميع، وبذا تبدد حلم الحالمين لدى بعض الرموز السلفية بتوريط الجيش في مواجهة يسهل بعدها رفع شعار اجلائه عن طرابلس وكل الشمال.
ولا ريب أن الفريق نفسه (8 آذار) ينظر بعين الارتياح الى تضامن السلطة كلها مع جهاز الامن العام ودعمها من خلال اجتماع المجلس الأعلى للدفاع لخطوات هذا الجهاز وتدابيره، ومن خلال اسراع القضاء في توجيه الاتهام الى الموقوف - المولوي، وكل ذلك بدّد ايضاً هدفاً وضعه البعض نصب عينيه مع بداية الاحداث، يقضي بمحاصرة جهاز الامن العام ومديره العام وجعله كبش المحرقة.
وعموماً حققت الاكثرية بالحدث الطرابلسي بداية ونهاية جملة نقاط ومكاسب على خصومها، وفي مقدمها أن فكرة جعل الشمال منطقة آمنة تتحرك فيها المعارضة السورية والمتعاطفون بكل حرية وراحة وجدت من يضع خط اعتراض في وجهها ويؤكد بشكل عملي انها ليست امراً قابلاً للتحقيق بلا اثمان باهظة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018