ارشيف من :ترجمات ودراسات
تفاصيل مُجربات الضربة العسكرية ضد "المفاعل النووي السوري"
المصدر: "جيروزاليم بوست ـ يعقوب كاتس"
(المقالة مُستقاة من كتاب، إسرائيل ضد إيران: حرب الظل، الذي نُشر في أيار 2012 من قبل بوتوماك بوكس (Potomac Books))
" كما في العمليات الأخرى للموساد، هذه الواحدة في أواخر العام 2006 بدأت أيضاً حين اعترضت وحدة الـ8200، وحدة إستخبارات الإشارة في الجيش الإسرائيلي، بمحض المصادفة مُكالمة هاتفية وحجزاً عبر الإنترنت قام به مسؤول سوري رفيع المستوى في فندق في لندن من دمشق.
واستناداً إلى التقارير العديدة، تنصتت وكالتا الإستخبارات الإسرائيلية والأمريكية على خطوط اتصالات المسؤول السوري منذ العام 2002. وعلى مرّ تلك السنوات، كان على اتصال بكوريا الشمالية، إضافة إلى رحلاته العديدة إلى بيونغيانغ التي لفتت إنتباه وكالة الإستخبارات المركزية والموساد.
رغم ذلك، كان وجود برنامج نووي سوري، في هذه المرحلة، يستند ببساطة على تكهنات وبشكل أساسي على عدد من المُكالمات الهاتفية، كانت قد اعترضتها وكالة الأمن القومي الأمريكية، بين كوريا الشمالية ومكان في شمالي شرق سوريا يُعرف باسم الكبر.
وفيما كانت الهوائيات في قاعدة وحدة الـ8200 الواقعة شمالي تل أبيب تعترض حجز المسؤول السوري، كانت مجموعة من العملاء الشباب تجلس في مكان ليس ببعيد في مقر الموساد وتناقش حرب لبنان الثانية.
وكسائر بقية المؤسسات العسكرية الإسرائيلية، لم يكن الموساد حصيناً في وجه انتقاد العامة بعد الحرب. ولسنتين، نفذ عملاء الموساد عشرات المهمات السرية وخاطروا بأرواحهم لجمع المعلومات عن إيران ووكلائها المُنتشرين في كافة أنحاء الشرق الأوسط. وقد أولوا إنتباهاً خاصاً لطرق التهريب التي استخدمتها إيران من أجل مشروعها النووي واستقصوا أصغر الأدلة المرتبطة بنشاطات الحرس الثوري الإيراني في لبنان وسوريا وأمكنة أخرى.
وقد سمحت بعض تلك المعلومات لسلاح الجو الإسرائيلي بتدمير ترسانة حزب الله من الصواريخ بعيدة المدى في الليلة الأولى لحرب لبنان الثانية عام 2006. رغم ذلك، لم تستطع الإنجازات الإستخبارية والعمليات السرية الناجحة أن تمنع العملاء في مقر الموساد من انتقاد أنفسهم.
كان الرجال والنساء الشباب في وكالة التجسس جزءاً من فرع (القيسارية) التابع للموساد والمعروف بعملياته السرية في الخارج. ورغم الشهور التي مرت، كانوا لا يزالون يشعرون بالإحباط لكونهم لم يُحركوا ساكناً خلال الحرب. وكان جميع الرجال قد خدموا في وحدات قتالية، ومُعظمهم تقريباً قد خضعوا لتدريب شاق. لكن خلال الحرب، لم يسمح لهم الموساد بالإلتحاق بالإحتياط. فقال لهم قائد القسم شارحاً، وكان هو أيضاً من خريجي وحدة النخبة في الجيش الإسرائيلي: "أنتم بالغو القيمة. إضافة إلى أنه يجب أن تعوا بأنكم قد تُستدعون لعملية فورية هنا".
كانت لا تزال الحرب حاضرة في بال الجميع، وكان صانعو القرار مشغولي البال بالعلاقات العامة الهادفة إلى تحسين صورة رئيس الوزراء أولمرت مع المُصادقة على خطط عملية للجيش. وكانوا قد استثنوا الموساد.
لكن الإتصال الذي ورد عبر الهاتف الآمن شدّ عصب كل من كان في الغرفة. فقد كان قائد القسم على الخط وأطلعهم بشأن رحلة المسؤول السوري إلى لندن. كان العملاء يألفون البروتوكول في مثل هذه الأوضاع وفوراً بدؤوا بالاستعداد لوضع عملية جديدة موضع التنفيذ.
بعد يومين، وبعد دراسة ملامح وجه المسؤول السوري وتصميم الفندق الهام في لندن حيث من المتوقع أن ينزل، تفرّق العُملاء وصعدوا على متن طائرات عدة إلى وجهات مختلفة. ويكون موعد اللقاء في العاصمة الأوروبية حيث سينتظرون هدفهم في المطار والفندق.
خلال جلسة التعليمات الأخيرة قبل البدء بإتمام المهمة، شددت التعليمات على ضرورة الوصول إلى الحاسوب المحمول للمسؤول السوري أو بالتحديد إلى المعلومات التي يحتويها. وبعد يومين من الوصول إلى الفندق، نجح رجال الإستخبارات بتنصيب فيروس في الحاسوب وكشف جميع محتوياته.
لقد احتوي القرص الصلب على خطط بناء ورسائل ومئات الصور التي عرضت مبنى الكبر على مراحل عديدة من تشييده. في الصور التي يعود تاريخها إلى العام 2002 بدا الموقع كأنه منزل فوق ركيزة مبنى تُحيط به الأشجار، ومليء بالأنابيب المشتبه بها التي تقود إلى محطة ضخ عند نهر الفرات. لاحقاً، أظهرت الصور أعمدة وسقوف إسمنتية بدت كما لو أنها بُنيت لإخفاء معالم المبنى من الأعلى أو كما لو أن صندوقاً وُضع فوق المبنى لإخفائه.
ولكن، صور المُنشأة من الداخل لم تترك مجالاً للشك. لقد بنى السوريون مفاعلاً نووياً.
رغم الإشارات والتكهنات خلال العامين اللذين سبقا عملية الموساد، كان هذا الأمر بمثابة صدمة للعُملاء. لقد تخيلت مؤسسة الإستخبارات الإسرائيلية أن الرئيس السوري بشار الأسد، الذي خلف والده قبل سبع سنوات، قد قرر كسر جميع المحرمات المعروفة وتحدي جميع التقديرات الإستخبارية لتطوير قنبلة نووية. والأكثر دهشة كانت المرحلة المتقدمة التي اكتُشف خلالها البرنامج السوري.
كما ذُهلت جماعة الإستخبارات من إكتشاف أن إيران متورطة وقد قدمت التمويل والدعم بحيث تكون سوريا قادرة على بناء المفاعل عند الحدود مع إسرائيل وفي وقت لم يكن مستقبل البرنامج النووي الإيراني الخاص بها واضحاً. ثم قام مسؤولو وكالة الإستخبارات المركزية والموساد وأمان بفحص الملفات القديمة، بحثاً عن أدلة كانوا قد نظروا إليها واعتبروها غير هامة لكن يمكن أن تُساعد لتكون قطعة في الأحجية النووية السورية. كان على الأغلب أكبر إكتشاف إستخباري منذ بداية العقد.
فكشفت وكالات الإستخبارت الغربية حسب ما قيل الدليل الأول عن الربط بين سوريا وإيران وكوريا الشمالية في جنازة حافظ الأسد في حزيران 2000. فقد تضمن الحشد الذي واكب الجنازة مسؤولين إيرانيين وكوريين شماليين رفيعي المستوى. وقد زادت صور الجنازة شكوك مُحققي الموساد المُختصين بالأسلحة غير التقليدية.
وأي صلة وُجدت بين كوريا الشمالية وإيران كانت على الدوام موضع قلق، لذا صنّف الموساد، تحت قيادة إفرايم هاليفي، المعلومات التي جمعها المُحقون على أنها أولوية قصوى.
لكن لقاء هؤلاء المسؤولين خلال الجنازة ما كان إلا حادث فردي. فلم يكن هناك ما يُشير وقتها أن أمراً مريباً ما يربط الكوريين الشماليين والسوريين قد يصل إلى مستوى تطوير وسائل غير تقليدية مثل الأسلحة النووية.
في العام 2006، أظهرت الرسومات والوثائق التي حسب ما قيل نجح عُملاء الموساد في الحصول عليها من الحاسوب المحمول للمسؤول السوري أنّ مشروع المفاعل مُوّه تحت ستار مزرعة تُستخدم لإجراء تجارب زراعية. وكانت قلة في المؤسسة الحكومية والعسكرية السورية مُطلعة على حقيقة مبنى الكبر السري.
كان المبنى يقع بالقرب من الحدود التركية ويبعد حوالى 130 كم عن العراق، الذي كان وقتها تحت سيطرة قوات الولايات المتحدة والتحالف. وكانت المنطقة الصحراوية دير الزور في شمالي شرق سوريا حيث تقع الكبر مُعلنة منطقة عسكرية مُغلقة أمام معظم القادة السوريين رفيعي المستوى.
وقد استثمرت سوريا مبلغاً طائلاً في المشروع بُغية عدم تسريب المعلومات عرضياً وبشكل مقصود قي ما يختص بالتخطيط للمشروع وتنفيذه. وكانت الرؤية لدى الرئيس السوري الشاب والحرس الثوري، الذي موّل المشروع، أنه في الوقت الذي تعلم فيه إسرائيل والغرب بشأن المشروع يكون الوقت قد أصبح متأخراً جداً لتنفيذ أي هجوم. وكان لكل طرف ذي علاقة بالمشروع مصلحة مختلفة في المشروع. فقد أراد الكوريون الشماليون جني مئات ملايين الدولان وإثبات مدى قدرتهم على الساحة الدولية. وفي موازاة سمعتهم كإقتصاديين بارعين، أراد الإيرانيون نشر استثمارهم النووي إلى أمكنة إضافية من أجل ردع أي هجوم إسرائيلي، وفي الوقت نفسه إنشاء منشأة إحتياطية في حال عدم نجاح قوة الردع لديهم.
ووفقاً للتقديرات التي أُجريت بعد قصف المفاعل، كانت إيران قد أنفقت ما يُقارب الـ2 مليار دولار على المشروع بأكلمه في سبيل جلب التقنية الكورية الشمالية إلى سوريا وشراء معدات إضافية لتشغيل المفاعل.
وأقرضت إيران بعضاً من المبلغ إلى سوريا، رغم عدم قدرة الأسد أبداً على دفع الدين. وخلال زيارة أحمدي نجاد إلى سوريا في العام 2006، تكفل بدفع المبلغ.
لكن السوريين أنفسهم كان لهم المصلحة العُليا في المشروع، نظراً لكونه يقع في بلدهم. كما أنّ الأسد بنى المفاعل رغم عملية أوبرا التي شنتها إسرائيل عام 1981 ودمرت خلالها المفاعل النووي في العراق.
لا بد أن قرار الأسد قد اتُخذ على عجل وبدون نقاشات جدية مُعمقة بخصوص القدرات الإستخبارية الإسرائيلية والرد الإسرائيلي في حال علمت بوجود المفاعل. رغم ذلك، كانت المقدرة على إنشاء قوة ردع إضافية ضد إسرائيل بنظر حاكم سوريا سبيلاً لتعزيز مكانته في العالم العربي وتكريس نفسه كزعيم دولي وربما حتى لإجبار إسرائيل على إعادة مرتفعات الجولان كاملة. وبالنسبة له، لم تكن الأسلحة النووية مسألة تتعلق فقط بالقدرة العسكرية بل أيضاً بنقل سوريا من العربة الخلفية للمنطقة إلى الجبهة الأمامية للعالم.وفي منتصف العام 2007، اتصل رئيس الوزراء إيهود أولمرت بالرئيس جورج بوش مباشرة في مُحاولة لإقناع الولايات المتحدة أن التقدير الإسرائيلي يؤكد أن الصور هي لمفاعل نووي على حافة أن يُصبح عملياً. ولكن، كانت واشنطن مُرتابة نوعاً ما وأرادت دراسة الموضوع أكثر.
وفي خلال نقاشاتهما، إتطلع بوش من أولمرت على ضرورة حاجة إسرائيل بأن يُدمر المفاعل. وفي المقابل، لم يستثن بوش هذا الخيار، لكن الشخصيات المهنية في مكتبه شرحت للإسرائيليين أنه قبل القيام بهذا الأمر هناك أسئلة عديدة بحاجة إلى أجوبة:
1 ما هو المغزى الحقيقي للمنشأة في الصور؟
2 ما هي المرحلة التي وصل إليها البرنامج النووي؟
3 ما الذي يمكن فعله لإيقاف سوريا من أن تصبح نووية؟
هذه الأسئلة استغرقت مدة من التعاون استمرت لغاية وقوع الهجوم نفسه. وفي مقابلة مع مسؤول رفيع المستوى سابق في إدارة بوش، قال:" العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة كانت في الذروة وقتها. فقد كان هناك مشاركة غير مسبوقة بالمعلومات الإستخبارية ووصل الحوار إلى مستوى غير معقول من المودة".
في الوقت نفسه، وفي الإجابة على الأسئلة، عزز الموساد وآمان جهود جمع المعلومات الإستخبارية. وحققا عميقاً مع الأشخاص المُشتبه بأنهم يملكون معلومات عن البرنامج السوري وكان كل جزء من المعلومات يفتح جولة جديدة من التحقيق.
وبدأ أشخاص ينتمون إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالعمل وفقاً لجدول زمني، مُحاولين اكتشاف ما يُسمى نقطة اللا عودة بالنسبة للبرنامج النووي، أو متى يُصبح قد فات الأوان لتنفيذ الهجوم. واستناداً إلى وزير الدفاع السابق عمير بيرتز، أنه لو أُتيح للمفاعل أن يُصبح شغالاً لكان وجب عليهم إعادة الأخذ بالحسبان ما إذا كانوا يُنفذون الهجوم أو لا.
لذلك، وفقاً لما يعتقد، كان يجب أن يتم الهجوم قبل الوصول إلى تلك المرحلة. فدعا أولمرت وبيرتز عدداً محدوداً من الخبراء العسكريين والعُلماء لمناقشة النتائج المحتملة الناجمة عن قصف المفاعل وتجاهل المشروع على حد سواء.
ومن بين المشاركين اللواء المُتقاعد ديفيد إيفري الذي كان في العام 1981 قائد سلاح الجو الإسرائيلي خلال عملية أوبرا التي استهدفت المفاعل العراقي. وكانت الحجج التي تُساند وترفض الهجوم المشابه، إضافة إلى المسائل العملية، هي نفسها التي طُرحت تقريباً قبل ثلاثة عقود. ومن ضمن أولئك المُشاركين في اللقاء، كان من اعتقد أن بشار الأسد بنى المفاعل فقط من أجل إبهار البلدان العربية الأخرى. وادعوا بأن لا نية لديه في نقل المفاعل إلى مرحلة يُمثل من خلالها تهديداً وجودياً لإسرائيل. أما الأغلبية المتبقية فقد اعتقدت العكس.
من وجهة نظرهم، قبول إسرائيل الضمني أو الهادئ بمفاعل نووي في بلد ذي أغلبية مُسلمة في المنطقة (كما حدث في الحالة الإيرانية، عندما بدأت بدايةً بالكشف عن قدرتها النووية) سيؤدي إلى سباق تسلح نووي في بلدان عربية أخرى، وحتى المعتدلة منها.
وكان أولمرت مُصمماً على تنفيذ الهجوم، وبشكل أساسي من أجل إعادة بناء قوة الردع التي هُشمت في خلال حرب لبنان الثانية وربما للإثبات أمام نفسه والمواطنين الإسرائيليين ما قد أنجزه فعلاً. واستناداً إلى مسؤول حكومي أمريكي رفيع المستوى، انتهت اللقاءات بين بوش وأولمرت بفهم مُتبادل: المفاعل يُشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل، تهديد يُبرر الهجوم العسكري.
وبعد أسابيع من النقاش والمجادلات داخل الإدارة، اتصل بوش بأولمرت وشاركه خطته في التعامل مع المفاعل.
واستناداً إلى مسؤول حكومي أمريكي رفيع المستوى، أطلع بوش رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه في اعتقاده يكون الحل المثالي أولاً بإعلام الوكالة الدولية للطاقة الذرية برئاسة المصري محمد مصطفى البرادعي. وفي حال لم تُقدم الوكالة يد العون يمكنهم نقل المسألة إلى مجلس الأمن والمُطالبة بفرض عقوبات ضد سوريا. وإنْ فشل ذاك الخيار، عندها تلجأ الولايات المتحدة إلى التفكير مالياً بالخيار العسكري.
لكن أولمرت، الذي اعتبره زملاؤه السياسيون ليس سوى يمامة سياسية لا يملك العزيمة، خرج من تلك اللقاءات باحثاً عن كيفية معالجة المسألة بنفسه. فتجاهل تماماً الخطة الأمريكية. إذكان لإسرائيل تجربة مريرة مع البرادعي الذي اختار بطريقة مُمنهجة الإشراف على الإنتهاكات النووية المُتصاعدة لإيران. فمن وجهة نظر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت إيران ببساطة بلداً يحترم القانون وجميع أهدافها وتكتيكاتها جزء من اللعبة اللعبة السياسية الشرعية. إضافة إلى أن وجهة نظر إسرائيل مبنية على أن العقوبات لا يمكن الإعتماد عليها. وفي العام 2007، عندما تحدث بوش عن العقوبات المستقبلية ضد سوريا، عرف الإسرائيليون مباشرة أنه في مدة قصيرة سيكون المفاعل النووي السوري قيد التشغيل.
واستناداً إلى مسؤول رفيع المستوى في إدارة بوش، قال أولمرت للرئيس الأمريكي: "اسمحوا لي أن أُذكركم بأنه في بداية هذه المُحادثات، وعندما قدمت المادة الإستخبارية لجانبكم، قلتُ على الدوام أن المفاعل يجب أن يُدمّر. فإن كشفنا البيانات إلى الأمم المتحدة، سيبني السوريون روضة أطفال على سبيل المثال فوق المفاعل ويمنعون قصفه إلى الأبد". ووفقاً للمصدر نفسه، في تلك اللحظة أدرك أولمرت أن الولايات المتحدة لن تقوم بتنفيذ الهجوم ضد المفاعل. ولو أنه نظر عن قرب أكثر، لكان أولمرت وجد دليلاً أقرب.
فقبل ثلاث سنوات، خلال المجزرة السودانية في دارفور، ضغطت جماعات حقوق الإنسان على الإدارة الأمريكية لاتخاذ القرار بعمل عسكري لمنع الإبادة الجماعية هناك. سمع بوش النداءات وبحث عن حل معقول. بالنسبة له، المسألة عبارة عن سيناريو كلاسيكي لقوى الخير تُقاتل قوى الشر من أجل منع قتل الضعفاء والمقموعين. فاقترحت القيادة العسكرية مهاجمة سلاح الجو السوداني من أجل إيصال رسالة واضحة: لا مزيد من الإبادة الجماعية. فاقتنع الرئيس وكان على وشك إعطاء الضوء الأخضر للعملية.
لكن في وقتها، أقنعه المُستشارون المُقربون بالتراجع عن هذا الأمر، مُدعين أنه مع موجود القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، فإن أي هجوم ضد بلد آخر ذي أغلبية مُسلمة لن يزيد سوى من الكراهية ضد أمريكا والإنتقاد العام ضده. وأقنعوه بأنه من المهم أكثر حل مشاكله الآنية. فلم يحدث الهجوم ضد السودان. فقال المسؤول الأمريكي: "لو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أدرك هذه المُعضلة لعرف أنه من المستحيل على بوش أن يُصدر أمراً بتنفيذ ضربة عسكرية ضد المفاعل السوري".
وفي 19 حزيران 2007، أي قبل أشهر عدة من الضربة العسكرية، وصل أولمرت إلى واشنطن للقاء الرئيس بوش. وفيما ادعت عناوين الصحف أن الزعيمين تحدثا بشأن عملية السلام الفلسطينية، فهما قضيا معظم الوقت يُناقشان مسألة المفاعل النووي قيد الإنشاء في سوريا.
وحسب ما قيل، قال أولمرت للرئيس بوش، "نخطط لضرب المفاعل"، مُحاولاً ثنيه عن موقفه ومُقترحاً نماذج بديلة للعمل. فمن وجهة نظر الإدارة الأمريكية، سوف تُلحق أي حرب بين إسرائيل وسوريا ضرراً فادحاً بعملية بناء الدولة في العراق وحتى أنها قد تُعرض إستقرار التحالف في أفغانستان إلى الخطر. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي شرح بلياقة أنه لم يأت إلى الولايات المتحدة من أجل التماس الإذن من الإدارة. بل أراد أن يُجدد التذكير بنوايا إسرائيل.
وشرح مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأمريكية قائلاً: "لم تكن إسرائيل تتطلع إلى نيل المُصادقة من الحكومة الأمريكية. فقد أوضحت إسرائيل أن لا مجال للمواقف الضبابية وما من حاجة لطلب إذن أضواء خضراء أو حمراء".
وفي مذكراته التي نُشرت في تشرين الثاني 2010، دعم بوش نفسه هذا الوصف، فأورد في كتابه قائلاً: "لم يطلب رئيس الحكومة أولمرت الحصول على الضوء الأخضر وأنا لم أمنحه ذلك. فقد قام بما يعتقد ضرورياً من أجل حماية إسرائيل".
وقد نبع القرار الإسرائيلي بإعلام الإدارة الأمريكية بشأن خططها من إعتبارات عدة. أولاً، تمتعت الحكومة الإسرائيلية برئاسة أولمرت بعلاقات ودية مع إدارة بوش. ففي اللقاءات التي عُقدت في إسرائيل قبل الهجوم، تطرق المشاركون إلى مسألة كيف أنه يمكن لعلاقة إسرائيل بالولايات المتحدة أن تتأثر. فذكّر بعض المُشاركين في الاجتماع، كإيفري مثلاً، بما حصل بعد عملية أوبرا.
فعندما أرسل مناحيم بيغن طائرات سلاح الجو لمهاجمة المفاعل النووي لصدام حسين، استخدمت إسرائيل معدات عسكرية أمريكية دون التنسيق المُسبق مع الولايات المتحدة، وقد اعتبرت الولايات المتحدة حينها أن العملية ألحقت الأذى بفرص السلام في الشرق الأوسط. وبعد أسبوعين من هجوم العام 1981 صادقت جمعية الأمم المتحدة على قرار يُدين إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة التي لطالما منعت صدور قرارات ضد إسرائيل. وحتى أنّ إدارة ريغن جمدت تسليم إسرائيل طائرات أف-16 بشكل مؤقت.
لكن بعد عقد، عندما خاض الجيش الأمريكي حربه في العراق، أدركت الإدارة أهمية العملية الإسرائيلية.
وأظهرت إدارة أولمرت في العام 2007 أنها تعلمت الدرس. فرغم مُعارضة الأمريكيين، فضل مستشارو أولمرت مشاركة خط سير العملية كاملاً مع إدارة بوش. وأثبت هذا الخيار صوابيته.
فوفقاً لمسؤول رفيع المستوى في إدارة بوش، "من البداية، اعتقد الزعيمان أنه لا يمكن لسوريا امتلاك أي مفاعل. ووافق بوش ولم يكن منزعجاً من سلوك إسرائيل أو جعل ذلك يؤثر على علاقته بأولمرت".
وأشار المصدر نفسه أيضاً إلى توقعات إسرائيل بأن بوش لن يُغادر البيت الأبيض قبل إيقاف البرنامج النووي الإيراني، وقال: "أعتقد أن أي إسرائيلي يعلم بقرار بوش بعدم قصف السودان أو سوريا سيكون ساذجاً إن فكّر أنّ بوش قادر على ضرب إيران، وهي عملية أكثر خطورة".
أما في إسرائيل، التي أثبتت مرتين أنها قادرة على تدمير المفاعل النووي للعدو، فاستمر ضباط الإستخبارات والعمليات بالتفكير ملياً بإمكانية تنفيذ ضربة ثالثة، لكن هذه المرة ضد إيران.
لكنهم أدركوا أنّ الدعم السياسي المبذول، كالذي حصل عليه أولمرت، ليس دائماً كافياً. فبعد نجاح الضربة العسكرية في سوريا، يبقى سؤال بحاجة إلى إجابة: كيف يمكن لإسرائيل تكرير نجاحها في إيران؟".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018