ارشيف من :أخبار لبنانية

إلـى روح الحـوار

إلـى روح الحـوار


ادمون صعب - صحيفة "السفير"


من أجل إعادة بناء لبنان،
نحتاج إلى منتصرين من دون انتصارات»
غسان تويني (1985)

غاب غسان تويني، عندما نضب الزيت في سراجه.

ونقص رمح من «غابة الأسنّة»، التي تحدث عنها «الزعيم» انطون سعاده.
رحل وفي قلبه غصة: ألا يستطيع ان يسمع ما سيُقال في رثائه، ومن سيرثيه.
وهذه كانت أمنية شبه إلهية لديه. ذلك أن غسان تويني طالما اعتبر الصحافي «وحشاً» مؤنسناً، وعضواً في إرسالية قريبة من الإرساليات الدينية، لها رسالة واحدة في الحياة، هي البحث عن «الحقيقة التي وحدها تحرر الإنسان».
 وهو تقاطع في عقيدته هذه مع ما تحدث عنه الصحافي والمفكر المصري الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه «كلام في السياسة»، يوم كان في رحلة دراسية في جامعة كولومبيا الأميركية، وسأل المحاضر طلابه عن العناصر الإخبارية الضرورية التي تجذب القارئ المعاصر، فلم يرقه أي من الأجوبة التي أُعطيت. وحين سأله الطلاب عن «وصفته السحرية»، قال: «ان الخبر المثير هو ذلك الذي يحتوي على أشياء من خمسة عناصر: شيء من الألوهية. وشيء من الملكية. وشيء من الجنس. وشيء من الجريمة. وشيء من الغموض». ثم قدم صيغة خبر مختصر «للخبر المثالي الأقدر على الإثارة» كالآتي: «صاحت الملكة: « يا إلهي، ان الأميرة حُبلى، فمن الذي فعلها».

 وكان غسان تويني ألقى محاضرة في حلقة دراسية عن الصحافة المقارنة عقدتها جامعة ولاية ميشيغن عام 1971، في إحدى مدن الادرياتيك اليوغوسلافية، بعنوان «حرية الصحافة في مجتمع نام»، بدأها بالآتي: «أنا قادم من أرض حيث قبل ألفي سنة، مارس أربعة رجال يدعون يوحنا ومتى ومرقص ولوقا نوعاً من الصحافة لا مثيل له، تحت شعار «اعرفوا الحقيقة والحقيقة تحرركم»، «والكلمات المفاتيح هنا هي: المعرفة، الحقيقة، الحرية». وأضاف: «قليلون في مهنتنا من أتيحت لهم فرصة التبشير بهذه الأقانيم الثلاثة: المعرفة، الحقيقة، والحرية. واني لست متأكداً من اننا جميعاً نطمح إلى مثل هذا الدور».
 ورسولية تويني بدأت باكراً مع توجهه عام 1945 إلى جامعة هارفارد الأميركية لدراسة الصحافة والفلسفة والعلوم السياسية.
 وقد أبلغ سعاده، وكان أصبح عضوا في الحزب السوري القومي الاجتماعي، أنه «يقارب مثال الطالب القومي الذي، وقد نذر نفسه لخدمة قضية بلاده بوعي وإخلاص، وخدمة الإنسانية من خلالها، يتناول العلم وفي نفسه تقدير لمسؤوليته في بناء وطنه».

 وإذ هو تحدث في كتابه «سر المهنة... وأسرار أخرى»، انه تأثر في شبابه بثلاثة هم: والده جبران، وانطون سعاده وشارل مالك، قال انه تعلّم من سعاده: نظام الإيمان بعقيدة، وتربية النفس بالنظام، فضلاً عن أمثولة الاستشهاد التي هي التكريس التاريخي والمناقبي الوحيد لأية مثالية».
 وفي حديث له مع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله عام 2005، قال تويني: «إذا كان الدفاع عن الله هو بالاستشهاد، فأنا انتسبت إلى الحزب القومي الذي كان منه أول الشهداء». وساهم موقف تويني الوطني من المقاومة وإسرائيل في تكوين موقف لـ«النهار» في حرب تموز متعاطف مع المقاومة.
 وكانت نظرته إلى الأزمات اللبنانية تختصر بأن «أعظم تفسخ وتفكك تصاب بهما أمة من الأمم هما التفسخ والتفكك الناتجان عن تحويل الطوائف إلى أمم بالمعنى الحرفي، وتحويل الحزبيات المتعددة إلى قوميات تتضارب في الأهداف بين انعزالية ضيقة، واتحادية منفلشة، مشتتة». وان «القومية الطائفية» و«الوطنية الطائفية» و«الحرية الطائفية» تذكي التعصب الديني و«تقتل الأمة وتخرب الوطن».

 ماذا كان غسان تويني قال في الحوار الذي دعا إليه الرئيس سليمان، وصدر عنه ما عرف بـ«إعلان بعبدا»؟
 كان قال بكل بساطة: انه اقرار بفشل الحكومة والحكم في إدارة الشأن العام، وإن البنود الـ15 التي تضمنها الإعلان، هي في الحقيقة إعلان وتأكيد لفشل الحكومة التي أمضت مكوناتها سنة كاملة وهي تتصارع في ما بينها، وتضع العراقيل في وجه الحلول: من الكهرباء، إلى الانفاق، فإلى المحاسبة على المال الضائع، فالتعيينات...

 إن الشعب في حاجة إلى صدمة قوية، مثل استقالة رئيس الجمهورية، أو استقالة الحكومة، بعد استبعاد الانقلاب، لأن أدبيات إعلان بعبدا هي أشبه بموضوع إنشاء في امتحانات البريفيه التي صادفت في اليوم نفسه الذي انعقدت فيه طاولة الحوار.
 وعلى الرئيس ان يُخرج وزراءه من الحكومة ويتعهد عدم التدخل في شؤون السلطة الإجرائية، ويعود حَكَماً بين اللبنانيين، ثم يدعو إلى مؤتمر وطني تتمثل فيه جميع الفاعليات السياسية والاقتصادية والثقافية، لصوغ وثيقة إنقاذية يتعهد واضعوها بالتزامها تماماً كما حصل في الجمعيات التي أنشأت الولايات المتحدة الأميركية، مذكرين أركان الحوار بأن فكرته بل روحه هي للراحل الكبير غسان تويني، وقد دعا إليها في افتتاحيته المؤرخة 25 تشرين الأول 2001، أي بعد ستة أسابيع على تفجيري نيويورك وواشنطن في 11 أيلول 2001، داعياً إلى نهضة إسلامية وانفتاح مسيحي على الإسلام، محذراً من تداعيات قلق اللبنانيين على المصير، وداعياً الى عدم الاستسلام، والحد من الهجرة.

 وهو دعا اللبنانيين إلى الجلوس حول طاولة «وقول كل شيء بصراحة»، إذ لا عيب في الاختلاف، لكن العيب في أن يتحول الاختلاف إلى خلاف وعنف.
 وقال ان الحوار ينطلق من الاختلاف، وإن أنظمة الدول ودساتيرها معرضة للتعديل وللتغيير، وهذا منطق الحياة، وان «لا حياة سياسية من دون حرية، بما فيها حرية الخطيئة، لأن الغفران يغسلها».
 ولفت المتحاورين أخيراً إلى «أن الحوار ليس مناظرة، بل محاولة للاقناع». فهل يسمعون؟.

2012-06-14