ارشيف من :ترجمات ودراسات

عِبَرٌ من سنوات حرب لبنان الطويلة التي انتهت بالهرب

عِبَرٌ من سنوات حرب لبنان الطويلة التي انتهت بالهرب

المصدر: "موقع يديعوت أحرونوت ـ رون بن يشاي"

"روى شارون ورافاييل لي عن عملية "أورنيم الكبرى" وكانا واثقين أنّني سأصمت إلى الأبد. هما لم يدركا في العام 1982 ما تحوّل إلى عقيدة أمنية غير رسمية، واليوم هي تؤثر على الجدل حول مهاجمة إيران.

لن أنسى أبداً رش الأرز وهتافات الفرح التي استقبلت مائير دغان، عندما دخل في مقدّمة صف الدبابات إلى قرية (لا أذكر اسمها) في سلسلة الشوف، في اليوم الثاني من الحرب. كان دغان حينها قائد اللواء 188 وكنت جالساً على دبابة السنتوريوم التابعة له وصوّرت القرى الشيعية المبتهجة التي حررناها، هكذا قالوا بصراحة، من ظلم الفلسطينيين الذين استوطنوا في قراهم وأساؤوا لهم.

أحدٌ لم يُحصِ الشيعة عندما دخلوا إلى لبنان قبل 30 عاماً. إلا أنّهم المسؤولون عن التغيير الاستراتيجي الوحيد والمنيع الذي تسبّبت به "حرب سلامة الجليل" ـ تأسيس حزب الله بمبادرة من إيران ودعمها. التتمة معروفة، واستُكملت منذ فترة ليست ببعيدة ـ سيطرة سياسية وعسكرية للطائفة الشيعية.
منح مناحيم بيغين الاسم الرسمي، "حرب سلامة الجليل". لكنّه لم يترسّخ، لأنّ الحرب التي بدأت في العام 1982 وانتهت في الواقع في أيار عام 2000 لم تؤدِ إلى حرب الجليل. على العكس، جنود الجيش الإسرائيلي في الشريط الأمني في جنوب لبنان وكذلك أهاليهم، لم يعرفوا لحظة واحدة من الهدوء خلال السنوات الـ18 حتى سنوات الانسحاب من هناك ـ هناك من يقول الهرب ـ في ليلة واحدة وبخزي. الهرب الذي حثّ حزب الله على جرّنا إلى حرب أخرى في لبنان عام 2006.
"سلامة الجليل" لم يتم استيعابها لدى الجمهور أيضاً لأنّه تحت هذا الاسم كانت تنطوي خدعة سياسية كبيرة. صواريخ الكاتيوشا وحتى محاولة فلسطيني قتل السفير الإسرائيلي في لندن، شلومو أرغوف، لم تكن إلا ذريعة. الهدف الأوّل للمبادرين لتلك الحرب ـ وزير (الدفاع) حينها أرييل شارون ورئيس هيئة الأركان العامّة حينها رافاييل إيتان ـ كان ترسيخ، سياسياً وعسكرياً، السيطرة على يهودا والسامرة. نيّتهم من البداية كانت طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وبالتالي القضاء نهائياً على أمل وطموح الفلسطينيين بأن يستردوا الأراضي التي فقدوها في حرب الستة أيام.
أنا واثق من ذلك لأنّني سمعته شخصياً من شارون وكذلك من رفول قبل وقت طويل من تلك الحرب. كنت حينها المراسل العسكري للتلفزيون الإسرائيلي وهما افترضا أنّني أبداً لن أستطيع أن أرغب (قلقاً على مهنتي الصحفية) أن أنشر ذلك. الكارثة هي أنّهم باعوا القصّة لرئيس الحكومة، الذي بدوره اشترى وأقنع الحكومة بما قيل له: بأنّ المسألة تتعلّق بعملية عسكرية واسعة النطاق لكن محدودة، ستصل فيها القوات الإسرائيلية إلى مسافة تبعد 40 كلم من بيروت وحينها يتوقفون بعد أن يطردوا مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان ـ الأمر الذي سيحول دون إطلاق صواريخ الكاتيوشا باتجاه الجليل.
اسم الكود العسكري الإسرائيلي للعملية المحدودة كان عملية "أورنيم الكبرى". في الواقع أعدّ شارون ورفول طوال سنوات لعملية "أورنيم الكبرى"، التي كان من المفترض فيها أن تصل القوات الإسرائيلية إلى بيروت وحتى من شمالها، لطرد ياسر عرفات ورجاله رفيعي المستوى ومئات آلاف الفلسطينيين الذين سكنوا في المخيمات المحيطة بالعاصمة اللبنانية.
كذلك صوّب شارون وعدد من عناصر المؤسسة الأمنية نحو هدف استراتيجي آخر: إعادة السيطرة للكتائب اللبنانية بقيادة بشير الجميل على لبنان كلّه. السيطرة التي فقدوها خلال الحرب الأهلية في الدولة التي دارت في العام 1976، بين الطوائف المختلفة في لبنان وكذلك بينها وبين الفلسطينيين والسوريين. في مقابل هذه "الخدمة" كان من المفترض أن يوقّع الجميل على اتفاقية سلام مع إسرائيل. بعد الحرب جرت محاولة يائسة لتحقيق ذلك ـ وُقّع الاتفاق لكن لم يُنفّذ. لم يجد السوريون والشيعة مشكلة في تحويلها إلى ميتة عبر العبوات الناسفة والقذائف الصاروخية.

الخداع

الذكريات والوقائع مطلوبة لفهم عِبَر الحرب ذاتها وتأثيرها على أسلوب التفكير الحالي، بما في ذلك على الجدل بخصوص الهجمة على إيران. العبر ذاتها تحوّلت في المؤسسة الأمنية وكذلك لدى القادة السياسيين الحاليين لدى إسرائيل إلى ما هو بمثابة "الكتب الدينية الشفهية" من خلف "المفهوم الأمني" الرسمي.
العبرة الأولى والأهم فيما يتعلّق بحقيقة أنّ حرب سلامة الجليل كانت "حرب خيار". أي حرب بادرت إليها إسرائيل لتحقيق أهداف سياسية وإستراتيجية، لكن لم تكن ضرورية (بالحجم الذي حصلت فيها) لتصفية الخطر الآني والملموس على قيام الدولة أو أمن مواطنيها. حرب خيار سابقة كانت في 1956، عندما خرج الجيش الإسرائيلي في إطار ائتلاف دولي لعملية كاديش في سيناء لتغيير وجه الشرق الأوسط استراتيجياً عبر إسقاط نظام جمال عبد الناصر في مصر. كانت النتائج مشابهة: حينها أيضاً اضطررنا للانسحاب بشكل مخزٍ والنتيجة الإستراتيجية كانت التدخل المعمّق للاتحاد السوفياتي في المنطقة.
في حرب لبنان الأولى الأهداف الإستراتيجية الأساسية التي عبّر عنها شارون ورافاييل لم تتحقّق. وأكثر من ذلك، نتجت نتائج سلبية لم يتوقعوها، منها شرخ عميق في المجتمع الإسرائيلي. الشرخ ليس ناجماً فقط عن أنّ كثيرين اعتقدوا أنّ الحرب بحجمها الإجمالي ("أورنيم الكبرى") لم تكن ضرورية، إنّما لأنّ أهداف الحرب الحقيقية أُخفيت عن الجمهور والحكومة. باختصار، حصل خداع. هذا هو السبب الكامن خلف تجنيد لواء احتياطي المظليين بشكل جزئي فقط لأنّ كثيراً من عناصره صرّحوا بأنّهم رفضوا الأمر ("يساريون"، كما يسمونهم في الإعلام).
الخيار في ذلك الحين مرتبط بقضية يومنا في مسألة مهاجمة إيران. في ذروة حرب لبنان دار جدل مشابه في الجمهور وفي المؤسسة السياسية، بمشاركة فاعلة، ضوضائية وحساسة لرفيعي المؤسسة الأمنية السابقين والحاليين. السؤال كان هل على الجيش الإسرائيلي ـ الذي تمركز في  بيروت الشرقية التي يسيطر عليها المسيحيون ـ أن يحتلّ غربي المدينة (معقل عرفات وعناصره والشيعة) مقابل خسائر فادحة لجنوده ومسّ خطير بغير المقاتلين. هذا على الأقل ما ادعاه المعارضون.
في إطار الجدل المر نفسه وقع حادث لا سابق له. قائد لواء دبابات نظامي (اللواء 211) قدّم استقالته وترك الجيش. إيلي غلفع، ابن ضابط برتبة لواء في الاحتياط، ادعى أنّ الدخول إلى بيروت الغربية ليس ضرورياً ويشكّل خطراً ليس بضروري على حياة جنوده وهو ليس مستعداً لتحمّل مسؤولية عمل كهذا.
لم يتأثر شارون، رفول وبغين وكانوا مصرين على تحقيق أهدافهم الإستراتيجية. لذلك، في النهاية دخل الجيش إلى بيروت الغربية واحتلها.
نذكّر: هذا تمّ دون صعوبات وخسائر ملحوظة من جانبنا. إلا أنّه نتيجة لاحتلال بيروت الغربية استطاع عناصر الكتائب المسيحيون ذبح الفلسطينيين في معسكرات اللاجئين في صبرا وشاتيلا. المجزرة أضرّت بشدّة بالتماسك الداخلي الإسرائيلي، وأخرجت مئات الآلاف للتظاهر في ساحة "ملخي يسرائيل" في تل أبيب ضدّ الحرب، كما أدّت إلى تقديم طلب بتشكيل لجنة تحقيق، كما إنّها لا تزال تُستخدم حتى اليوم كوسيلة حادّة وعنيفة في معركة سلب الشرعية ضدّ إسرائيل والجيش الإسرائيلي.
صدمة لبنان حدّدت قاعدة تحفظها أجيال المسؤولين الرفيعين في الجيش الإسرائيلي والمسؤولين السياسيين (بمن فيهم إيهود باراك وبنيامين نتنياهو) كلازمة: عدم الخروج إلى حرب ـ ولا حتى إلى عملية محدودة ولكن واسعة النطاق وطويلة نسبياً ـ إن لم يكن هناك وعي عام راسخ في إسرائيل يدعم الأهداف الحقيقية لاستخدام القوّة، ويقرّ بضرورة استخدام القوّة العسكرية كوسيلة أخيرة لتحقيقها.

ليس من دون أميركا

العبرة الثانية من الحرب ناجمة عن حقيقة أنّ الانقسام السياسي الداخلي وفقدان الشرعية الدولية المتينة، عطّلا استخدام القوّة العسكرية وحالا دون تحقيق الأهداف العسكرية المخطّط لها. مثل الشرخ الخطير مع الولايات المتحدة الأميركية ـ بشكل أساسي مع الرئيس الجمهوري رونالد ريغين، الذي كان حتى ذلك الحين داعماً متحمساً لإسرائيل لكنّه صُدم بالإصرار على العمل في بيروت الغربية بعد انسحاب السوريين وعرفات منها؛ عدم وصول قواتنا إلى طريق بيروت ـ دمشق أو "التقدّم البطيء" للجيش الإسرائيلي في البقاع اللبناني بعد إعلان وقف النار.
الخلاصة التي ما زال يُعمل بها حتى اليوم في المؤسسة الأمنية هي أنّ الحسم أو النجاح العسكري للجيش الإسرائيلي لا يكفيان لتحقيق الأهداف الإستراتيجية. للتوصّل إلى الانجاز الأدنى (الردع الذي سيؤجل وقوع حرب حتى فترة زمنية طويلة) ضروري بالإضافة إلى وعي الجمهور الإسرائيلي للشرعية والدعم الدوليين ـ أو على الأقل الأميركيين.

في الجيش الإسرائيلي فهموا: كفى احتلالاً

حرب لبنان الأولى كانت الحرب الأخيرة التي احتلّ فيها الجيش الإسرائيلي أرضاً وقرّرت الحكومة الاحتفاظ بها لسنوات (18 عاماً). نتيجة لذلك تعلّمنا العبرة الثالثة، عبرة فهمها الأميركيون مؤخراً في العراق وأفغانستان: "الحرب التي تلي الحرب" أصعب بكثير، وثمنها الدموي والمالي أكبر من أن يتصوره عقل من فعل الاحتلال.
هجمة عسكرية مبادرة ناجحة هي مسألة واحدة، وضع اليد على الأرض هي قصّة أكثر تعقيداً وصعوبة. سواءً لأنّ احتلال الأرض يحرّر من الزجاجة الكثير من الشياطين الذين لم يلتفت المحتل قبل الحرب إلى وجودها واحتمال خطرها (الشيعة في لبنان الذين سفكوا دماءنا في الشريط الأمني، القاعدة في العراق وطالبان في أفغانستان)، أو لأنّ القوات المتمركزة على الأرض المحتلة تكون هدفاً ثابتاً ومريحاً للعمليات الإرهابية وحرب العصابات.
نتيجة لوعي هذه الأمور، وغيرها مما لم نذكره هنا، يسود اليوم إدراك في المؤسسة الأمنية: من غير المسموح العودة إلى وضع احتلال أرض والاحتفاظ بها لوقت طويل، يمكّن القوات المحلية من الاستعداد وضربها من المؤخرة. لذلك، بدل محاولة القضاء على المشكلة نهائية ("إيقاف تماماً إطلاق صواريخ القسام من غزّة") عَبْر احتلال الأرض والاحتفاظ بها، الهدف اليوم هو الوصول إلى حالة ردع تؤجل مواجهة إضافية لوقت طويل. إلى أن يستوعب أعداؤنا الدرس التاريخي، أنّهم لن ينجحوا بمحو إسرائيل عن الخارطة وإنْ عَبْرَ استنزاف منحني المسار وعمليات انتحارية.
هذا التصوّر الذي ترسّخ بعد عبر حرب لبنان الأولى أثبت نفسه بعد حرب لبنان الثانية وعملية "الرصاص المسكوب" في غزّة. الإيرانيون، في الواقع، فهموا أنّ هذا هو تصورنا ولذلك هم يكبحون [السيد] حسن نصر الله وفي الوقت ذاته يعملون بزخم على سلاح نووي يكسر المعادلة.

غرور وسُكْر القوّة الجوية

بالإضافة إلى العبر الإستراتيجية التي ذُكرت، كانت للحرب جوانب أخرى مثيرة للاهتمام من منظور عسكري. هذه كانت المرّة الأخيرة التي قاتل فيها الجيش الإسرائيلي في حرب متناظرة، أي ضدّ جيش نظامي ـ الجيش السوري ـ الذي كان يستخدم وسائل حربية ومبادئ قتالية مشابهة لتلك التي استخدمها الجيش الإسرائيلي. في الموازاة، كانت تحصل حينها حربٌ غير متناظرة، ضدّ منظمة التحرير الفلسطينية وفي السياق ضدّ ميليشيات شيعية وسنية. لذلك كانت هذه "حرباً هجينة"، متناظرة وغير متناظرة، كان على الجيش الإسرائيلي فيها أن يظهر قدرات متنوعة. وقد نجح إلى حدّ كبير.
حصلت إخفاقات، على سبيل المثال في معركة السلطان يعقوب وفي عدّة معارك أخرى، لكن بشكل عام أُثبت أنّه عندما يستخدم الجيش الإسرائيلي بسرعة وحزم قوّته البرية وينفّذ مناورة واسعة النطاق ومتنوعة، بما في ذلك الإنزال من البحر والجو، عبر ألوية وفرق خضعت لتحضير وتدريبات أساسية؛ وعندما يستخدم المدفعية المتنقلة والدقيقة نسبياً بحجم كبير ـ هو قادر على السيطرة من دون خسائر كثيرة وفي غضون أيام على مناطق حيوية على أنواعها، سواءً كانت مدنية أو مفتوحة. في السنوات الماضية، نُسيت هذه الحقيقة. النتيجة: استخدام خاطئ للقوّة البرية في حرب لبنان الثانية والتأخر في استخدام الجيش الإسرائيلي إلى داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والمدن في الضفة خلال الانتفاضة الثانية في عملية "السور الواقي".
لقد أظهر سلاح الجو في سلامة الجليل أنّ قادته وعناصره استخلصوا جيداً عبر حرب الاستنزاف وحرب يوم الغفران، وأثبتوا أنّ قائد سلاح الجو والرئيس السابق، غزر وايزمان، أخطأ عندما أورد في كتابه بعد الحربين: "الصاروخ لوى جناح الطائرة". ففي حرب لبنان دمّر الجيش الإسرائيلي 19 بطارية صواريخ أرض ـ جو  سورية في البقاع اللبناني وما يزيد عن 80 مقاتلة سورية، من دون خسارة في تلك المعارك ولا حتى طائرة واحدة ـ انجاز بمعيار عالمي لا منافس له حتى اليوم. انجاز مسؤول عنه إلى حدّ كبير قائد السلاح حينها، اللواء دافيد عفري (في كلّ الحرب فقد سلاح الجو مقاتلتين وقتل من دون قصد مقاتلي الجيش الإسرائيلي بانفجار نجمَ عن خطأ في التشخيص).
نتيجة لهذه الانجازات استعادت هيئة الأركان العامّة والمواطنون الإسرائيليون الثقة بقدرات سلاح الجو، وحتى إنّهم يبالغون اليوم بها. وقد قال وزير الدفاع مؤخراً إنّ سلاح الجو هو قوّة الحسم الأساسية لدى الجيش الإسرائيلي. لعلّه إذا ما فكّر مرتين لما كان حاسماً إلى هذا الحد. ليس بسبب الانتظام السياسي أو القلق من أن يشعروا في ذراع البر بالإهانة، إنّما لأنّ ذراع الجو، سيكون جديراً بالتقدير وناجعاً بالقدر الممكن إجمالاً، وقادراً على تحقيق الحسم في معركة أو في حرب في حالات نادرة ومحدّدة. على الأغلب، إنّ سلاح البر هو من يحسم ـ وهذا ما أثبتته حرب لبنان الأولى. بحسناتها وسيئاتها".

2012-05-29