ارشيف من :أخبار لبنانية
حادثة "كاراكاس" كشفت عن تحضيرات خطرة
جوني منير
يكابر بعض المسؤولين والسياسيين اللبنانيين الى حدّ المغامرة لا بل المقامرة في ذهابهم في العابهم الانتخابية الى النهاية وتحقيق المكاسب في شارعهم، وعلى اساس ان لا قرار دولياً يدفع لبنان الى الحرب الاهلية، ما يسمح لهم (حسب رأيهم) بالاندفاع في اقصى سرعة في لعبة الغرائز المذهبية والطائفية.
هذه الحسابات جعلت الشارع يتفلت من بين ايديهم ويذهب الى حرب حقيقية، بعدما سهلت لعبة تحقيق المكاسب، وصول السلاح والذخائر الى ايدي الناس، ومعهم مسلحون غير لبنانيين بعضهم يؤمن بفكر «القاعدة» وبالسلوك العنفي كاسلوب عمل ونضال سياسي.
هذا المناخ نقل الشمال من ضفة الى أخرى وجعل العواصم الغربية لا سيما واشنطن في حال القلق على هذا السلوك المراهق.
في الاساس كانت هذه العواصم وعبر ديبلوماسييها في بيروت في وضع تنسيق امني مع الدولة اللبنانية حول المتعاطين مع «القاعدة» او الذين يدورون في فلكها. وقد طلبت السلطة الامنية اللبنانية من خلال جهاز الامن العام من هذه الدول الغربية اعلامها بشأن الاتصالات التي تجريها هذه العناصر المشتبه بها والتي تخضع للمراقبة القوية، باشخاص موجودين ومقيمين في هذه البلدان.
هذا التعاون الذي كان قائماً، افضى الى ضرورة القاء القبض على الاردني الذي أُبعد الى لبنان. ومن هنا وصلت الامور الى صدور القرار بضرورة توقيف شادي المولوي وبالوصول الى هذه المرحلة، اندلع القتال على محاور طرابلس وتدهورت الاوضاع بشكل خطر، وسط استثمار سياسي «فاقع» للزعامات الطرابلسية المختلفة. وكان لا بد لايّ شرارة ان تلهب هذه المنطقة بسبب اكتمال عناصر التفجير كافة : المال، المقاتلين الغرباء، السلاح والذخائر، والتعبئة المذهبية.
وتكشف مصادر سياسية ان استعراض هذا الواقع خلال انعقاد مجلس الدفاع الاعلى برئاسة رئيس الجمهورية، ادى الى حصول نقاش حاد وصاخب ما دفع برئيس الجمهورية الى رفع الجلسة لمنع تفاقم النقاش. وتروي مصادر ديبلوماسية أن العواصم الغربية شعرت بالقلق البالغ نتيجة المستوى الخطر الذي وصلت اليه الامور في الشارع وهو ما ينذر بانفلات الوضع نهائياً.
يومذاك طُلب من الجيش اللبناني العمل على اعادة ضبط الوضع وسط مهمة صعبة ومحفوفة بالمخاطر. ومع انفلاش المسلحين في الشوارع، تبين ان بعض هذه الفصائل تتبع لمسؤولين حاليين وسابقين، وان السباق على امتلاك الشارع دفع باللعبة الى اقصى حدود التهور.
وتمكن الجيش الذي يعيش وضعاً مادياً خانقاً بسبب غياب الموازنة، من معالجة الموضوع من دون مفاقمة الوضع. فجاءت الاوامر بتجنب الاصابات القاتلة الا في حالات الضرورة القصوى، والاكتفاء باصابة المسلحين الذين يرفضون وقف اطلاق النار والانسحاب. وبالتأكيد فان هذه المهمة تبقى من اصعب المهام.
وجاء نداء قائد الجيش معبراً وصادماً في آن معا حين دعا السياسيين الى سحب مسلحيهم من الشارع : الرسالة جاءت واضحة. ولم يكد الجيش ينجح في ضبط الشارع الطرابلسي والسيطرة على جبهات القتال، حتى جاء من يدفع بالوضع في عكار في اتون المجهول. وحسب المعلومات التي ترويها مصادر ديبلوماسية، أن النائب خالد الضاهر أصر على اقامة احتفال في ذكرى احداث عكار في التوقيت نفسه الذي اعتمده الحزب القومي (رغم ان هذا التوقيت لا يصادف ذكرى هذه الاحداث التي حصلت في العاشر من شهر أيار) وفي مكان ملاصق لاحتفال القوميين بحيث لا يبعد بينهما سوى خمسين متراً فقط.
وتكشف هذه المصادر أن نواباً من كتلة المستقبل في عكار وبتكليف من الرئيس سعد الحريري حاولوا ثني الضاهر عن اقامة مهرجانه في الموعد نفسه. الا ان الضاهر رفض الاستجابة لهذه الضغوط مشيراً الى ان وجهاء وابناء المنطقة يصرون على ذلك. ثم حصل تواصل بين «تيار المستقبل» وقيادة الجيش بضرورة تشدد القوى العسكرية في ضبط الاحتفال امنيا ومنع كل اشكال السلاح، لمنع حصول احتكاكات دموية، لان الوضع لا يحتمل.
وتروي هذه المصادر الديبلوماسية ان الشيخ احمد عبد الواحد كان قد اجرى اتصالا ليلة الحادثة باحد كبارضباط قيادة الجيش، مبدياً رغبته لو انه جرى تأجيل هذا الاحتفال، ومضيفا بانه غير مرتاح للاوضاع. ومع تشدد الوحدات العسكرية بمنع السلاح، وقعت الحادثة المؤسفة وتدهور الوضع من جديد، فيما يترك للتحقيق تحديد المسؤوليات.
وفي كلا حادثتي طرابلس وعكار، فان المسؤولية الفعلية تقع على عاتق من ساهم في تحضير الاجواء المشحونة اكثر بكثير على من ساهم في اطلاق الرصاصة الاولى. ذلك ان هذه الاجواء هي التي تحضن كل عناصر التدهور الامني والمخاطر الحاصلة، وهو ما ظهر مع اشتباكات الطريق الجديدة في بيروت، الا ان الاخطر ما نتج عن اشتباكات شارع كاراكاس عند رأس بيروت، حيث ادت حادثة عاطفية الى ظهور خيوط خطيرة.
فالتحقيقات الجارية كشفت ان محمد يمان منذر سليمان كان قد باشرالتحضير لعمليات سرقة مصارف بهدف تمويل عمليات ارهابية سيجري تنفيذها باشراف «القاعدة» وهنا يأتي السؤال الاكبر والاخطر: هل هذا يعني ان هنالك بداية تحرك على الساحة اللبنانية لهذه الشبكات الارهابية بقرار خارجي؟
وبعيدا عن التصريحات «المملة» عبر وسائل الاعلام، فان العواصم الغربية طلبت من المسؤولين اللبنانيين والسياسيين وقف كل انواع الالا عيب الداخلية وتسجيل النقاط على مستوى الزواريب، وتأمين حرية حركة الاجهزة الامنية والعسكرية اللبنانية في اطار عملها لملاحقة ومكافحة الخلايا الارهابية لان ما كشفته الاحداث الاخيرة كان خطيرا.
لا بل فان هذه الاوساط تؤكد بان واشنطن وجهت نصيحة للرئيس سعد الحريري بضرورة العودة الى لبنان لضبط الشارع من جهة والعمل على استعادة بعض ما خسره على مستوى قاعدته الشعبية خلال الاحداث الاخيرة. لا سيما في الشمال، لكن هذه الاوساط الديبلوماسية قالت ان الحريري لم يعط جوابا محددا في هذا الشأن.
الا ان الاسلوب الايجابي الذي ابداه الحريري في مسألة المخطوفين اللبنانيين، فتح الباب حول احتمال ان يؤدي ذلك الى حصول تطورات ايجابية في هذا الشأن، هذه الاشارة التي اقلقت الرئيس ميقاتي ما دفعه الى الاستعجال في اعلان زيارته الى تركيا على اساس حجز دور له في عملية اطلاق سراحهم المفترضة قبل ان تتعقد الامور ويؤجل زيارته.
وهنا ايضا، تكشف المصادر الديبلوماسية ان المختطفين اللبنانيين قد اصبحوا فعلا في الاراضي التركية، وهو ما دفع بكبار المسؤولين الاتراك الى ابلاغ كبار المسؤولين اللبنانيين، بذلك لكن ما استجد هو حصول تواصل استخباراتي مع دول عربية واوروبية حول الهوية الحزبية للمختطفين اللبنانيين، ويتردد ان جهات لبنانية لم تكن بعيدة عن هذه الاتصالات، ما اسفر الى عرقلة عملية اطلاق سراحهم بعد الاشارة الى وجود مسؤول في حزب الله بينهم يمكن الاستفادة من معلوماته، والاستفادة منه كورقة للتفاوض.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018