ارشيف من :ترجمات ودراسات

عن الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية"

عن الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية"


المصدر: موقع عرب48 ـ الدكتورة هنيـدة غانـم (*)

تعريف:
هذه المقالة هي فصل من كتاب "في معنى الدولة اليهودية" والذي أشرفت الكاتبة على إعداده وتحريره بالاشتراك مع الكاتب أنطوان شلحت.
ويضم هذا الكتاب مداخلات ندوة خاصة عقدها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار بدعم من دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية وتناولت موضوع "الدولة اليهودية" من جوانبه ودلالاته المتعددة الظاهرة والخفيّة، وذلك في ضوء تواتر المطلب الإسرائيلي بنيل اعتراف فلسطيني وعربي بها كشرط للتفاوض على إيجاد حل للصراع. وقد اشترك فيها كل من د. هنيدة غانم، وحسن جبارين، ود. رائف زريق، ود. بشير بشير، وأنطوان شلحت.
كما يضم مداخلتين أخريين لنمر سلطاني، ود. أحمد رفيق عوض، تسلطان الضوء على الموضوع نفسه من زوايا إضافية، وتسعيان في الوقت ذاته لتفنيد معظم الطروحات التي تتكئ عليها النخب السياسية والأكاديمية في إسرائيل لتسويغ هذا المطلب الذي شهد قدرًا كبيرًا من التصعيد خلال الأعوام القليلة الفائتة.
وتتفق جميع المداخلات على أن تشديد تلك النخب على الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية من جانب الفلسطينيين في الخارج يهدف، من ضمن أشياء أخرى، إلى رفع سقف المطالب الإسرائيلية إلى مستويات جديدة أقرب إلى التعجيز، بمقدار ما يهدف إلى حسم صراع وجدل سياسي داخل إسرائيل نفسها، وبالأساس مع فلسطينيي 48. وفضلاً عن ذلك فإنه يهدف إلى أن يحسم مستقبل الصراع عبر استدراج الجانب الفلسطيني لقبول الرواية الصهيونية ولا سيما بشأن ما ارتكب بحقه في الماضي من آثام التشريد والإقصـاء.
ومما جاء في تقديم المؤلفين: "يقف وراء إعدادنا لهذا الكتاب في الوقت الحالي مفهوم عام فحواه أنه بغض النظر عن المكاسب التي يحاول الجانب الإسرائيلي أن يحصدها سياسيًا من خلال مطالبته الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية فإن من الأهمية بمكان مناقشة معنى الدولة اليهودية وتجلياتها العملية في سبيل الوقوف على الترجمة التطبيقية لمثل هذه الدولة وبالذات في علاقتها ليس فقط مع الفلسطينيين الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية، بل أيضًا في علاقتها بالبعد التاريخي للقضية الفلسطينية".  
خلفية عامة
أعطى صعود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية دفعة جديدة في اتجاه التأكيد على تحويل شرط الاعتراف بيهودية إسرائيل إلى مصاف شرط أساس لأي اتفاق سلام مستقبلي. ولا يحمل موقف نتنياهو هذا تجديداً لمن تابع تصريحاته قبل وصوله إلى سدة الحكم، فقد سبق أن أعلن وهو في صفوف المعارضة ضرورة اشتراط الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية من أجل استئناف المفاوضات، بمعنى آخر مطالبة الفلسطينيين الاعتراف بيهودية إسرائيل قبل البدء بالحديث عن موضوع آخر مهما يكن نوعه. وفي خطابه الموجه إلى الإسرائيليين عشية رأس السنة اليهودية، المتزامن مع الإعلان عن استئناف المفاوضات في واشنطن، أعلن نتنياهو ما يلي:
إننا نصر على أن يتأسس كل اتفاق مع الجانب الفلسطيني على مبدأين، الأمن والاعتراف، من بين المصالح والأمور القومية المهمة لنا. الأمن لأنه لا يمكن لأي اتفاق أن يستمر من غير إرساءات أمنية قوية وملموسة في المنطقة، والأمر الثاني هو بالطبع الاعتراف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي . نحن مطالبون بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومن الطبيعي والصحيح أن نطلب من الطرف الآخر الاعتراف بالدولة اليهودية، دولة شعب إسرائيل. إن التفهم العميق والإيمان بحقنا أن نحيا هنا في هذه البلاد، أرض وطننا، أرض آبائنا وأجدادنا، هما مسألة حيوية للتعامل مع تحديات السنة القادمة ومع تحديات العقود القادمة ومع تحديات المستقبل ككل. لا يوجد نضال أكثر عدلاً من نضالنا للعودة إلى وطننا من أجل أن نبني فيه حياتنا كاملة حرة ذات سيادة. لا ولن تكون أية علامة استفهام - لا على حقنا ولا على عدل طريقنا ولا على كياننا كشعب حرّ في بلاده.
وقد سبق أن أعلن نتنياهو مطلبه هذا في خطاب بار إيلان في حزيران 2009 ، ثم في خطابه أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك في 8 تموز 2010 ، كما سبق أن صرح في مناسبات عديدة عن مطلبه هذا، حتى تحول الحديث عن يهودية إسرائيل إلى قضية منافسة حزبية تتسابق الأحزاب اليهودية في توكيدها والسعي لقوننتها. ولم يكن نتنياهو السياسي الإسرائيلي الأول الذي طالب الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية.(1) فقد أثير الموضوع بدرجات متفاوتة من قبل العديد من القادة الإسرائيليين، حيث سبقته إلى ذلك تسيبي ليفني وإيهود أولمرت مثلاً.
وقد ترافق التشديد على الاعتراف بيهودية إسرائيل من الخارج بتشديد على ضرورة تأكيد يهودية إسرائيل تجاه الداخل، وبالذات أمام المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، حيث دعم نتنياهو اقتراح تعديل قانون المواطنة، ويشير هذا التعديل إلى أن على كل من يرغب في الحصول على المواطنة الإسرائيلية من غير اليهود أن يقسم يمين الولاء لإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. يشار هنا إلى أن نتنياهو شدد على أن هذا التعديل يأتي كجزء من المطالبة بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية ديمقراطية،(2) مضيفاً في أحد خطاباته أن دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، وهذا المبدأ يوجه سياسة الحكومة تجاه الداخل والخارج، وهذا هو حجر الأساس في القانون الإسرائيلي. وهذا المبدأ يعبر عنه في العبارة يهودية وديمقراطية ومن الصواب أن يظهر هذا المبدأ أيضاً في إعلان الولاء الذي يعلنه كل من يرغب في أن يكون مواطناً في إسرائيل.(3) وهو ما يعني عملياً أن إسرائيل تعمل بشكل حثيث على الصعيد الداخلي بالتزامن مع الصعيد الخارجي من أجل حسم موضوع كونها دولة يهودية أو دولة الشعب اليهودي. وقد رفض نتنياهو الربط بين التعديل ومطالبة حزب "إسرائيل بيتنا" إعلان الولاء لإسرائيل مقابل المواطنة والتي استهدفت بالطبع محاصرة العرب في إسرائيل.
إن متابعة تطور المطالبة بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وتزامنها مع حمله لتقنين هذه اليهودية تتعدى العلاقات مع العرب الى محاصرة تيارات "يسارية علمانية" ، يشير إلى أن الموضوع تحول تدريجياً ومنذ أكثر من عقد من قضية ثانوية إلى أحد المواضيع المركزية التي يتشكل على صداها الخطاب القومي والحزبي الإسرائيلي الداخلي من جهة والخطاب السياسي الدبلوماسي والموجه نحو الخارج من جهة أخرى، حيث تم في هذا السياق إعلاء المطالبة بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية إلى مصاف القضايا الجوهرية المطروحة في المفاوضات تماماً مثل قضية الأمن.(4) وفيما قابل الجانب الفلسطيني هذا الرد بالرفض فقد تراوحت أسباب الرفض ما بين اعتبار الأمر شأناً داخلياً إسرائيلياً حيناً أو اعتباره مساً بحقوق اللاجئين وحقوق الفلسطينيين في إسرائيل حيناً آخر. وبغض النظر عن المكاسب التي يحاول الجانب الإسرائيلي أن يحصدها سياسياً من مطالبته الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية فإن من الأهمية بمكان مناقشة معنى الدولة اليهودية وتجلياتها العملية من أجل الوقوف على الترجمة العملية للدولة اليهودية بالذات في علاقتها مع الفلسطينيين، ليس فقط الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية، بل أيضاً في علاقتها بالبعد التاريخي للقضية الفلسطينية.
ما بين الدولة اليهودية ودولة الشعب اليهودي
كلنا ندافع عن فكرة دولة إسرائيل في العالم ونشرح للجميع بأننا دولة يهودية وديمقراطية. لكن كيف من الممكن أن نناضل في شوارع العالم سعياً نحو دولة الشعب اليهودي، في حين أننا لم نعرف حتى الآن فيما بيننا ما هي.(5) (تسيبي ليفني- 27/5/2010)
يوجب الخوض في موضوع "اليهودية"، التمييز بين مجموعة من المفاهيم التي وإن بدا أنها متطابقة أو على الأقل متشابهة إلا أنها تحيل إلى وقائع مختلفة، ونقصد خاصة مفاهيم مثل "الدولة اليهودية" في مقابل "دولة اليهود" أو دولة الشعب اليهودي حتى وان كان هذا التمييز غائبا في الخطاب السياسي الإسرائيلي أو على الأقل في جزء كبير منه.
نظريا ومنطقيا، يحيل الحديث عن "دولة يهودية" إلى الطابع والهوية التي تطغى على الدولة وتصبغ صورتها العامة، وعادة ما تتشكل هذه الهوية من المزج بين مركبات دينية وثقافية وتاريخية، تحوي الرموز والأساطير والقيم والعادات والمعتقدات العامة التي توليها الجماعة مكانه خاصة وتتمثلها بوصفها انعكاسا لها ولروحها الجمعية، في هذا السياق تكون "يهودية الدولة" انعكاسا لهوية الجماعة وروحها الثقافية . في المقابل تحيل مفاهيم "دولة اليهود" او "دولة الشعب اليهودي" بالدرجة الأولى إلى البعد الإثني- قومي، الذي يرتبط بشكل عضوي بالمركب الديمغرافي والسكاني للجماعة التي تسكن الدولة، ويفترض وجود ما سماه أندرسون "جماعة متخيلة" هم اليهود في هذه الحالة يرتبطون بعلاقات وجدانية ويعتقدون - بغض النظر عن التاريخ الموضوعي- أنهم ينتمون لأصل واحد ويشتركون في ماضي واحد موغل في القدم والأهم يتخيلون أنفسهم ضمن مستقبل ومصير مشترك يجمعهم حيث تشكل الدولة الإطار السياسي الذي يتمكن هؤلاء من التعبير عن إرادتهم. بمعنى آخر تحيل الدولة

2012-05-21