ارشيف من :أخبار لبنانية

25 أيار كنتُ هناك

25 أيار كنتُ هناك

نصر الله في زنزانة سهى بشارة -محمود الزيات "الاخبار"

أن يزور الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله الجنوب في مثل هذه الأيام قبل 12 عاماً، ويخصّ معتقل الخيام، الذي خرج منه الأسرى في 24 أيار 2000 وهم يلوحوّن بالبنادق، فإن الأمر يعني الكثير. كان من الطبيعي أن يسأل المصور الصحافي نفسه عن الصورة التي ستحكي عن هذه الزيارة الاستثنائية. رُحت أفتش عنها في زوايا المعتقل الذي لم يكن قد نفض بعد غبار التعذيب عنه، وفي الزنازين التي تآلفت مع معاناة الأسرى.

25 أيار كنتُ هناك

كنت أبحث عن صورة تضيف إلى معاني الزيارة معنى جديداً. فتشت عن زنزانة تعطي زيارة السيّد كل المعاني المرتبطة بمسيرة المقاومة وهويتها وإنجازاتها التي لا تُعدّ ولا تُحصى. لم تكن «عجقة» الصحافيين والمصوّرين تسمح للمصوّر بأن يلتقط صورة تتميّز عن غيرها، إلا إذا «ضحى» بصور كثيرة عن جولة السيّد، مقابل الحصول على الصورة التي يمكنها أن تؤرّخ للحظة اعتبرتها نادرة. لحظة واحدة تروي حكاية ما عانه المقاومون من أسر واعتقال في زمن الاحتلال الإسرائيلي، وهذا ما فعلته.

قبلت الرهان، أضحي بصور للسيّد وهو يجول في أرجاء المعتقل، مقابل الصورة التي ستعكس الفكرة التي اعتقلتني. انسحبت من بين المصوّرين والصحافيين الذين رافقوا السيد في خطواته بعدما التزمت صمتاً مطبقاً. حملت سري كي لا يسرق أحد مني ما احتل خاطري في تلك اللحظة، لحظات مرت سريعاً لأجد نفسي داخل زانزانة سهى بشارة، الصبية التي كنت أتابع أخبارها على مدى سنوات.

كانت الزنزانة الإفرادية التي أمضت فيها سهى عشر سنوات من عمرها تعبق حرية، منذ غرست أولى بذور التحرير في صدر رأس العمالة أنطوان لحد. ثلاث رصاصات أطلقت مساء السابع من تشرين الثاني من عام 1988. عمليتها الشجاعة كانت كافية لتهز أركان الاحتلال الإسرائيلي وتزعزع نظرية «الشريط الحدودي» الذي حوّله المحتل إلى «جمهورية» مسخ لها اسم وجيش ومعتقل.

يُطلّ السيد بين مرافقيه. يجول داخل المعتقل. يتفقد ساحة التعذيب و«ساحة الشمس. يمشي بين سراديب المعتقل، إلى أن يقترب من الزنازين الإفرادية، التي لا تتسع إلا لمعتقل واحد، أو لمصوّر واحد. كنت داخل الزنزانة التي تنتظر طلة السيد، بعدما أعلمت أحد منظمي الجولة بأمر وجودي داخلها قبل لحظات من وصول السيد اليها كي لا ينكشف أمري أمام الزملاء المصورين. ابتسم صاحبي من دون أن يعلّق، ففهمت ابتسامته «إذن موافقة». جاءت اللقطة المنتظرة. أطلّ السيّد من بوابة الزنزانة، وراحت العدسة تلتهم كل ما في جوف الكاميرا. لم أكتف الا حين استُنزف فيلم الكاميرا. ما همّ طالما أن الصورة أصبحت في أمان. في اليوم التالي، حين نُشرت صورة السيد نصر الله يُطل على زنزانة سهى بشارة ، في صدر الصفحات الأولى لصحف لبنانية وعربية وأجنبية، شعرت بسعادة أن «يُعتقل» المُصوّر للحظات، في زنزانة إفرادية لتُحرّره صورة فوتوغرافية.
_________________________________________

 نزيه منصور والولادة الجديدة- مهى زراقط "الأخبار"

في إطار الإعداد لفيلم يروي قصة التحرير، وقع النائب السابق نزيه منصور قبل أيام على صورة قديمة له لم يكن قد رآها قبلاً. هي صورته راكضاً، في 21 ايار 2000، عند منطقة «المعبور» بين بلدتي القصير والحجير. هذه الصورة هي نقطة الانطلاق نحو التحرير الذي بدأ ظهر ذلك اليوم بعفوية كاملة. قبل التقاط هذه الصورة، كان منصور مدعواً إلى غداء في النبطية، وبدأت الأخبار تصل مؤكدة انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من القرى. بادر منصور إلى اتخاذ قرار التوجه إليها، «ولحقونا العالم».

25 أيار كنتُ هناك

تجمّع الأهالي أمام حاجز للكتيبة الفنلندية في قوات الطوارئ الدولية، التي حاولت منعهم من فتح البوابة التي تؤدي إلى وادي الحجير، الطريق الضرورية للعودة إلى القنطرة. الصورة التي سبقت تلك المنشورة أعلاه، تظهر منصور مع مجموعة من الشبان يتدافعون لفتح البوابة التي أقامتها القوات الدولية.

يتذكر منصور كيف رفع الجندي الفنلندي السلاح في وجهه في محاولة منه لثنيه عن الدخول، «لكن ما إن وضعت يدي على البوابة حتى انضمّ إليّ الشباب، فتحناها عنوة ودخلنا راكضين». من القنطرة إلى القصير فعلمان وديرسريان، وصولاً إلى الطيبة. مسافة طويلة عبرها منصور والشباب ركضاً، قبل أن يعود ويستعين بدراجة نارية توصله إلى بلدته. وقد تناقلت وسائل الإعلام صوراً له على الدراجة النارية منطلقاً نحو بلدته الطيبة. يومها، كان العملاء لا يزالون في الموقع المشرف على البلدة، لكن على الرغم من ذلك تابع الأهالي سيرهم وأحيوا مساء ذلك اليوم احتفالهم بالنصر الذي تدحرج سريعاً ليكتمل في 25 أيار مع إعلان عيد المقاومة والتحرير. في ذلك اليوم، أذاع التلفزيون الإسرائيلي خبر الانسحاب وعودة أبناء الجنوب مباشرة، لافتاً إلى أن «الطيبة التي تبعد 3 كيلومترات عن اسرائيل غرقت بأعلام حزب الله». «كان يوماً أشبه بالولادة، وكأن حياتنا عادت لترسم من جديد». يقول. كلّ الإنجازات التي يحققها الإنسان في حياته،لا تعادل في رأيه ما شعر به في ذلك اليوم «النجاح، الزواج، الإنجاب، العمل... كلّها أمور تصبح عادية أمام المشاعر التي تنتاب الفرد في لحظة مماثلة». كيف لا يكون الأمر كذلك «وما عجزت عنه جيوش العرب نجحنا فيه؟».

تكرّس هذا النجاح عام 2006. فالحرب القاسية التي شنّت على مدى 33 يوماً، كان هدفها محو انتصار الـ2000، الذي أهان إسرائيل.
_________________________________
نلا الزين تستعيد اسمها-م.ز

بعد 12 عاماً على تحرير بنت جبيل، رأت نلا الزين صورتها التي التقطت لها ذلك اليوم. «هذه لولو ابنة أختي، وهذا علي... لا يوسف» تقول من دون أن تستطيع منع دموعها من العودة مجدداً. أصلاً، لا يحضر التحرير من دون دموع في بال الزميلة في إذاعة النور نلا الزين. قبل هذا التاريخ، كان اسمها زينب. هكذا عرفها مستمعو «إذاعة الإيمان» على مدى سنوات. غادرت اسمها، للأسباب نفسها التي دفعتها إلى مغادرة أهلها وبلدتها في منتصف الثمانينيات. هدّدها أحد العملاء بعد ارتدائها الحجاب «ما حدا غيري رح يفوّتك ع معتقل الخيام»، فخاف والدها عليها. كانت لا تزال في صف البروفيه، عندما أجرى استخارة ليرسلها إلى بيروت، وهكذا كان.

25 أيار كنتُ هناك

نحو عشرة أعوام قضتها نلا بعيدة عن بلدتها، أمضى والدها نصفها يقطع الحدود مرتين في الأسبوع لزيارتها والاطمئنان إليها. «كانوا يعذّبونه عند المعابر، يرمون البضائع التي يخرج في حجتها إلى بيروت في سبيل أن يطمئن إليّ ويحمل إليّ كلّ ما يعدّ في البيت. حتى مياه الشرب كان يحملها، ويقول: أريدك أن تشربي ما نشربه وتأكلي ما نأكله». في عام 1995 توفي الوالد، بعد انقطاع ثلاثة أشهر عن زيارة ابنته. لم تستطع الذهاب إلى البلدة للمشاركة في دفنه، فطلبت منهم أن يحملوا لها تراباً من قبره. وعندما عادت إلى بنت جبيل في 23 أيار 2000، راحت تفتش عن والدها. لم تستوعب أنه توفي، حتى بعد وصولها إلى قبره «أحتاج إلى وقت كثير لأقتنع بأن هذا قبر، لقد كان أقرب الناس إلى قلبي، ورغم ذلك كنت أنا من يعذّبه ويتعذّب». لهذا تشعر نلا بأن نقمتها على «اسرائيل» لا حدود لها بسبب ما حرمتني إياه. الأمر لا يتعلق بما اقترفه هذا الاحتلال من جرائم فحسب، بل بكلّ ما حرمت إياه نتيجة إبعادها عن أهلها: عاطفة، ملاحظة، سهرة، وحتى شربة ماء. عندما غادرت نلا بنت جبيل، لم تشعر بأنها ستحزن إلى الحد الذي شعرت به لاحقاً. راودتها أكثر من مرة فكرة العودة، والعيش ضمن التسويات التي يقيمها أبناء القرى المحتلة مع الاحتلال، لكنها لم تستطع. انخرطت في العمل العام إلى جانب متابعتها لدراستها. ومن مشاركتها في جامع بئر العبد، الذي كان يؤمّ الصلاة فيه المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله، انتقلت إلى إذاعة الإيمان، ومن ثم إلى النور. طيلة هذا الوقت كانت تعمل، وهي تشعر بأنها ملاحقة. أخفت اسمها كي لا تعرّض عائلتها للمضايقة، وخصوصاً أن الواشين كانوا كثراً.

في أيار عام 2000 علمت أن الأهالي بدأوا يتوجهون إلى قراهم لفتحها بأنفسهم فلم تتردد في الذهاب. انطلقت في 22 أيار مع جارهم، ترافقها عمتها. حصل إطلاق نار يومها، فعادوا سيراً على الأقدام من معبر بيت ياحون إلى عيتا الجبل، حيث أمضوا ليلتهم، وانطلقوا فجر اليوم التالي، بالعشرات، مشياً إلى بنت جبيل عابرين تبنين، بيت ياحون، كونين. عند منطقة صف الهوا كان اللقاء بالعائلة التي خرجت لاستقبال العائدين. فكانت هذه الصورة.

2012-05-25