ارشيف من :ترجمات ودراسات

"اسرائيل" تتحصن.. وتخشى مواجهة حزب الله

"اسرائيل" تتحصن.. وتخشى مواجهة حزب الله
حسان ابراهيم
السباق بين "اسرائيل" واعدائها، لم يعد فقط، سباقا على الجهوزية والاستعداد لخوض الحرب، ومحاولة الانتصار فيها. بات اكثر تعقيدا وأكثر تعشبا. وخلال فترة اللاحرب، تتعدد اوجه الصراع واساليبه وآلياته ومقاصده، من بينها ما تعمد اليه تل ابيب، وبشكل مفرط في الفترة الاخيرة، في محاولة لترميم او تحسين، صورة الاقتدار والمنعة والقدرة على تحقيق المصالح، بالقوة العسكرية.

جملة كبيرة جدا من المواقف والتصريحات الاسرائيلية، يضاف اليها تقارير وابحاث مطولة تصدر تباعا في "اسرائيل"، تركز على هذا الجانب: مناعة "اسرائيل" وجبروت جيشها، واستعدادها لاي حرب، صغرت او كبرت، وطالت او قصرت. من بينها،  كثرة التقارير الاعلامية عن جهوزية الجيش الاسرائيلي، وتدريباته ومناوراته وتكتيكاته، ووسائله القتالية غير المسبوقة، وقدرته على التحرك في اكثر من جبهة في آن واحد، الى حد تأكيد رئيس هيئة اركان الجيش الاسرائيلي، اخيرا، على انه لا يستبعد تجنيد كل الشعب الاسرائيلي بأسره للقتال.

مع ذلك، محاولات التأكيد، وأيضا المبالغة في احيان كثيرة، على مكانة ومنعة وقدرة اسرائيلية مشكوك فيها، كما يجري تسويقها اسرائيليا، يصطدم احيانا كثيرة بوقائع صلبة ومناقضة، الامر الذي من شأنه ان يرتد سلبا على الجهود الاسرائيلية، بما يتعارض مع المقصد الابتدائي لتل ابيب، وهو ارهاب الاعداء وردعهم، وفي نفس الوقت، إيجاد او زيادة الثقة، بقدرات الجيش الاسرائيلي وأصحاب القرار فيه، سواء باتجاه الاسرائيليين انفسهم، او باتجاه الحلفاء والاصدقاء، على كثرتهم.

وللمبالغة في اظهار القدرات، مصحوبة بالتهديد المفرط والرتيب، تفسير اخر في الحالة الاسرائيلية، قد يعبر عن خشية من الحرب، وعن محاولة تجنبها، اكثر من كونه تأكيد على الانتصار فيها. الامر الذي تشير اليه ثلاث حقائق ظهرت اخيرا في "اسرائيل"، من شأنها ان تكشف عن منسوب مرتفع من القلق، يعتري المؤسسة السياسية والعسكرية في اسرائيل، حيال الحرب واثمانها. كما تكشف، هذه الحقائق، وبشكل اساسي، ان تل ابيب غير جاهزة، حتى الان على الاقل، لخوض حرب تهدد بها بمناسبة او من غير مناسبة.

تكشفت الحقيقة الاولى، في اعقاب تأكيد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، على ان المقاومة قادرة على ضرب اهداف محددة جدا في اي مكان في فلسطين المحتلة، وأن تدمير مبنى في الضاحية، يقابله تدمير مبان في تل ابيب، اذ كشف الاعلام العبري قيادة الجيش الاسرائيلي، اوقفت العمل بالمقر البديل للقيادة العسكرية في وزارة الحرب في تل ابيب، والموجود تحت الارض، بسبب الخشية من انه لن يصمد في وجه هجمة صاروخية يطلقها حزب الله في الحرب المقبلة. اي ان "اسرائيل" تقر، بشكل غير مباشر، بان مبنى وزارة الحرب في تل ابيب، سيسقط في الحرب المقبلة، بل ان المقر البديل تحت الارض، ايضا لن يصمد امام الهجمات الصاروخية المرتقبة.

الحقيقة الثانية، وهي حقيقة اكثر دلالة، يتعلق بالتقرير المنشور في صحيفة جيروزاليم بوست، بتاريخ 14/05/2012، والذي يكشف ان الجيش الاسرائيلي صادق على خطة طموحة لايجاد مواقع بديلة للقواعد والمنشآت العسكرية الحساسة، من المرجح ان يجري استهدافها في الحرب المقبلة، من بينها نقل قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي، الى موقع سري في وسط "اسرائيل". كما تكشف الصحيفة ان رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، صادق اخيرا على تحصين ما يقرب من عشرة منشآت حيوية حساسة في مختلف المناطق الاسرائيلية، بناء على انواع الصواريخ التي يمتلكها حزب الله.

تتعلق الحقيقة الثالثة بـ"الانجاز" الاخير لسلطة البث في تل ابيب، والتي انهت اخيرا تصحين منشأة بديلة في مدينة حيفا، لتحل مكان منشآت البث التلفزيوني والاذاعي، في الحرب المقبلة. واشار تقرير الفضائية الاسرائيلية (14/05/2012)، الى ان عمليات التحصين وايجاد منشآت بديلة لسلطة البث، ستشمل لاحقا، مدن تل ابيب وبئر السبع والقدس.

هي عينات ثلاث، ذات دلالات واضحة، وتؤكد على الاقرار الاسرائيلي بما باتت لدى المقاومة من قدرة تدميرية، نوعية ودقيقة، قادرة على استهداف المنشآت والمواقع العسكرية والحيوية الحساسة في "اسرائيل". لكن قبل كل ذلك، تشير هذه العينات، واخرى لم وقد لن تنشر في "اسرائيل"، الى ان تل ابيب غير جاهزة، كما تدعي، لخوض الحرب، التي تهدد بها اعدائها.

مع ذلك، وفي نفس الوقت، لا يمكن، ولا يجوز، الاستخفاف بالقدرات الاسرائيلية، لكن ما بين صورة "اسرائيل" ذات الاقتدار المطلق، وبين صورتها وواقعها وقدراتها الحقيقية،  فروق شاسعة.
2012-05-28