ارشيف من :أخبار لبنانية

الحكومة تُسقط خطة إسقاطها.. وميقاتي يحتوي اللغم الطرابلسي

الحكومة تُسقط خطة إسقاطها.. وميقاتي يحتوي اللغم الطرابلسي

لينا فخر الدين - صحيفة السفير


نجحت الحكومة بإسقاط مشروع إسقاطها، وأحبطت الخطّة التي كانت معدّة بأنامل عربيّة، فقررت أن تتضامن مع نفسها وأن تتفاهم على آليات عمل جديدة، في محاولةً منها، لا بل الأصح، من أبرز مكوناتها، للقيام بهجومٍ مضاد يُستخدم فيه سلاح الإنماء في مواجهة سلاح الأمن المتنقل من منطقة الى منطقة.

غير أن صورة «السماء الحكومية الصافية» هذه، لا تبدو بنظر البعض إلا «موسمية»، خاصة أن مشروع النيل من الحكومة ما زال حاضراً في حسابات دوائر محلية وعربية، ولو أنه جُمّد آنيا في انتظار توفر ظروف جديدة تكون كفيلة بتكرار المحاولة.

يقول أهل السلطة إن مشروع «تطيير» الحكومة، «كان يستهدف رئيسها نجيب ميقاتي مباشرةً، من خلال تحضير «طبخة» الفتنة تحت شرفة منزله الطرابلسي، وتطعيمها بـ«بهارات» التحركات الميدانية لدفع ميقاتي إلى «مهوار» الاستقالة، حتى يكون صورةً منقحة للرئيس عمر كرامي الذي قدّم استقالته في العام 1992 في ظروفٍ مشابهة، ثم قدّمها مرة ثانية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في آذار 2005»..

ومثلما حصل مع الرئيس كرامي في العام 1992، كان جليّاً أن بعض شركاء ميقاتي في الحكومة خدموا، عن قصد أو عن غير قصد، مشروع المعارضة في محاولة إخراجه من السرايا الكبيرة، قبل أن يستدرك الجميع بعنوان «التفعيل الحكومي».

واللافت للانتباه أن قرار إسقاط الحكومة جاء في إطار خطة متدرّجة بدأت مفاعيلها تظهر منذ شهرين، وكان مقدراً لها في المرحلة الأولى أن تتستر بالغطاء المطلبي، لكن سرعان ما تم الانتقال الى خططٍ بديلة تكون فيها طرابلس هي وقود التفجير الحكومي.

في هذا الوقت، لم يستطع المصطادون في ماء عاصمة الشمال تفجير البارود الطرابلسي المخزّن بوجه ميقاتي الذي تمكن ببراعة من نزع الصواعق، إذ أن الشرارة الأولى كانت كفيلة بجس النبض، والرسالة وصلت سريعاً إلى من يعنيه الأمر: الحكومة تتمتّع بحصانة وطنية، والدول الغربية قالت بوضوحٍ وصراحة إن الحكومة تحظى بدعمنا، ومن خلالها الأمن والاســتقرار في لبنان في هذه المرحلة.

هذا ما حصل في بداية الأحداث الطرابلسية منذ شهر ونيف، ولكن ما يحصل اليوم مختلف إلى حدٍ بعيد، إذ أن قرار إحراج ميقاتي في عقر داره لإخراجه من السلطة، هو قرار خليجي، بحسب تحليل شخصية مشاركة في السلطة.

وتضع شخصية حكومية تحذير بعض الدول الخليجية رعاياها من زيارة لبنان «في سياق الخطة الممنهجة لتكبيل الحكومة سياسياً واقتصادياً وإظهار وجود ميقاتي فيها أنه سبب المقاطعة الخليجية للبنان واشتدادها، ورحيله يعني تنفّس البلد الصعداء».

لم يكن تحذير الرعايا الخليجيين(أربع دول) يتيماً في هذه الحملة، بل تزامن معه تحرّك السلفيين في طرابلس، الذين كانوا على امتداد أسبوعين يقطعون الطرقات في المدينة احتجاجاً على ملف هو في الأصل من تركة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الذي غطى مع «تيار المستقبل» حملة زج السلفيين في السجون، اثر أحداث «البارد»، فإذا بـ«المستقبل» نفسه يذهب بعيداً في المزايدة بمطلب إطلاق سراح هؤلاء السجناء من دون محاكمة منذ العام 2008، أي على مدى ثلاث سنوات ونيف من إمساك «المستقبل» بالسلطة، «لكن الحاجة إلى هذا «السلاح» السلفي، المعروفة مرجعيته، استدعت منحه زخماً لإظهار ميقاتي معزولاً في طرابلس على حد تعبير الشخصية نفسها.

تدرّجت هذه التحركات حتى وصلت إلى افتعال أحداث جبل محسن وباب التبانة، ولكن «المخططين» فوجئوا أن ميقاتي «المطوّق» استطاع أن يحتوي الهجمة، وتمكن من وقف المعارك ولو في غياب الأساس السياسي الثابت، لكن «ضربة المعلّم» تمثّلت بنجاحه في احتضان السلفيين في أكثر من محطّة، وإن كان أبرزها استقبال الموقوف شادي المولوي وجمع قيادات وكوادر سلفية في دارته الطرابلسية.

صبر رئيس الحكومة من جهة واحتواؤه البارد للهجمة الخليجية من جهة ثانية، لم يشكّلا حجر عثرة أمام «دعاة الإسقاط»، فكان أن اشتعلت نار باب التبانة وجبل محسن بعنفٍ أكبر، على حطب شخصية طرابلسية بات اسمها ومرجعيتها وخلفية سلوكها، قيد التداول في أوساط شمالية ولبنانية عدة.

في هذا الوقت بالتحديد، «حطت» رسالة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز في «بريد بعبدا»، ثم طار بعدها رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى رحاب المملكة. وفي هذا السياق، ترى الشخصية الحكومية أن «الرسالة والزيارة تؤكدان أن هناك قراراً سعودياً بعدم الانفتاح على ميقاتي»، مذكّرةً بأن «الرياض لطالما اعتمدت السرايا الحكومية في لبنان معبراً شرعياً «طبيعياً» لرسائلها و«بوابة» إلى كل الدولة اللبنانية، طوال عقود، لكن الذي حصل هذه المرّة كشف أن المملكة أرادت عن قصد عدم الالتفات إلى هذا الموقع بهدف إضعاف شاغله، في حين كان السفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري يحاول بتلعثم شرح أسباب اعتماد هذا الأسلوب الجديد في تعاطي المملكة مع لبنان و«مواقعه» الرئاسية.

وبالتزامن مع «الهواء السعودي»، الذي هبّ من دون سابق إنذار على القصر الجمهوري، كانت المعلومات تشير إلى أن اتصالات حثيثة قامت بها المملكة للدفع باتجاه استقالة الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط تكون مهمتها وضع قانون انتخاب والإشراف على استحقاق العام 2013.

وتكشف مصادر مطلعة أن مسؤولين في المملكة وضعوا هذا القرار موضع التنفيذ من خلال البحث عن شخصية سنية لتولي هذا المنصب، بالتزامن مع الرسائل الساخنة التي وصلت مع اشتعال «خط التماس» السعودي ـ السوري بين باب التبانة وجبل محسن. وقد استدعت السعودية «الشخصية» المرشحة لتولي هذه المهمة التي اجتمعت بعدد من كبار المسؤولين في الرياض.

كاد المخطط السعودي لـ«حبك خيوط» سياسية لحكومة تكنوقراط أن ينجح، لولا أنه اصطدم بعدم القدرة على تسويقه في العواصم الغربية المؤثرة، تبعها تلقائياً خطة احتواء نفّذها ميقاتي وتمكّن فيها من استيعاب الوضع المتفجّر في طرابلس، ولاقاه الحلفاء في منتصف الطريق بخطة تهدف لاستنهاض الحكومة.
سقط القرار السعودي ـ القطري، في سياق خسارة معركة وليس خسارة الحرب الكاملة، فمخطط الدفع نحو الاستقالة وضع في «ثلاجة الانتظار»، في انتظار ظروف أخرى، خصوصاً أن طاولة الحوار التي راهنت عليها المملكة كمحطة مفصلية لتغيير الحكومة، من خلال اشتراط «قوى 14 آذار» الاستقالة قبل انعقادها، قد سقطت أيضاً.

هل تملك السعودية (ومعها قطر) القدرة على تحمّل عدم تحقيق رغبتها؟

واضح أن المملكة لم تغفر إلى اليوم لـ«الإنقلابيين»، وهي لم تقبل بالأمر الحكومي الواقع، وأقفلت أبوابها وما تزال في وجه ميقاتي.. وفتحت متأخرة مسرباً ضيّقاً للنائب وليد جنبلاط، لكن الأكثر وضوحاً أن المملكة تحاول فرض مرحلة انتقالية جديدة لعودتها إلى الساحة اللبنانية كشريك أساسي في قرارها، لكنها أغفلت أو تغافلت أن «الشريك الآخر» غير راغب ولا قادر في هذا الوقت على عقد تفاهمات لا يملك القدرة على استثمارها.


2012-06-12