ارشيف من :أخبار لبنانية
إيران والغرب.. هدنة طويلة وليس تفاهماً دائماً
حبيب فياض-"السفير"
لم تخرج مفاوضات بغداد النووية بين الإيرانيين والدول الست عن المراوحة بين «الأرضية المشتركة» و«الاختلافات العميقة». الثابت الوحيد الذي خرجت به هذه المفاوضات هو نقل معركة التفاوض إلى جولة جديدة من المواجهة الديبلوماسية في موسكو أواسط الشهر الحالي. الجولة تلك قد تكون الأكثر أهمية على مدى عشر سنوات من الجولات التفاوضية في تاريخ أزمة إيران النووية. المؤشرات كلها تدل على انعطافة مرحلية باتجاه تهدئة مستديمة أو تأزيم متفاقم في مسار العلاقات بين إيران والغرب.
التفاهم على الانتقال من بغداد إلى موسكو يكشف عن رغبة الجانبين الإيراني والغربي في ترجيح كفة «الانفراج» على «انسداد الأفق». الرغبة هذه لا تكفي وحدها للتقليل من احتمالات الفشل المرتبط بتعقيدات الأزمة. لعبة شراء الوقت لم تعد تجدي الإيرانيين نفعا في ظل عقوبات مشددة ووشيكة تتربص بهم. فيما لم تعد سياسة النفس الطويل تنفع الغربيين في الحد من «قدرات» إيران النووية. في هذا الخضم، يتحصن كل جانب بأوراقه الضاغطة بغية الحد من تنازلاته التي لا مفر منها على مشارف مرحلة جديدة من العلاقات بينهما.
إنها المرحلة الثالثة من المسار التفاوضي بين إيران والمعسكر الغربي. بدأت المفاوضات في العام 2001 على قاعدة حصول الغرب على ضمانات وتطمينات إيرانية، مقابل اعترافه بحق طهران في الصناعة النووية السلمية. توقفت المفاوضات في العام 2003 من دون إحراز أي تقدم. ثم استؤنفت مع انتخاب الرئيس احمدي نجاد، في العام 2005، على قاعدة عكسية: إقناع إيران بالتخلي عن أي نشاط نووي مقابل مغريات وحوافز عـُرضت عليها. استمر التفاوض على هذه القاعدة حتى العام 2011 وأيضا من دون أي نتيجة تذكر. بعد ذلك توقف التفاوض لمدة عام إلى أن عاد واستؤنف، مؤخراً في اسطنبول ثم بغداد ولكن، هذه المرة، على قاعدة وسطية بين القاعدتين: يعترف الغرب بحق إيران بتخصيب اليورانيوم المتدني النسبة، على ان تقدم هذه الأخيرة ضمانات بالامتناع عن التخصيب بنسبة عالية، وخضوعها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. يقابل ذلك رفع تدريجي للعقوبات المفروضة ضدها، وتعهد دولي وغربي بتلبية احتياجاتها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 بالمئة.
بين إيران والغرب أزمة ثقة لا تنتهي. سياسة المواجهة بـ«المقترحات المتقابلة» تعكس حجم الهوّة بين الجانبين. تكتيك الحل على أساس «خطوة مقابل خطوة» يؤشر إلى الحذر المتبادل من عدم الالتزام بأي تفاهم قد يتمّ التوصل إليه. تفاصيل الحلّ وجزئياته لا تقلّ أهميّة، في حسابات كل منهما، عن كليّاته وخطوطه العامة. إيران مستعدة ضمناً للتفاوض حول وقف التخصيب بنسبة 20 بالمئة، لكنها لا تريد التقيد بذلك قبل رفع العقوبات. الغرب بدوره مستعد ضمناً للتخلي عن ورقة العقوبات، لكن ليس قبل أن يضمن إقلاع إيران، عن هذه النسبة من التخصيب. إذاً، التلاقي نظرياً على مبدأ الحلّ لا يحول عملياً دون معضلة مَنْ يتنازل أولاً.
مهما يكن، فإن أيّ حلّ من الممكن أن يرشح عن مفاوضات موسكو المقبلة، إنما سيكون اقرب إلى هدنة طويلة منه إلى تفاهم دائم. هي هدنة يحتاج إليها كل منهما، لأسباب تكتيكية تتصل بإعادة ترتيب الأولويات، وباعتبارات داخلية إيرانية وغربية، وبتعقيدات الملفات الإقليمية، أكثر مما تعكس إمكانية جدية للوصول إلى مصالحة دائمة ونهائية.
على ان اختيار روسيا مكانا للمفاوضات المقبلة، لم يكن بعيدا عن حسابات طهران وموسكو تجاه الأزمة السورية. ثمة بين الجانبين «تواطؤ» لتنسيق الأدوار في التعامل مع هذه الأزمة وإدراجها ضمن سلة التفاوض الإيراني ـ الغربي. فطهران تريد قبض الثمن انفراجا في الوضع السوري مقابل أي تنازل قد تقدمه في ملفها النووي، بينما تريد موسكو، بوحي من هذا الملف، تأكيد وقوفها في وجه التصعيد الغربي الأخير تجاه نظام الرئيس بشار الأسد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018