ارشيف من :ترجمات ودراسات

لبنان؛ أوّل التبعات الخارجية للأزمة السورية

لبنان؛ أوّل التبعات الخارجية للأزمة السورية
بقلم نادر مازجوني
صحيفة اطلاعات

من جديد لم يعد لبنان ذلك البلد الهادئ، كما في سابق عهده، وهذه المرة لا نتحدث عن هجوم إسرائيلي عليه، بل عن توترات داخلية سببها اضطرابات وأعمال الشغب؛ حيث اعادت هذه الأعمال إلى الأذهان ذكرى الحرب الأهلية التي استمرت قرابة 15 سنة في لبنان، ذلك البلد الذي تعيش فيه مذاهب مختلفة من شيعي وسني ومسيحي ودرزي وغيره،حيث تمتلك كل من هذه الشرائح "سلطة"، وأي نوع من التوتر الداخلي يعني انفجار برميل من البارود ومضاعفاته تعني خطراً محدقاً على الشرق الأوسط نتيجة احتدام أزمته الداخلية؛ فالاضطرابات الأخيرة التي حدثت في مدينة طرابلس الواقعة شمال لبنان، جاءت على خلفية تحرك الجيش اللبناني من أجل وضع حد لتهريب السلاح إلى سورية، وتدفق الإرهابيين المسلحين عن طريق الحدود المشتركة، والتي بدأت باعتقال "شادي المولوي" ابن القائد المتوفى للإخوان المسلمين في لبنان بسبب تورطه في تهريب الأسلحة إلى سورية وتأييده للهجمات المسلحة على الثكنات العسكرية في طرابلس، وقد خلفت هذه الاضطرابات عشرات القتلى والجرحى.

وفي دراسة دقيقة لهذه المسألة من المنظور الداخلي، فإنه ينبغي الإشارة إلى أن طرابلس مدينة مليئة بالسلفيين ودائمة "نمو" و"نشاط" للتيارات المتطرفة، ولعل الفقر المسيطر على طرابلس والمناطق المحيطة بها كـ"عكار" و"الضنية" و"المنية" من أهم العوامل لنمو الأفكار السلفية ذات النزعة المتطرفة في هذه المناطق،حيث يحاول السلفيون جاهدين أن يحوّلوا شمال لبنان إلى منطقة مغلقة في وجه الجنوب التي يتواجد فيها أكثرية موالية للمقاومة بما فيها حزب الله وحركة أمل، كي يوجدوا، على حد زعمهم، توازناً في لبنان.

هم يدعمون تيار "14 آذار" بقيادة سعد الحريري وبعض الأطراف الخارجية ويحاولون من خلال إشاعة عدم الاستقرار والفوضى في الشمال اللبناني أن يطيحوا بـ"نجيب ميقاتي" رئيس الوزراء المقرب من حزب الله وكذلك إقامة انتخابات مبكرة، وتتزامن أعمال الفوضى تلك مع مراسم الاحتفال التي يقيمها حزب الله في الجنوب بمناسبة إعادة إعمار المناطق المدمرة في حرب الـ 33 يوماً عام 2006م ،كل ذلك يأتي في وقت يطالب فيه قادة 14 آذار بنزع سلاح حزب الله وكل ذلك جميعاً يمكن أن يكون وجهاً لقضية واحدة، تدفعنا إلى وجوب البحث في الأزمة السورية كونها مسبب الفوضى في شمال لبنان والتي زحفت إلى بيروت العاصمة.

لبنان؛ أوّل التبعات الخارجية للأزمة السورية

يبدو أن استمرار الاضطرابات في سورية سببٌ لاتساع نطاقها إلى الدول المجاورة حيث وضعت أولى أقدامها في لبنان، وحقيقة الأمر أنه يمكن اعتبار الأحداث الأخيرة التي شهدها لبنان ليست إلا دليلا واضحا على تأثير مجريات الأحداث السورية على هذا البلد، وقد تحدث المطلعون والمراقبون عن هذا السيناريو بأن أسباب عدم الاستقرار الأخير في لبنان هي المعارضة الشديدة لنظام "بشار الأسد" رئيس الجمهورية العربية السورية بغية خلق جو من الأزمة وجر لبنان إلى حروب أهلية.

في هذا الخصوص، لا ينبغي تجاهل دور الأطراف الإقليمية والدولية؛ حيث التقى "جفري فليتمان" معاون وزيرة الخارجية الأمريكية، قبل أسبوع واحد فقط من الاضطرابات الأخيرة في لبنان، مع قادة من 14 آذار، وفي هذه الزيارة ألقى كلمة تحريضية ضد سورية ونظام "بشار الأسد". كما طلبت ثلاث دول عربية لحوض الخليج الفارسي، أي الإمارات والبحرين وقطر قبل يوم واحد من بدء الأحداث في شمال لبنان، من رعاياها ضرورة الخروج من لبنان، ونصحت مواطنيها أيضاً بعدم السفر إليه، وكأن هذه الدول الثلاث كانت على علم مسبق بما سيحدث في لبنان.

هذه التطورات تأتي في وقت كشفت فيه تقارير عن الدعم المالي السعودي للسلفيين في لبنان ما يكمل الصورة ويوضح ألغاز التدخلات الخارجية في هذا البلد بهدف مواجهة سورية ومحور المقاومة في المنطقة. أما في ما يتعلق بالقضايا التي أثيرت فإنه يمكن القول بأن التحذيرات التي أطلقت مسبقاً حول الخطر الإقليمي الناشئ عن استمرار عدم الاستقرار في سورية لم يكن عبثيا وعديم المعنى، كما أنه لم تتخذ تدابير فورية وفعالة لإنهاء الأزمة في سورية، بحيث إن لبنان وعموم المنطقة لم ينأَ بنفسه عن أضرار وتبعات هذه الأزمة، ومن ضمنها أن الأحداث السورية يمكن أن تضع لبنان الذي لديه مسائل عالقة مع الكيان الصهيوني في معرض الخطر.
ترجمة علي العبدالله ـ سورية
2012-05-30