ارشيف من :أخبار لبنانية

موسـم الجنـون!

موسـم الجنـون!
ادمون صعب

«سوف ترى إذا انجلى الغبار أَفَرس تحتك أم حمار»!
(الكُشَيري في «اللطائف»)

تعبت أعصاب اللبنانيين وما عادوا يريدون سوى الأمان والاستقرار، والذهاب إلى أعمالهم ومدارسهم في الصباح والعودة سالمين، مرتاحي البال، إلى منازلهم في المساء.
لقد كفر اللبنانيون بكل شيء. وبدا لهم مشهد الانفلات الأمني في طرابلس وعكار وبعض الأحياء في بيروت، والذي كاد ان يتوسع إلى الضاحية الجنوبية، وكأن هناك من يقودهم إلى الجنون. وهم تساءلوا: من تراه يقدر على وقف موجة الجنون التي عبّرت عن نفسها أخيراً بالشارع المسلّح المتفلت من كل عقال، وبالتحريض الشنيع على الجيش، الملاذ الأخير للبنانيين والضامن للوحدة والاستقرار، والمحصِّن للوطن ضد الفتنة على أنواعها؟
لم يشك أحد في أن ما جرى على الساحة اللبنانية هو انعكاس لتداعيات الأزمة السورية، سواء في المناطق التي شهدت ظهوراً مسلحاً وإطلاق نار، أو في المناطق الأخرى ـ والمسيحية تحديداً ـ التي حبست أنفاسها وشعرت بأنها تكاد تكون مشطوبة من المعادلة، وأن الشراكة التي يتحدثون عنها كلما احتاج بعض الحكام إلى التوقيع المسيحي، هي وهم وخيال، بعدما بات اللاعبون المحليون أدوات في أيدي اللاعبين الإقليميين والدوليين، ولا يقيمون وزناً لشركائهم في الوطن، ولوحدة المصير المهدّد من الداخل والخارج.
علماً أن ذاكرة اللبنانيين لا تزال قوية، وهي تختزن تجارب عدة انفرد فيها لبنانيون بالقرار السياسي منذ حلف بغداد عام 1958 حتى الحروب العبثية بين 1975 ـ 1989، وأذاقوا بلدهم وأهلهم مرارات العذاب، والتفكك وانعدام الثقة. فضلاً عن الضحايا التي سقطت من مختلف الأطراف من دون ان تخدم تضحياتها القضايا التي سقطت من أجلها، لأن ما تركته للأحياء كان بيادر من الجماجم، وملعباً لصراعات الآخرين في لعبة الأمم التي لم تجد أفضل من هذا الوطن الموقت، ملعباً، ومن شعبه المفكك ملهاة.
ولقد كانت مفاجئةً عباراتُ الملك السعودي عبدالله في برقيته إلى  الرئيس ميشال سليمان، من أن أحداث طرابلس الأخيرة والتي تمثلت في تحد صارخ لسيادة الدولة وللسلم الأهلي عبر الانتشار الكثيف للمسلحين في الشوارع، وهو المشهد غير المألوف في المملكة وفي أي دولة أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي، «استهدفت إحدى الطوائف الرئيسية التي يتكون منها النسيج الاجتماعي اللبناني»، مذكراً بحرص المملكة على «أمن لبنان واستقراره في ظل سيادته ووحدته الوطنية والإقليمية»، وبـ«دعم لبنان اقتصادياً».
ولقد عجب كثيرون من كلام العاهل السعودي عن «استهداف إحدى الطوائف في أحداث طرابلس الأخيرة.
فهل اعتقال أحد الشبان السلفيين يُعتبر استهدافاً لطائفة هي جزء أساسي من النسيج الوطني، بل هي الحاكم والناهي في الوطن عبر رئاسة مجلس الوزراء، وهي رأس السلطة التنفيذية الحاكمة؟
بل إن ثمة في الوسطين السياسي والشعبي، خصوصاً المسيحي، من يشكو من سيطرة الطائفة التي أشار إليها الملك على الحكم، وإلى تضحية رئيس الوزراء الذي ينتمي إليها بالكثير مما يعتبر «حقوقاً» للطوائف الأخرى، ليُظهر أمانته لطائفته، وهو القائل «أن الأمانة أهم من المسؤولية».
وسبق للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أن عبّر بطريقة ديبلوماسية وذكية عن ظاهرة انعدام الثقة بين مكونات النسيج اللبناني، وهو يقصد بذلك تهميش المكوّن المسيحي في ظل «الانشطار الحاصل في لبنان بين قسمين سياسيين مختلفين متعاونين، يختزلان الشعب اللبناني ويأخذانه رهينة»، وهو يقصد بذلك السنة والشيعة. وتحدث عن هذا الأمر أخيراً في عشاء تكريمي أقيم له في مدينة ديترويت الأميركية وحضره مسيحيون ومسلمون. ودعا الراعي إلى «إطلاق صرخة كبيرة تقول كفى. نحن نريد ولاء للبنان وليس لأحد سواه».
والحل؟
يلتقي البطريرك والملك في الدعوة إلى معاودة الحوار الوطني المتوقف جراء رفض الفريق الذي يستظل السعودية المشاركة فيه. ففي نظر الملك ان الحاجة «ملحة إلى الحوار» نظراً إلى خطورة الأزمة وإمكان تشعبها لاحداث فتنة طائفية».
وكان مؤملاً أن يغتنم الرئيس ميشال سليمان مناسبتي مرور 4 سنوات على ولايته، و6 سنوات على حرب تموز فيوجّه رسالة إلى اللبنانيين، يعلن فيها تجاوبه مع دعوتي الملك عبدالله والمطران الراعي لمعاودة الحوار، والتصالح مع الأطراف الذين يخالفونه الرأي السياسي بادئاً بالطرف المسيحي، وتحديد الإطار العام للحوار، خصوصاً بعدما تعادل فريقا السلاح في الشارع.
إلا ان الرئيس آثر، ويا للأسف، ان يكون «نجم» برنامج، تلفزيوني غداً. ومع احترامنا للبرنامج وللقائمين عليه، فإنه ليس المكان المناسب لإطلالة الرئيس على شعبه، خصوصاً بعد أحداث طرابلس وعكار وبيروت، وفي ذكرى مجيدة مثل الانتصار على إسرائيل في حرب تموز، وحيث لا مكان فيهما للترفيه!
2012-05-24