ارشيف من :ترجمات ودراسات
النووي الايراني: جولة موسكو المقبلة ومؤشراتها الإسرائيلية
كتب محرر الشؤون العبرية
رافق قادة تل أبيب مفاوضات بغداد بوتيرة متصاعدة من المواقف التي غلب عليها التحذير من "الخداع" الإيراني والتسويف الذي يهدف، بنظرهم، إلى كسب الوقت وإضفاء مشروعية دولية على المرحلة التي بلغها تطور البرنامج النووي.. ومن الواضح أن هذه المواقف، وخاصة تلك التي صدرت على لسان كل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن ايهود باراك، كشفت عن قدر من الشكوك الإسرائيلية إزاء المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية، فيما تسميه تل أبيب تقديم "تنازلات" للجمهورية الإسلامية، خشية من الإقرار الدولي بواقع تحول إيران إلى دولة نووية. وهو ما يتعارض بشكل تام مع الآمال والرهانات الإسرائيلية بأن تكون جولات التفاوض الإيرانية الغربية، استنفاذا للخيار الدبلوماسي والعقوبات وصولا إلى دفع الولايات المتحدة نحو خيارات اشد حزما..
أما وقد فشلت مفاوضات بغداد في التوصل إلى اتفاق، كما كانوا يقدِّرون في وسائل الإعلام الإسرائيلية الا ان التوافق على جلسة مقبلة في العاصمة الروسية، موسكو، بعد نحو ثلاثة أسابيع، وحديث وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي كاترين اشتون عن "ارضية مشتركة ونقطة التقاء يمكننا الانطلاق منها.."، انطوى على مجموعة من الدلالات:
أن الدول الغربية لم تتعامل مع فشل مفاوضات بغداد، على أنه نهاية الرهان على الخيار الدبلوماسي وبالتالي ضرورة الذهاب نحو خطوات تصعيدية، كما هو الرهان والأمل الإسرائيلي، بل عكس بالنسبة للمراقب في تل أبيب، التوافق على موعد جديد، تصميماً غربياً وأميركياً على التمسك بالخيار الدبلوماسي وصولا إلى اتفاق ما.
إلى ذلك، رغم أن قادة العدو لن يكفوا عن محاولة تسويق التباينات والخلافات التي برزت على أنها دليل كاف على تصلب الإيراني ورفضه لأي صيغ مُطمئنة للطرف الآخر، كما أن تحديد مواعيد إضافية للتفاوض وبالتالي الإيحاء بوجود آفاق وآمال حول إمكانية التوصل إلى اتفاق في مرحلة لاحقة، سيمنح الإيراني مزيداً من الوقت الذي سيُوظِّفه بمزيد من التخصيب والتحصين.
في كل الأحوال، يبقى أن نؤكد على أن مكمن خطورة أي اتفاق مفترض بين إيران والدول العظمى، بالنسبة لكيان العدو، يتجاوز الجانب النووي، بما ينطوي عليه من معادلات إقليمية ودولية تفاقم من الأخطار المحدقة بالكيان الإسرائيلي وأمنه القومي.
في ضوء ذلك، من الطبيعي أن يواصل قادة العدو إطلاق تحذيراتهم من أن "إسرائيل" لن تكون ملزمة بأي اتفاق، وأنها مستقلة في اتخاذ أي قرار بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية.
لكن مشكلة "إسرائيل" كما عبَّر عنها، الباحث في مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، "رون تيرا"، أن كل من الدول الغربية والكيان الإسرائيلي يدركون جيدا بأن "إيران مصممة على سياسة الحصول على القدرة النووية" وفي ضوء ذلك، يخلص "تيرا"، إلى أن المس بالقدرات فقط سيؤخِّر البرنامج النووي لمدة إعادة بنائه المطلوبة. وبالتالي لن يبق أمام الدولة العبرية إلا العمل للتأثير على السياسة الإيرانية لا على قدراتها. إلا أن هذا الخيار الأخير أيضا، يؤكد تيرا على أن "إسرائيل غير قادرة على التأثير في السياسة الإيرانية لكن الولايات المتحدة قادرة، ولا مكان للمقارنة بين القوة الأمريكية والقوة الإيرانية، فللولايات المتحدة تفوق واضح في حال وقوع مواجهة عسكرية".
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في ضوء هذا التصور، لماذا لم تنجح الولايات المتحدة في فرض إرادتها على إيران؟ يجيب "تيرا" على هذا التساؤل، بالقول أن إيران "مستعدة لدفع أثمان باهظة لتحقيقه.. وتصميم الولايات المتحدة ليس بقدر إيران". والسبب هو أن واشنطن "تقارن بين الاعتبارات (النفط والانتخابات والتحالف الدولي) وتحجم عن المخاطرة"، وتعزز هذا التقدير بعد تراجع الولايات المتحدة عن "التزامات استراتيجية وفي مقدمتها العراق".
ونتيجة ذلك، لا يبقى أمام الكيان العبري لتحدي هذه المعادلة التي تمكنت إيران من فرضها، إلا "استعداد إسرائيلي لدفع الثمن المطلوب لتحقيق سياستها ولتغير بذلك حسابات الأطراف الأخرى"، لكن هذا الأمر لن يتحقق إلا في حال "رفعت إسرائيل مستوى المخاطرة ودامت على ذلك وقتا طويلا.
أما لجهة الحرب الاستخبارية التي تشنها الأطراف المعادية للجمهورية الإسلامية، ومن ضمنها "إسرائيل"، رأى فيها تيرا رسالة إستراتيجية توحي بإحجام هذه الأطراف عن مواجهة عسكرية، كونها أوضحت للقادة الإيرانيين مدى سقف المخاطرة التي أصبح أعداؤها مستعدين لتحملها وتدرك أنه لا يجوز لها ان تخشى من إجراءات تتجاوز مدى الأثمان التي أُخذت في الحسبان".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018