ارشيف من :أخبار لبنانية
المحكمة الدولية: هل يقطع القضاة اليد التي تطعمهم؟
محرّر الشؤون القضائية - صحيفة "الاخبار"
استعرضت أمس المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري فنون التبرير اللفظي لقانونية إنشائها خلافاً لمقتضيات الدستور اللبناني بعد أن أتاح قضاتها لفريق الدفاع تقديم الحجج القانونية التي تؤكد قيامها لغايات سياسية لا شأن للعدالة بها.
يرجّح أن يتمكن المدعي العام نورمان فاريل، من إثبات قانونية إنشاء مجلس الأمن للمحكمة الدولية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. لكن بسبب الطبيعة السياسية لقرارات المجلس، قد يكون إثبات شرعية تلك المحكمة مستحيلاً؛ إذ يستبعد أن يعلن القضاة عدم قانونية المؤسسة التي تشغّلهم وتسدّد رواتبهم، على الرغم من احتمال اقتناعهم بحجج فريق الدفاع. أما الشرعية فلا وجود لها في ظلّ عدم موافقة مجلس النواب، الممثل الشرعي للبنانيين، على نظامها.
«من الصعب قطع اليد التي تطعمنا، لكن هذه المسألة تعود لكم، هذا دوركم كقضاة، فإذا اقتنعتم بعدم قانونية المحكمة الدولية يمكن أن تعود هذه الجريمة إلى اختصاص المحاكم المحلية»، قال المحامي أنطوان قرقماز (الصورة) صباح أمس، رداً على سؤال وجّهه إليه القاضي اللبناني (الرديف) وليد عاكوم خلال جلسة عقدتها أمس غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لاهاي للبحث في قانونية إنشائها وفي شرعية اختصاصها القضائي. ترأس الجلسة القاضي السويسري روبرت روس وإلى جانبه القاضية اللبنانية ميشلين بريدي والقاضي الأوسترالي دايفيد ري، وحضرت كذلك القاضية الرديفة الثانية جانيت نوسوورثي.
قبل عرض أبرز ما تقدمت به فرق الدفاع والادعاء، لا بدّ من الإشارة إلى أن جلسة ثانية لاستكمال النظر في قانونية المحكمة ستعقد صباح اليوم، وسيُستمَع خلالها إلى المحامي بيتر هاينز الذي يمثّل المتضررين ويعاونه المحاميان ندى عبد الساتر أبو سمرا ومحمد فريد مطر. وبعد انتهاء جلسة اليوم، سينظر قضاة غرفة الدرجة الأولى في الحجج والملاحظات التي قدّمها الفريقان، وسيفصلون في مسألة اختصاصها وقانونية إنشائها. ولم يُحدد موعد لصدور القرار، حيث قد يستغرق ذلك عدّة أسابيع. وإذا قرر قضاة غرفة الدرجة الأولى أنه ليس للمحكمة صلاحية للنظر في الجرائم التي تقع ضمن اختصاصها بحسب نظامها الأساسي المرفق بقرار مجلس الأمن 1757(30 أيار 2007)، لا يمكنها أن تستمرّ بالعمل كمؤسسة. لكن ذلك يبقى مستبعداً إلى أبعد الحدود، إلا إذا قرّر القضاة «قطع اليد التي تطعمهم».
هجوم فريق الدفاع
انطلقت جلسة أمس بمرافعة المحامي الفرنسي (من أصل لبناني) أنطوان قرقماز الذي طرح مسألة توصيف مجلس الأمن عام 2007 جريمة اغتيال الحريري تهديداً للسلم والأمن الدوليين في ظلّ غياب المواجهات المسلحة، بينما تمنّع المجلس عن استخدام التوصيف نفسه بعد اجتياح أراضٍ لبنانية وقتل مئات المدنيين وتدمير البنى التحتية عام 2006. وخلص المحامي الباريسي إلى أن قرار مجلس الأمن 1757 الذي أنشئت المحكمة الدولية بموجبه ليس قانونياً؛ لأن جريمة 14 شباط 2005 لا تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، مؤكداً أن القرار لم ترد فيه إشارة إلى وقائع تدلّ على مثل تهديد كهذا. وأثار قرقماز خرق مجلس الأمن المادة 52 من الدستور اللبناني التي تنصّ على وجوب تولي رئيس الجمهورية التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقات الدولية. وأشار إلى الفقرة «ي» من مقدمة الدستور التي يمكن الاستناد إليها لإثبات عدم شرعية حكومة فؤاد السنيورة التي أقرت الاتفاق الدولي لإنشاء المحكمة. وتابع قرقماز مرافعته متّهماً مجلس الأمن الدولي بانتهاك معاهدة فيينا حول الاتفاقات الدولية وميثاق الأمم المتحدة الذي لا يبرّر تجاوز سيادة لبنان. وأكد قرقماز أن مجلس الأمن أساء استعمال سلطته وتدخل تعسفاً في الشؤون الداخلية اللبنانية عبر فرض اتفاقية دولية من دون موافقة مجلس النواب عليها. وردّ قرقماز على القاضية نوسوورثي التي لمّحت إلى أن جريمة اغتيال الحريري هي جريمة دولية، وبالتالي فهي تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، قائلاً إن توصيف الجرائم بالدولية يقرّره المشرّع لا المحكمة. أما بشأن فداحة الجريمة وخطورتها، فذكّر قرقماز بأن العديد من الجرائم مثل جريمة 11 أيلول 2001 التي استهدفت نيويورك لم تصنّف بالدولية ولم تنشأ محكمة دولية لمحاسبة مرتكبيها.
وكانت للمحامي اللبناني إميل عون الذي يعاون المحامي يوجين أوسوليفان في الدفاع عن سليم عياش، المرافعة الثانية التي أشار خلالها إلى أن مجلس الأمن لم يسعَ مطلقاً عبر تاريخ الأزمة اللبنانية إلى تفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وخصوصاً خلال الحرب اللبنانية من سنة 1975 حتى 1990، بالرغم مما شهدته من أحداث دراماتيكية ودامية وانتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان. كذلك لم يبد المجتمع الدولي أي اهتمام بفتح أي تحقيقات على المستوى الدولي، وعلى المستوى المحلي لم يُحقَّق بأيٍّ من الجرائم المرتكبة أثناء الحرب المذكورة. ذكّر عون بأنه في تاريخ 30 أيار 2007 صدر القرار 1757، وقرر مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أن يبدأ سريان أحكام ما سماها الوثيقة المرفقة المتعلقة بإنشاء المحكمة، وذلك بتاريخ 10 حزيران 2007، وقد ورد في بداية القرار المذكور تأكيد جديد من جانب مجلس الأمن في الدعوة إلى احترام سيادة لبنان ووحدته، مع العلم بأن المجلس ذاته ناقض نفسه في الأسطر التي تلت هذا الإعلان عندما أقر صراحة بأنه تجاوز الأصول الدستورية التي يفرضها الدستور اللبناني لإنشاء المحكمة الخاصة؛ إذ أشار حرفياً إلى أن إنشاء المحكمة من طريق العملية الدستورية يواجه عقبات حقيقية. وبالتالي سأل عون: كيف يمكن الربط بين سيادة الدولة من جهة، ومخالفة الدستور اللبناني عبر فرض مسودة معاهدة على لبنان رغماً عن مؤسساته الدستورية ومن دون موافقة رئيس الجمهورية ومجلس النواب من جهة أخرى؟ وأضاف المحامي اللبناني أن قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لا تخاطب الدول والمنظمات الدولية إلا وفقاً لدساتيرها، لكن سعى مجلس الأمن من خلال القرار 1757 إلى التدخل في شؤون لبنان المحلية عبر إقحام ذاته كطرف في خلافات داخلية لنصرة فريق سياسي على آخر، ما يشكل سابقة على مستوى القانون الدولي. ولفت عون إلى أنه «منذ أكثر من 60 عاماً وحقوق الإنسان تذبح يومياً في فلسطين، والمجتمع الدولي لا يبالي ونرى صيفاً وشتاءً تحت سقف ما يسمى العدالة الدولية».
المحامي الفرنسي فانسان كورسيل لابروس المكلف الدفاع عن حسين عنيسي قدّم المرافعة الثالثة، مذكّراً بمواقف مندوبي الصين وروسيا في جلسة مجلس الأمن يوم 30 أيار 2007، اللذين ركزا على أن القرار 1757 ينتهك السيادة اللبنانية. وكرّر أن مجلس الأمن أساء استخدام السلطة، حيث إن الجريمة لا تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. وأشار لابروس إلى أن الاتفاق الدولي بين فريقين يستدعي أن يكون لكلّ منهما صفة الشخصية القانونية لتوقيعه، بينما هذا لا ينطبق على الاتفاقية المرفقة بالقرار 1757. وذكّر بأن مجلس الأمن أهمل الرسالة التي كان الرئيس إميل لحود قد أودعها الأمين العام بشأن عدم قانونية الاتفاق الدولي.
الادعاء: التشكيك ممنوع
رداً على ما تقدّم به محامو الدفاع، قال مساعد المدعي داريل مندس إن «قواعد الإجراء والإثبات في المحكمة لا تتضمن دفوعاً بعدم قانونية إنشائها»، طالباً من القضاة عدم القبول بأي من الدفوع بشأن عدم اختصاص المحكمة أو شرعيتها.
وأشار مندس إلى أن الدفع بعدم الاختصاص بالاستناد إلى قانونية المحكمة غير مقبول، موضحاً أن الهدف من المادة 90 من قواعد الإجراءات والإثبات هو الحرص على توفير الفعالية القضائية وتجنب حالات عرقلة الإجراءات. وأكد أن معظم المحاكم الجنائية في العالم لا تنظر في مسألة الاختصاص، لافتاً إلى أن القضية لم تُحَل بعد على غرفة الدرجة الأولى ولا يمكن تقديم مثل هذه الدفوع.
وأشار إلى أن الصفة لإثارة المواضيع حول السيادة تعود إلى الجمهورية اللبنانية حصراً، وهي لم تزعم أنّ سيادتها خُرقت، مشيراً إلى أن حجج الدفاع حول خرق السيادة باطلة ولا صفة للدفاع لطرح خرق السيادة.
أما المدعي العام فاريل، فقال إن لبنان وقّع ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي تنازل عن سيادته بشأن القرارات الملزمة التي تصدر عن مجلس الأمن الدولي. وشدّد فاريل على أن القرارات التي تصدر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة تتمتع بأفضلية على اتفاقية فيينا للمعاهدات الدولية، وبالتالي فمن حقّ مجلس الأمن فرض الاتفاقية على لبنان. وبشأن المواقف التي كان قد عبّر عنها بعض أعضاء مجلس الأمن بشأن عدم شرعية المحكمة، ذكّر فاريل بأنه لم يصدر عن أيٍّ من أعضاء المجلس أي تصويت سلبي على القرار 1757.
«1757» سحق للشرعية الدستورية
علّق الأستاذ الجامعي العميد الدكتور أمين صليبا أمس على شرعية القرار 1757، شارحاً أنه سبق لمجلس الدولة الفرنسي أن أصدر عدة قرارات شكلت مصدراً أساسياً من مصادر القانون الإداري في فرنسا، حيث استقر اجتهاده على اعتبار القرارات الإدارية، بما فيها المراسيم الصادرة عن رئيس الجمهورية، غير شرعية إذا لم يوقعها المرجع الذي منح الحق الدستوري بذلك. ولا يمكن تجاوز التوقيع مهما كانت الأسباب إلا في حالات القوة القاهرة. إن البدعة التي اعتمدت باعتبار أن القرارات والمراسيم التي وافق عليها مجلس الوزراء أصبحت نافذة بمجرد انقضاء 15 يوماً على إيداعها القصر الجمهوري، وبالتالي عملت على نشرها في الجريدة الرسمية هي باختصار هرطقة دستورية غير مسبوقة. تأسيساً على هذه العجالة القانونية، إن القرار 1757 قد سحق الشرعية الدستورية اللبنانية بشكل غير مسبوق، وبناءً عليه لا بد من تصحيح هذا الخرق الفاضح المتأتي عن هذا القرار مع تأكيد ضرورة السعي إلى اكتشاف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018