ارشيف من :أخبار لبنانية
الجيش: الغطاء السياسي لسلاح الأزقة مستمر
عماد مرمل -"السفير"
يستشعر الجيش، منذ فترة، أن هناك من يحاول استدراجه الى الشارع المزروع بكل أنواع العبوات المذهبية والسياسية لتوريطه بمغامرة عبثية ومكلفة، وتدفيعه ثمن الانقسامات السياسية حول الأزمة السورية وسلاح "حزب الله" وغيرهما من العناوين الساخنة، وهو ما تنبهت إليه جيدا المؤسسة العسكرية، فتجنبت قدر الإمكان الوقوع في الفخاخ التي نصبت لها.
وقد بات واضحا لدى قيادة الجيش ان الطبقة السياسية، بما فيها بعض أركان الدولة، لا تجد حرجا في جعل خطابها المذهبي والتحريضي أكثر حدة، لإرضاء الجمهور المحتقن والتماهي مع انفعالاته، بحيث أصبح الشارع هو الذي يقود عمليا السياسيين، وليس العكس، لا سيما أن الاعتبارات الانتخابية بدأت تطغى على حسابات الكثيرين، من دون الأخذ في الاعتبار التداعيات الوطنية والأمنية التي يمكن أن تتأتى عن الاستسلام لإيقاع الغرائز، وما أكثرها في هذه الأيام.
من هنا، تعتبر المؤسسة العسكرية أن الأمن في الداخل كان، وما يزال، وسيبقى "قرارا سياسيا" بالدرجة الأولى، فإذا توافر يمكن للجيش أن يضرب بيد من حديد ويضبط الأرض بشكل فاعل وحازم، أما إذا لم يتوافر "الأمن السياسي"، فإن أي جيش في العالم، وليس في لبنان فقط، لا يمكنه أن يؤدي مهامه كما يجب.
وتجزم قيادة الجيش في هذا الإطار أنه ليس صحيحا أن القيادات رفعت الغطاء السياسي عن مناصريها من المسلحين الذين ما زالوا على الأرض يتمتعون بكل أنواع الحمايات والحصانات، وقد بات لدى القيادة قناعة تامة بأن لكل مجموعة مسلحة في طرابلس، على سبيل المثال لا الحصر، رعاية مباشرة او غير مباشرة من هذه الشخصية الفاعلة او تلك، تحت شعار: "أنا أقود مسلحين.. إذاً أنا موجود"!
ولعله ليس أدل على شبكة المصالح التي تربط المستوى السياسي بالظواهر الميدانية، من تلك الضغوط الصريحة، الرسمية والسياسية، التي مورست لإطلاق سراح الموقوف شادي المولوي، "على حساب هيبة القضاء والمؤسسات الأمنية"، كما يؤكد مصدر رسمي.
وبناء على هذه الحقائق، ترفض قيادة الجيش تحويل المؤسسة العسكرية الى بدل عن ضائع، في غياب التفاهم السياسي، وبالتالي تحاذر جعلها كبش محرقة في الصراع الداخلي والإقليمي المحتدم، وهذا ما يفسر تفاديها الانزلاق الى مواجهات يراد منها تشويه صورة الجيش تمهيدا لإخراجه من المعادلة، كما يتردد في أروقة القيادة التي تتساءل: إذا كان البعض حريصا على دور المؤسسة العسكرية، فلماذا لا يطلب من مناصريه عدم استعمال السلاح والنزول إلى الشارع، بدل تحريضنا على اسـتخدام القوة، لاستثمار دماء الضحايا لاحقا ضد الجيش نفسه؟
وتبدو المؤسسة العسكرية واضحة في ترسيم حدود دورها بدقة في هذه المرحلة: واجبنا حماية الاستقرار السياسي، متى وُجد، ولكننا لسنا نحن من يصنعه، ولا نستطيع أن نعوّض عن غيابه ولا نقبل أن نكون ضحايا عدم وجوده، ولذلك يكون التأني، ليس تعبيرا عن ضعف، بل تحسس للمسؤولية، وتفاد لاستنزافه في صراعات السياسيين.
وبرغم التداعيات التي ترتبت على مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد، إلا أن المؤسسة العسكرية تعتقد أن الأكثرية الساحقة من أبناء الشمال عموما، وعكار خصوصا، تتمسك بدور الجيش لأنها تعرف أن البديل عنه هو الفلتان والفوضى وانتشار السلاح العبثي وسيطرة الميليشيات وتهديد التنوع الذي تشتهر به هذه المنطقة، بل إن كل منطق الاعتدال والوسطية سيكون مهددا في هذه الحال.
ولا تخفي قيادة الجيش ارتيابها في أن يكون الهدف الحقيقي الكامن خلف الحملة على المؤسسة العسكرية هو دفعها للانكفاء، وبالتالي إخلاء الأرض لأصحاب بعض الخيارات المرتبطة بما يجري في سوريا، لأن هناك من أزعجه إصرار الجيش على منع تحرك المسلحين علناً ومصادرة أي سلاح غير شرعي يراد تهريبه الى سوريا أو الاتجار به.
تدرك قيادة الجيش ان الوضع الراهن حساس ودقيق بعدما تداخلت العوامل الداخلية المتفجرة مع تأثيرات المحيط المتوتر، وهي ترى أنه من غير الجائز المكابرة وتجاهل هذه الحقيقة التي تستدعي الإسراع في بناء شبكة أمان سياسية، تتولى المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية حمايتها والمحافظة عليها، وعندها يصبح المخلون بالأمن بلا مظلة واقية او بيئة حاضنة، فيسهل ضربهم والحد من تأثيرهم على الاستقرار، أما محاولة إلقاء تبعات الأزمة الحالية بكل تعقيداتها على الجيش، وصولا الى وضعه في عين العاصفة من دون مواكبته بقرار سياسي حقيقي يرفع الغطاء عن المتسببين بالفوضى وحملة السلاح العبثي، فهذا أمر لا تستطيع المؤسسة العسكرية ان تحتمله ولن تقبل به.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018