ارشيف من :ترجمات ودراسات

الضمانات القانونية ليهودية " الدولة " في "إسرائيل"

الضمانات القانونية ليهودية " الدولة " في "إسرائيل"

صالح النعامي
حرص القضاء والمشرع الإسرائيلي على أن تسهم قرارات المحكمة العليا و القوانين الأساسية والعادية التي يصدرها البرلمان (الكنيست) في تعزيز الطابع اليهودي للدولة. فقد اعترف الجهاز القضائي الإسرائيلي بالرابط الديني باعتباره الوحيد الذي يجمع المنتمين لـ "القومية" "اليهودية".  وأصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً في تموز عام 1958 ينص على أن المرء لا يمكنه أن يكون يهودياً من ناحية هويته القومية وفي نفس الوقت ينتسب إلى دين آخر. وهذا يشرع التطابق التام بين الدين والقومية، فاليهودي الذي يتخلى عن يهوديته ويتحول إلى دين آخر، يفقد انتماءه القومي على الفور من ناحية قانونية.
ورفضت المحكمة العليا عام 1970 طلب أحد اليهود الذين تنصروا أن يتم تسجيل قوميته كإسرائيلي، وقد اعتبرت المحكمة أن الاستجابة لهذا الطلب يمثل تجاوباً مع توجهات انفصالية خطيرة، وجاء في نص قرار المحكمة الذي تلاه رئيسها أليعازر أجرانات:
"لم يتحقق تجديد حياة الشعب اليهودي السياسية في وطنه من أجل أن يتم تشرذم الشعب القابع في صهيون، فينتج شعبان – يهودي من جهة و"إسرائيلي" من جهة أخرى. لو حصل هذا التشرذم ـ لا سمح الله ـ لكان الأمر يناقض الأهداف القومية، التي من أجلها أقيمت الدولة....لذلك، إن وجد اليوم في البلد، وبعد 23 سنة فقط على إنشاء الدولة – فئة صغيرة من الناس أو أكثر، الذين يطلبون بالانفصال عن الشعب اليهودي وإحراز انتماء جديد لأمة إسرائيلية منفصلة، فإن مثل هذا التوجه الانفصالي لا يمكن أن يكون شرعياً ولا يمكن الاعتراف به، ولا يمكن إدراجه ضمن مبدأ تقرير المصير الوطني".
وقد رسخ القانون الإسرائيلي مكانة الشريعة اليهودية كأحد مصادر التشريع القضائي، حيث فرض قانون أساس القضاء للعام 1980 العودة إلى الشريعة اليهودية في حال وجود ثغرات قانونية. ونصت وثيقة الاستقلال على أن إسرائيل دولة يهودية وديموقراطية، وهذا يشكل تناقضاً كبيراً، ويعكس الإقصاء الكامن في الديموقراطية الإسرائيلية، فالدول الديموقراطية تجعل من المواطنة أساس الانتماء للأمة بغض النظر عن الانتماءات الدينية للمواطنين. وحتى النخب اليهودية التي تسم نفسها بالليبرالية واليسارية ترفض بشدة الدعوات لتغيير ما جاء في "وثيقة الاستقلال"، والإعلان عن إسرائيل كـ "دولة مواطنين"، أو "دولة لكل مواطنيها"، على اعتبار أن خمس "المواطنين" في هذه الدولة هم من العرب الذين اصطلح على تسميتهم بـ "فلسطينيي 48".
وتربط الفقرة الأولى من وثيقة الاستقلال بين الرابطة الدينية والحقوق السياسية والقومية، حيث جاء:
"في أرض إسرائيل قام الشعب اليهودي وفيها بلور شخصيته الروحية والدينية والسياسية وفيها عاش حياة انبعات سيادي، وفيها انتج انتاجاً ثقافياً ودينياً وإنسانياً ومنح العالم الكتاب المقدس الأبدي، وبعد أن أبعد الشعب عن بلاده، حافظ على عهده لها في كل بلدان شتاته ولم يتوقف عن الصلاة والأمل أن يعود إليها، وأن يحقق فيها حريته السياسية".
أي أن وثيقة "الاستقلال" تستند بشكل واضح إلى الدعاوى الدينية في تبرير إقامة الدولة، ولا تلتفت لغيرها، سيما في ظل وجود فلسطينيي 48، الذين تعتبرهم إسرائيل "مواطنين" فيها وفي نفس الوقت تتعمد استفزاز وعيهم الجمعي بالاستناد إلى هذه الدعاوي.
وقد انبرى القاضي أهارون براك الرئيس السابق للمحكمة العليا لتحديد معايير "يهودية" "الدولة" و"ديموقراطيتها"، عندما أكد أن "الاتجاهات الروحية والفكرية للمجتمع هي التي تحدد يهودية الدولة وديموقراطيتها". وقال "إن المكانة المعيارية للقيم التي اكتسبتها إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية هي مكانة دستورية فوق القانون، وسوف يتم إلغاء أي قانون عادي إذا لم يتلائم مع قيم إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية". وفي موضع آخر فسر براك مغزى الدولة اليهودية، حيث رأى أنها:
1. دولة يحق لكل يهودي أن يستقر فيها.
2. دولة يعتبر تاريخها جزءاً من التاريخ اليهودي، ولغتها العبرية، وأعيادها تعكس الانبعاث القومي لليهود.
3. دولة تعتبر على سلم أولوياتها الاستيطان اليهودي في حقولها ومدنها.
4. دولة تكرس ذكرى اليهود الذين ذبحوا في المحرقة وتشكل حلاً للشعب اليهودي.
5. دولة تنمي الثقافة اليهودية والتربية اليهودية وحب الشعب اليهودي.
6. دولة تنهل من التقاليد الدينية اليهودية، وعلى رأسها التوراة الذي هو الكتاب الأهم من بين مصادرها الدينية، وأخلاقياتها تستمد من الإرث الأخلاقي لأنبياء إسرائيل.
7. دولة تصاغ فيها قوانين الأحوال الشخصية وفق قوانين التوراة، وتلعب الشريعة اليهودية دوراً مركزياً في بلورتها.
8. دولة تعتبر قيم التوراة والتراث اليهودي من بين قيمها الأساسية.
وفي موضع آخر يبرر باراك الذي يوصف بأنه أكثر القضاة الإسرائيليين "ليبرالية" الاستناد للمسوغات الدينية في إصدار الأحكام المرتبطة بالجدل حول طابع الدولة اليهودي، حيث يقول "دولة إسرائيل تجسد الرؤيا الصهيونية، فارتباط شعب إسرائيل بأرض إسرائيل يكرسه الرابط الديني والقومي والتاريخي".
وفي معرض تسويغه لرفض السماح لإحدى الحركات السياسية العربية بالمشاركة في الانتخابات العامة، قال رئس المحكمة العليا الأسبق دوف ليفين: "جوهر الدولة أنها دولة يهودية، نظام الحكم فيها ديموقراطي"، في حين أن قاضي المحكمة العليا السابق مناحيم ألون لا يكتفي بذلك، بل يدعو الى اعتبار الاجماع اليهودي هو مصدر كافة التعليمات ذات الصبغة الدستورية.
ويقول قاضي المحكمة العليا السابق إلياهو جرانات أن إسرائيل "ليست دولة ذات سيادة فحسب، بل أقيمت يهودية على أرض إسرائيل، وقد اكتسبت شرعيتها بفعل حق الشعب اليهودي الطبيعي والتاريخي أن يعيش مثل أي شعب مستقلاً في دولة ذات سيادة". وقد قدمت للكنيست عشر مشاريع قوانين تهدف بشكل أساسي إلى تكثيف تعريف الدولة اليهودية.
ويعرف مشروع الدستور المقترح الذي يتم تداوله حالياً إسرائيل على أنها "دولة يهودية ديموقراطية"، مكرساً بذلك الطابع اليهودي للدولة بشكل دستوري. وجاء في البند الأول من الدستور أن اسم الدولة هي "إسرائيل"، وجاء في البند الثاني "إسرائيل دولة يهودية وديموقراطية. وتؤكد بنود الدستور على المضامين اليهودية للقوانين،والجنسية ورموز الدولة، والتي تم تدويلها في الدستور بشكل واضح مكرساً الطابع اليهودي. ويرى المفكر الإسرائيلي أورن يفتاحيل أن مسودة الدستور تفوح منها "رائحة سياسية تحول إسرائيل إلى دولة أبارتهايد زاحف ذات ماركة صهيونية مسجلة".
وقد سنت الكنيست قانوناً عام 1985 ينص على حظر مشاركة أي قائمة في الانتخابات التشريعية إذا كانت لا تعترف صراحة بدولة إسرائيل كدولة يهودية لشعب اليهودي.
وقد حظرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مجرد الدعوات لإعادة النظر في طابع الدولة. فقد عارض جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية (الشاباك) الذي يعد أكثر الأجهزة الأمنية تأثيراً على دائرة صنع القرار في إسرائيل توقيع نخب من فلسطينيي48 على عريضة تطالب بأن تكون إسرائيل "دولة لكل مواطنيها"، بالقول أنها "تمثل اتجاهات تآمرية، وأنه ينتظر منه (الشاباك) بحكم القانون العمل على احباط أي أنشطة تآمرية تصدر عن عناصر غايتها المس بطابع إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية" أي أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ستتجند لمواجهة أي محاولة لتغيير طابع الدولة حتى لو تمت وفق القانون ودون الإخلال به، إذ أن القانون الإسرائيلي يسمح بصياغة عرائض والتوقيع عليها كتعبير عن الاحتجاج ضد سلوك أو ممارسة ما.
2012-06-05