ارشيف من :أخبار لبنانية
أسباب مرونة الغرب أمام إيران
حسين عطوي -الوطن القطرية
رغم ما قيل عن أجواء تشاؤمية سادت عقب مفاوضات الـ 5+1 مع إيران بشأن برنامجها النووي، إلا أن الوقائع اللاحقة كشفت أن مناخات التفاؤل التي سادت في اجتماع اسطنبول لا تزال قائمة، وأن اجتماع موسكو المقبل لن يكون سوى استمرار لها، لأن كل الأطراف وصلت إلى قناعة بضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي، خاصة الطرف الغربي الذي يشعر بان الأوراق التي يملكها للتأثير على الموقف الإيراني قد استخدمها كلها، من دون أن تؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود منها، ألا وهو زحزحة طهران عن الثبات على حقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم للأغراض العلمية والاقتصادية السلمية، وعدم التخلي عن هذا الحق مهما كان الثمن.
ـ والأسئلة التي تطرح في هذا السياق هي:
ـ ما هي الوقائع، أو المعطيات التي تؤشر إلى تبديد مناخات التشاؤم، وعودة المناخات الايجابية التي بدأت مع اجتماع اسطنبول؟
ـ لماذا لم يتمترس الغرب عند موقفه وقبل بحل وسط مع إيران بشأن جدول الأعمال في اجتماع موسكو المقبل؟
ـ وأخيرا ما هي الأسباب التي تجعل الدول الغربية مضطرة إلى التسليم لإيران بما كانت ترفضه سابقاً؟
أولاً:وقائع ومعطيات تبدد التشاؤم:
كان من المنتظر أن يؤدي اجتماع بغداد إلى تحقيق تقدم في المفاوضات حتى أن البعض توقع أن يكون هناك اعلان بغداد، لكن مثل هذا الخبر لم يعلن وانتهى الاجتماع بخلاف، وعدم اتفاق بين ما تطرحه الدول الغربية، وبين ما تقترحه إيران، لكن تم تحديد موعد آخر للاجتماع في 18 الشهر الجاري في موسكو، مع استمرار الاتصالات بين الجانبين للاتفاق على جدول أعمال الاجتماع، ومقاربة وجهات النظر المختلفة.
البعض فسر هذه النتيجة بأن الإدارة الاميركية تراجعت باللحظة الأخيرة عن تقديم التنازلات لإيران بسبب حسابات الرئيس باراك اوباما الانتخابية، وحاجته إلى الظهور بمظهر القوي الذي يرفض تقديم التنازلات من ناحية، وبهدف مغازلة اللوبي الإسرائيلي المؤثر في الانتخابات من ناحية ثانية.
ولذلك أريد للمفاوضات أن تبقى متأرجحة بين الأجواء الايجابية، والأجواء السلبية. والبعض الآخر فسر النتيجة من منطلق سعي الدول الغربية إلى ممارسة الضغوط على إيران للحصول على تنازلات منها في المفاوضات في إطار ما أطلق على تسميته لعبة عض الأصابع، وهو ما جعل اجتماع بغداد يراوح مكانه من دون نتيجة عملية، لكن تحديد موعد الاجتماع المقبل في موسكو أشر إلى أن الدول الغربية لا تريد إن تصل الأمور إلى وقف المفاوضات، وهي تسعى إلى إيجاد تسوية معها لانسداد الأفق أمام خياراتها الاخرى. وفي هذا السياق ذكرت الأوساط الدبلوماسية الغربية أن واشنطن تفضل الاستمرار في سياسة اليد الممدودة لطهران، لأنه لا بديل آخر لديها.
وقد عكست الاتصالات الأخيرة التحضيرية لجولة موسكو مثل هذه السياسة لتسجل المزيد من الخطوات الغربية التراجعية أمام المفاوض الإيراني، وتجلى ذلك بالآتي:
1 ـ نجاح إيران في انتزاع موافقة الغرب على اعتماد مقترحاتها المكونة من خمسة بنود والمتضمنة مواضيع نووية، وإقليمية في جدول أعمال الاجتماع المقبل للجانبين المقرر الأسبوع المقبل في موسكو.
2 ـ تأكيد وزير خارجية الاتحاد الأوروبي كاترين اشتون في اتصال مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي، الاتفاق على جدول أعمال مفاوضات موسكو على مبدأ الأخذ بمطالب الفريقين كقاعدة للحوار، وإبداء الاستعداد للحوار بشأن المقترحات الإيرانية الخمسة التي طرحت في اجتماع بغداد بما فيها المواضيع النووية وغير النووية وتأكيدها على ضرورة نجاح اجتماع موسكو.
3 ـ إعلان واشنطن أن الـ 5+1 قدمت إلى طهران خريطة طريق مشتركة تقوم على مبدأ الخطوة مقابل الخطوة الذي دعت روسيا إلى اتباعه.
4 ـ اللافت أن البند الخامس من الرزمة الإيرانية يتعلق بمواضيع إقليمية، وان طهران ربطت فيها بين التوقف عن تخصيب اليورانيوم بنسبة عشرين بالمائة، وبين الاعتراف الرسمي بحقها في التخصيب بنسبة تكفي للمقاصد الاقتصادية، ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب التخصيب.
ثانياً: أسباب عدم تمترس الغرب عند موقفه:
لكن السؤال الذي يطرح، لماذا لم تتمترس الدول الغربية عند موقفها، وسارعت إلى قبول ادراج المقترحات الإيرانية في جدول اعمال اجتماع موسكو.
إن تفسير هذه المرونة الغربية يكمن في:
1 ـ الإصرار الإيراني على تحديد برنامج المفاوضات المقبلة، ورفضها الحازم أي مساومة في هذا الأمر، وأنها لا تريد مفاوضات من اجل المفاوضات، أو لتقطيع الوقت في حين أن الدول الغربية لا ترغب بوقف المفاوضات، أو الاعلان عن فشلها.
2 ـ إدراك الدول الغربية بأن إيران بدأت تميل إلى رفض استراتيجيتها التي تتبعها معها والقائمة على إنهاكها سياسياً واعلامياً ونفسياً بمفاوضات لا طائل من ورائها، والإصرار على إستراتيجية للمفاوضات تقوم عل مكاسب للطرفين.
وفي هذا السياق قرأ الغرب افتتاحية جريدة رسالت المقربة من دوائر صناع القرار في طهران، والتي جاء فيها «إن إيران يجب إن تطرد بشجاعة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية واعتبارهم أشخاصا غير مرغوب فيهم، وتنزع كاميرات الوكالة المنصوبة في المنشآت الإيرانية وتنتهي من لعبة المفاوضات الماراتونية التي تستعمل اكثر ما تستعمل للتجسس، وأن تتفرغ بهدوء وفراغ بال لأعمالها العلمية».
ثالثاً: أسباب التحول الظاهر في الموقف الغربي:
إن السؤال الذي يطرح نفسه على ضوء هذه الوقائع السالفة الذكر هو.
هل ينبع هذا التحول من إدراك الدول الغربية بأن إيران لا تسعى إلى إنتاج السلاح النووي؟
أم هو تعبير عن عجز الدول الغربية، وفشلها في إخضاع إيران؟.
بالتوقف أمام تفسير هذا التبدل في الموقف يمكن تسجيل الأتي:
1 ـ إن الدول الغربية تعرف جيداً إن إيران لا تريد انتاج السلاح النووي، وهي تسعى إلى امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، والتطور العلمي والبحثي والتنموي،وأكدت اكثر من مرة أنها لا تسعى لذلك، وملتزمة بالقوانين الدولية لهذه الناحية، ولذلك فان القضية بالنسبة للدول الغربية لها بعد أعمق بكثير فهي لا تريد لدولة مثل إيران، فضلاً عن غيرها، خارج نادي التبعية للغرب وتتمتع باستقلالية قرارها الاقتصادي والسياسي، أن تمتلك المعرفة والتكنولوجيا لان ذلك سيؤدي إلى تعزيز استقلاليتها وقوتها من ناحية، والى تشجيع دول أخرى على الحذو حذوها من ناحية ثانية، ومثل هذا المسار يقود إلى تقليص وتراجع النفوذ الغربي في العالم، وسقوط احتكاره للمعرفة والتكنولوجيا التي يستخدمها، وسيلة لفرض التبعية على الدول، وجعلها خاضعة اقتصادياً، وسياسياً، وإلا حرمها منها.
من هنا فان موقف الدول الغربية الجديد لا ينبع من اقتناع بأن إيران لا تسعى إلى انتاج السلاح النووي، وإنما يندرج في إطار تراجع هذه الدول أمام إصرار إيران على امتلاك التكنولوجيا النووية بقدراتها الذاتية وتمكنها من انتاج الوقود النووي.
2 ـ إن التسليم والتراجع أمام إيران إنما جاء بعد أن استخدمت الدول الغربية كل ما لديها من وسائل ضغط وحصار لجعل إيران ترضخ لشروطها بوقف برنامجها النووي..
فهي فرضت حصاراً اقتصادياً على إيران، وأقدمت على احتلال أفغانستان، والعراق في سياق خطة متعددة الأهداف، واحدة منها أطباق الخناق على إيران من البر والبحر.
كما مارست التهويل بشن الحرب، ووضعت سيناريوهات لتنفيذ ضربات جوية لبرنامج إيران النووي، وحددت مواعيد لذلك، اكثر من مرة، وتولت إسرائيل مؤخراً القيام بحملة منظمة وممنهجة ضد إيران، لاقناع الدول الغربية بالسماح له بتوجيه هذه الضربة، أو اتخاذ عقوبات اقتصادية مشددة ضد قطاع النفط والغاز لحرمان طهران من مداخيلها من العملات الصعبة، والتي تمكنها من مواصلة تطوير برنامجها النووي ورفض الرضوخ للإملاءات الغربية، غير أنه تبين للغرب:
1 ـ إن الضغط والحصار الاقتصادي على إيران لم يؤثر على البرنامج النووي الإيراني، بل ان النتائج كانت عكسية على الدول الغربية التي كانت تستورد النفط الإيراني حيث بادرت طهران إلى وقف تصدير نفطها إليها، واستفادت من ارتفاع أسعار النفط، فيما هي تستطيع إيجاد بدائل لبيع الكميات التي كانت تصدرها للدول الغربية إلى دول أخرى مثل الصين والبرازيل، والهند.. الخ.
واظهر ذلك أن سلاح الحصار الاقتصادي غير فعال، فيما إيران تستطيع استخدام هذا السلاح ضد الغرب عبر اللجوء إلى إغلاق مضيق هرمز لمنع ناقلات النفط من الخروج منه والدخول إليه، إذا ما اضطرت إلى ذلك.
2 ـ أما الخيار العسكري فقد وجدت الدول الغربية أن عواقبه ونتائجه السلبية على مصالحها في المنطقة، وعلى أمن إسرائيل كبيرة جداً لا قدرة لها على تحملها.
فإيران تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية متطورة قادرة على توجيه ضربات قاسية للقواعد العسكرية الغربية في الخليج وضرب المفاعل النووي الإسرائيلي والقواعد والمنشآت الإسرائيلية الحيوية، وإغلاق مضيق هرمز بالكامل، ما قد يؤدي إلى وقف تصدير النفط وارتفاع أسعاره إلى أرقام قياسية تصل إلى نحو 250 دولاراً للبرميل الواحد، وهو ما لا تستطيع اقتصادات الدول الغربية الصناعية تحمله خاصة وأنها تعاني من أعنف أزمة اقتصادية في تاريخها وأدت إلى مضاعفات سلبية كبيرة مالية واجتماعية واقتصادية حتى الآن.
3 ـ بالمقابل فان احتلال أفغانستان، والعراق تحول إلى عبء، وكابوس على أميركا وحلفاؤها، بدلا من إن يصبح مصدر قوة لهم، وقد اضطرت أميركا إلى الانسحاب من العراق لعدم قدرتها على تحمل فاتورة الإنفاق الباهظة لاحتلالها، أما في أفغانستان فان القوات الأطلسية هناك تواجه حرب استنزاف من العيار الثقيل في ظل ارتفاع أكلاف الحرب التي ترهق اقتصادات الدول الغربية، التي جعلتها تبحث عن سبل الخروج من هذا المأزق، وطلب مساعدة إيران.
انطلاقاً من ذلك، لم يعد لدى الدول الغربية من سبيل سوى البحث عن طريق التفاهم مع إيران واستئناف المفاوضات للتوصل إلى اتفاق معها، تحت سقف استمرار الصراع بوتائر منخفضة.
رغم ما قيل عن أجواء تشاؤمية سادت عقب مفاوضات الـ 5+1 مع إيران بشأن برنامجها النووي، إلا أن الوقائع اللاحقة كشفت أن مناخات التفاؤل التي سادت في اجتماع اسطنبول لا تزال قائمة، وأن اجتماع موسكو المقبل لن يكون سوى استمرار لها، لأن كل الأطراف وصلت إلى قناعة بضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي، خاصة الطرف الغربي الذي يشعر بان الأوراق التي يملكها للتأثير على الموقف الإيراني قد استخدمها كلها، من دون أن تؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود منها، ألا وهو زحزحة طهران عن الثبات على حقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم للأغراض العلمية والاقتصادية السلمية، وعدم التخلي عن هذا الحق مهما كان الثمن.
ـ والأسئلة التي تطرح في هذا السياق هي:
ـ ما هي الوقائع، أو المعطيات التي تؤشر إلى تبديد مناخات التشاؤم، وعودة المناخات الايجابية التي بدأت مع اجتماع اسطنبول؟
ـ لماذا لم يتمترس الغرب عند موقفه وقبل بحل وسط مع إيران بشأن جدول الأعمال في اجتماع موسكو المقبل؟
ـ وأخيرا ما هي الأسباب التي تجعل الدول الغربية مضطرة إلى التسليم لإيران بما كانت ترفضه سابقاً؟
أولاً:وقائع ومعطيات تبدد التشاؤم:
كان من المنتظر أن يؤدي اجتماع بغداد إلى تحقيق تقدم في المفاوضات حتى أن البعض توقع أن يكون هناك اعلان بغداد، لكن مثل هذا الخبر لم يعلن وانتهى الاجتماع بخلاف، وعدم اتفاق بين ما تطرحه الدول الغربية، وبين ما تقترحه إيران، لكن تم تحديد موعد آخر للاجتماع في 18 الشهر الجاري في موسكو، مع استمرار الاتصالات بين الجانبين للاتفاق على جدول أعمال الاجتماع، ومقاربة وجهات النظر المختلفة.
البعض فسر هذه النتيجة بأن الإدارة الاميركية تراجعت باللحظة الأخيرة عن تقديم التنازلات لإيران بسبب حسابات الرئيس باراك اوباما الانتخابية، وحاجته إلى الظهور بمظهر القوي الذي يرفض تقديم التنازلات من ناحية، وبهدف مغازلة اللوبي الإسرائيلي المؤثر في الانتخابات من ناحية ثانية.
ولذلك أريد للمفاوضات أن تبقى متأرجحة بين الأجواء الايجابية، والأجواء السلبية. والبعض الآخر فسر النتيجة من منطلق سعي الدول الغربية إلى ممارسة الضغوط على إيران للحصول على تنازلات منها في المفاوضات في إطار ما أطلق على تسميته لعبة عض الأصابع، وهو ما جعل اجتماع بغداد يراوح مكانه من دون نتيجة عملية، لكن تحديد موعد الاجتماع المقبل في موسكو أشر إلى أن الدول الغربية لا تريد إن تصل الأمور إلى وقف المفاوضات، وهي تسعى إلى إيجاد تسوية معها لانسداد الأفق أمام خياراتها الاخرى. وفي هذا السياق ذكرت الأوساط الدبلوماسية الغربية أن واشنطن تفضل الاستمرار في سياسة اليد الممدودة لطهران، لأنه لا بديل آخر لديها.
وقد عكست الاتصالات الأخيرة التحضيرية لجولة موسكو مثل هذه السياسة لتسجل المزيد من الخطوات الغربية التراجعية أمام المفاوض الإيراني، وتجلى ذلك بالآتي:
1 ـ نجاح إيران في انتزاع موافقة الغرب على اعتماد مقترحاتها المكونة من خمسة بنود والمتضمنة مواضيع نووية، وإقليمية في جدول أعمال الاجتماع المقبل للجانبين المقرر الأسبوع المقبل في موسكو.
2 ـ تأكيد وزير خارجية الاتحاد الأوروبي كاترين اشتون في اتصال مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي، الاتفاق على جدول أعمال مفاوضات موسكو على مبدأ الأخذ بمطالب الفريقين كقاعدة للحوار، وإبداء الاستعداد للحوار بشأن المقترحات الإيرانية الخمسة التي طرحت في اجتماع بغداد بما فيها المواضيع النووية وغير النووية وتأكيدها على ضرورة نجاح اجتماع موسكو.
3 ـ إعلان واشنطن أن الـ 5+1 قدمت إلى طهران خريطة طريق مشتركة تقوم على مبدأ الخطوة مقابل الخطوة الذي دعت روسيا إلى اتباعه.
4 ـ اللافت أن البند الخامس من الرزمة الإيرانية يتعلق بمواضيع إقليمية، وان طهران ربطت فيها بين التوقف عن تخصيب اليورانيوم بنسبة عشرين بالمائة، وبين الاعتراف الرسمي بحقها في التخصيب بنسبة تكفي للمقاصد الاقتصادية، ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب التخصيب.
ثانياً: أسباب عدم تمترس الغرب عند موقفه:
لكن السؤال الذي يطرح، لماذا لم تتمترس الدول الغربية عند موقفها، وسارعت إلى قبول ادراج المقترحات الإيرانية في جدول اعمال اجتماع موسكو.
إن تفسير هذه المرونة الغربية يكمن في:
1 ـ الإصرار الإيراني على تحديد برنامج المفاوضات المقبلة، ورفضها الحازم أي مساومة في هذا الأمر، وأنها لا تريد مفاوضات من اجل المفاوضات، أو لتقطيع الوقت في حين أن الدول الغربية لا ترغب بوقف المفاوضات، أو الاعلان عن فشلها.
2 ـ إدراك الدول الغربية بأن إيران بدأت تميل إلى رفض استراتيجيتها التي تتبعها معها والقائمة على إنهاكها سياسياً واعلامياً ونفسياً بمفاوضات لا طائل من ورائها، والإصرار على إستراتيجية للمفاوضات تقوم عل مكاسب للطرفين.
وفي هذا السياق قرأ الغرب افتتاحية جريدة رسالت المقربة من دوائر صناع القرار في طهران، والتي جاء فيها «إن إيران يجب إن تطرد بشجاعة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية واعتبارهم أشخاصا غير مرغوب فيهم، وتنزع كاميرات الوكالة المنصوبة في المنشآت الإيرانية وتنتهي من لعبة المفاوضات الماراتونية التي تستعمل اكثر ما تستعمل للتجسس، وأن تتفرغ بهدوء وفراغ بال لأعمالها العلمية».
ثالثاً: أسباب التحول الظاهر في الموقف الغربي:
إن السؤال الذي يطرح نفسه على ضوء هذه الوقائع السالفة الذكر هو.
هل ينبع هذا التحول من إدراك الدول الغربية بأن إيران لا تسعى إلى إنتاج السلاح النووي؟
أم هو تعبير عن عجز الدول الغربية، وفشلها في إخضاع إيران؟.
بالتوقف أمام تفسير هذا التبدل في الموقف يمكن تسجيل الأتي:
1 ـ إن الدول الغربية تعرف جيداً إن إيران لا تريد انتاج السلاح النووي، وهي تسعى إلى امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، والتطور العلمي والبحثي والتنموي،وأكدت اكثر من مرة أنها لا تسعى لذلك، وملتزمة بالقوانين الدولية لهذه الناحية، ولذلك فان القضية بالنسبة للدول الغربية لها بعد أعمق بكثير فهي لا تريد لدولة مثل إيران، فضلاً عن غيرها، خارج نادي التبعية للغرب وتتمتع باستقلالية قرارها الاقتصادي والسياسي، أن تمتلك المعرفة والتكنولوجيا لان ذلك سيؤدي إلى تعزيز استقلاليتها وقوتها من ناحية، والى تشجيع دول أخرى على الحذو حذوها من ناحية ثانية، ومثل هذا المسار يقود إلى تقليص وتراجع النفوذ الغربي في العالم، وسقوط احتكاره للمعرفة والتكنولوجيا التي يستخدمها، وسيلة لفرض التبعية على الدول، وجعلها خاضعة اقتصادياً، وسياسياً، وإلا حرمها منها.
من هنا فان موقف الدول الغربية الجديد لا ينبع من اقتناع بأن إيران لا تسعى إلى انتاج السلاح النووي، وإنما يندرج في إطار تراجع هذه الدول أمام إصرار إيران على امتلاك التكنولوجيا النووية بقدراتها الذاتية وتمكنها من انتاج الوقود النووي.
2 ـ إن التسليم والتراجع أمام إيران إنما جاء بعد أن استخدمت الدول الغربية كل ما لديها من وسائل ضغط وحصار لجعل إيران ترضخ لشروطها بوقف برنامجها النووي..
فهي فرضت حصاراً اقتصادياً على إيران، وأقدمت على احتلال أفغانستان، والعراق في سياق خطة متعددة الأهداف، واحدة منها أطباق الخناق على إيران من البر والبحر.
كما مارست التهويل بشن الحرب، ووضعت سيناريوهات لتنفيذ ضربات جوية لبرنامج إيران النووي، وحددت مواعيد لذلك، اكثر من مرة، وتولت إسرائيل مؤخراً القيام بحملة منظمة وممنهجة ضد إيران، لاقناع الدول الغربية بالسماح له بتوجيه هذه الضربة، أو اتخاذ عقوبات اقتصادية مشددة ضد قطاع النفط والغاز لحرمان طهران من مداخيلها من العملات الصعبة، والتي تمكنها من مواصلة تطوير برنامجها النووي ورفض الرضوخ للإملاءات الغربية، غير أنه تبين للغرب:
1 ـ إن الضغط والحصار الاقتصادي على إيران لم يؤثر على البرنامج النووي الإيراني، بل ان النتائج كانت عكسية على الدول الغربية التي كانت تستورد النفط الإيراني حيث بادرت طهران إلى وقف تصدير نفطها إليها، واستفادت من ارتفاع أسعار النفط، فيما هي تستطيع إيجاد بدائل لبيع الكميات التي كانت تصدرها للدول الغربية إلى دول أخرى مثل الصين والبرازيل، والهند.. الخ.
واظهر ذلك أن سلاح الحصار الاقتصادي غير فعال، فيما إيران تستطيع استخدام هذا السلاح ضد الغرب عبر اللجوء إلى إغلاق مضيق هرمز لمنع ناقلات النفط من الخروج منه والدخول إليه، إذا ما اضطرت إلى ذلك.
2 ـ أما الخيار العسكري فقد وجدت الدول الغربية أن عواقبه ونتائجه السلبية على مصالحها في المنطقة، وعلى أمن إسرائيل كبيرة جداً لا قدرة لها على تحملها.
فإيران تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية متطورة قادرة على توجيه ضربات قاسية للقواعد العسكرية الغربية في الخليج وضرب المفاعل النووي الإسرائيلي والقواعد والمنشآت الإسرائيلية الحيوية، وإغلاق مضيق هرمز بالكامل، ما قد يؤدي إلى وقف تصدير النفط وارتفاع أسعاره إلى أرقام قياسية تصل إلى نحو 250 دولاراً للبرميل الواحد، وهو ما لا تستطيع اقتصادات الدول الغربية الصناعية تحمله خاصة وأنها تعاني من أعنف أزمة اقتصادية في تاريخها وأدت إلى مضاعفات سلبية كبيرة مالية واجتماعية واقتصادية حتى الآن.
3 ـ بالمقابل فان احتلال أفغانستان، والعراق تحول إلى عبء، وكابوس على أميركا وحلفاؤها، بدلا من إن يصبح مصدر قوة لهم، وقد اضطرت أميركا إلى الانسحاب من العراق لعدم قدرتها على تحمل فاتورة الإنفاق الباهظة لاحتلالها، أما في أفغانستان فان القوات الأطلسية هناك تواجه حرب استنزاف من العيار الثقيل في ظل ارتفاع أكلاف الحرب التي ترهق اقتصادات الدول الغربية، التي جعلتها تبحث عن سبل الخروج من هذا المأزق، وطلب مساعدة إيران.
انطلاقاً من ذلك، لم يعد لدى الدول الغربية من سبيل سوى البحث عن طريق التفاهم مع إيران واستئناف المفاوضات للتوصل إلى اتفاق معها، تحت سقف استمرار الصراع بوتائر منخفضة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018