ارشيف من :ترجمات ودراسات
فتشوا عن ذرة منطق في شن هجوم على برنامج إيران الذري
المصدر: "يديعوت أحرونوت- البروفيسور أوري بر يوسف(*)"
بين الفضيحة التي أثارها فم (النائبة) أناستازيا ميخائيلي، الذي ينتج درراً، وبين التراجيدية الوطنية التي ستمر بها إسرائيل مع إخلاء مستوطني تلة "أولبنا"، كاد يضيع ما قاله قائد منطقة "دان" (الوسط) في الجبهة الداخلية، العقيد آدم زوسمان لوكالة الأنباء الفرنسية: "هجمة صاروخية على وسط البلاد، خصوصاً إذا كانت (الصواريخ) ذات رؤوسٍ حربية غير تقليدية، ستفرض على إسرائيل إخلاء سكان تل أبيب وأقمارها". حوالي 2 مليون إسرائيلي سيضطرون لترك منازلهم وكل ما فيها لمدة ما غير واضحة، والإقامة – على ما يبدو بشكلٍ أساسي في النقب – في ظروفٍ غير واضحة. من الصعب معرفة ما إذا كانت الدولة قد أعدّت خيماً للجميع، لكن إذا أمكن تعلم شيءٍ ما من تقرير مراقب الدولة حول قضية "مرمرة" فيبدو أن رئيس الحكومة منهمك في أمورٍ أخرى.
العقيد زوسمان لم يقل هذا، لكن السيناريو الأكثر معقولية الذي سيُضطرُّ فيه لإخلاءٍ جماعي هو بعد شن هجومٍ إسرائيلي ضد البنية التحتية النووية لإيران. وكون تحذيرات العقيد زوسمان هي الدليل الأوضح على أن المؤسسة الأمنية ترى سيناريو الإخلاء الجماعي محتملاً، من المناسب إجراء نقاشٍ جماهيري ثاقب حول شن هجومٍ إسرائيلي كهذا. وليس من المفترض بهذا النقاش أن يطال مسائل عملياتية تتصل بأصحاب الاختصاص، بل التركيز على البدائل الممكنة لضربة عسكرية إسرائيلية إذا ما أخفقت الجهود الدولية لمنع إيران من حيازة القنبلة.
بديل واحد هو معرفة كيفية التعايش مع القنبلة. إسرائيل تشتري غواصة سادسة من ألمانية والاسبوعية الألمانية "دير شبيغل" أوردت تقريراً كبيراً عن قدرة الغواصات على حمل صواريخ جوالة ذات رؤوسٍ نووية. وقال وزير الدفاع إيهود باراك للاسبوعية أن "ألمانية تساهم في ضمان وجود دولة إسرائيل لسنواتٍ مديدة قُدما". كل هذا هو تعبيرات واضحة عن وجود بديلٍ كهذا في صلبه فرضية أن بناء قدرة "ضربة ثانية" إسرائيلية سيسمح بإرساء ميزان رعبٍ مع إيران نووية. وهناك بديل آخر: دفع مبادرة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية قدماً، ولا تكون لا لهم ولا لنا. حقيقة أن إسرائيل لم تعلن لغاية الآن ما إذا كانت سترفض المشاركة في المؤتمر الذي تنظمه الأمم المتحدة لدفع هذه الرؤية – والذي يمكن أن يقام هذه السنة أو السنة القادمة – هو تعبير عن أنه حتى هذا البديل لم يُنحَّ جانباً.
كذلك دفع عملية السلام مع الفلسطينيين هو بديل. بالنسبة لغالبيتنا الصلة بين مشكلة إيران ومشكلة فلسطين غير واضحة. في المقابل، يرى جيراننا هذه الصلة واضحة ومفهومة تماماً. ما هو غير واضحٍ لهم هو إصرار إسرائيل على تجاهلها والمجازفة بمخاطر كبيرة. على سبيل المثال، في اللقاء الذي عُقد مؤخراً وضم أكاديميين وخبراء ورجال حكم سابقين من إسرائيل ودول عربية ودول أخرى في المنطقة، أمكن سماع هذا الكلام بصورة لا تحتمل تفسيرين. العالم العربي في حمى الربيع الذي تعصف فيه تهديدات التطرف إلى جانب وعودٍ بالديمقراطية والعلمنة.
إسرائيل غير مستهدفة
الصراع المركزي اليوم في المنطقة ليس بين إسرائيل والدول العربية أو إيران، بل بين الجهات الإسلامية المتطرفة وبين أولئك الطامحين للمضي بشعوب المنطقة نحو الحداثة. بين مختلف الذين ألقوا كلمات كان هناك غير قليلٍ من الخلافات حول الوجهة التي تتجه إليها المنطقة. لكن الجميع كان لديهم تصور واحد واضح: اتفاق إسرائيلي – فلسطيني سيدفع المنطقة نحو اتجاهات إيجابية ويوفّر على إسرائيل إلى حدٍّ كبير الحاجة لمواجهة مشاكل أمنية صعبة، على رأسها التهديد الإيراني. هذا ما قاله ممثلون من دول الخليج ومن مصر والأردن ولبنان والضفة الغربية، وكذلك خبراء أوروبيون وأميركيون.
بعض الخبراء في الشؤون الإيرانية، الذين مالوا أكثر للخط الرسمي وعبّروا عن موقف النظام، شددوا على تصريحاتٍ إيرانية رسمية من الماضي وبحسبها إنهاء النزاع سيُغلق بالنسبة للنظام الملف الإسرائيلي. وأوضح آخرون أن تهديدات أحمدي نجاد هي جزء من السياسة الداخلية الإيرانية وتتصل بجهوده للبقاء، فيما مكانته آخذة في الضعف وفترته الرئاسية تتبدد. ووافق هؤلاء أيضاً على أن إحراز تقدّمٍ مهم في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية سيُبقي متطرفي النظام في طهران من دون الهدف الإسرائيلي. كائناً ما كان، أمكن من كل هذه النقاشات فهم أمرٍ واحدٍ بوضوح: إسرائيل ليست على المهداف الإيراني وهي ليست السبب في سعي إيران للقنبلة. إسرائيل يمكنها أن تكون على هذا المهداف إذا ما حاولت القضاء لوحدها على البرنامج النووي (الإيراني).
وقد طُرحت مسألة عقلانية قادة المنطقة غير مرة في النقاش الإسرائيلي. مسألة مسؤولية واستعداد زعيم على شاكلة أحمدي نجاد للمخاطرة هي بالتأكيد ذات صلة في سياق العلاقات المستقبلية مع إيران نووية. لكن جيراننا – وهذا ما يتبين – أكثر قلقاً من مستوى عقلانية قادة إسرائيل. عندما نسمع ما لديهم ليقولوه، وعندما نفهم كيف تبدو الأمور من وجهة نظرهم، لا شك أن لديهم "مسألة" جدية.
لم يسبق أن واجهت إسرائيل أبداً وضعاً المخاطر فيه كبيرة إلى هذا الحد. لكن من سبق ووُصفوا من قبل رئيس الشاباك السابق بأنهم "مشيحانيين" (خلاصيين)، يصرّون على أخذ المخاطر وترك الفرص. يمكن تفسير هذه السياسة بطرقٍ كثيرة، لكنها بالتأكيد ليست عقلانية".
(*) قسم العلاقات الدولية ـ جامعة حيفا
بين الفضيحة التي أثارها فم (النائبة) أناستازيا ميخائيلي، الذي ينتج درراً، وبين التراجيدية الوطنية التي ستمر بها إسرائيل مع إخلاء مستوطني تلة "أولبنا"، كاد يضيع ما قاله قائد منطقة "دان" (الوسط) في الجبهة الداخلية، العقيد آدم زوسمان لوكالة الأنباء الفرنسية: "هجمة صاروخية على وسط البلاد، خصوصاً إذا كانت (الصواريخ) ذات رؤوسٍ حربية غير تقليدية، ستفرض على إسرائيل إخلاء سكان تل أبيب وأقمارها". حوالي 2 مليون إسرائيلي سيضطرون لترك منازلهم وكل ما فيها لمدة ما غير واضحة، والإقامة – على ما يبدو بشكلٍ أساسي في النقب – في ظروفٍ غير واضحة. من الصعب معرفة ما إذا كانت الدولة قد أعدّت خيماً للجميع، لكن إذا أمكن تعلم شيءٍ ما من تقرير مراقب الدولة حول قضية "مرمرة" فيبدو أن رئيس الحكومة منهمك في أمورٍ أخرى.
العقيد زوسمان لم يقل هذا، لكن السيناريو الأكثر معقولية الذي سيُضطرُّ فيه لإخلاءٍ جماعي هو بعد شن هجومٍ إسرائيلي ضد البنية التحتية النووية لإيران. وكون تحذيرات العقيد زوسمان هي الدليل الأوضح على أن المؤسسة الأمنية ترى سيناريو الإخلاء الجماعي محتملاً، من المناسب إجراء نقاشٍ جماهيري ثاقب حول شن هجومٍ إسرائيلي كهذا. وليس من المفترض بهذا النقاش أن يطال مسائل عملياتية تتصل بأصحاب الاختصاص، بل التركيز على البدائل الممكنة لضربة عسكرية إسرائيلية إذا ما أخفقت الجهود الدولية لمنع إيران من حيازة القنبلة.
بديل واحد هو معرفة كيفية التعايش مع القنبلة. إسرائيل تشتري غواصة سادسة من ألمانية والاسبوعية الألمانية "دير شبيغل" أوردت تقريراً كبيراً عن قدرة الغواصات على حمل صواريخ جوالة ذات رؤوسٍ نووية. وقال وزير الدفاع إيهود باراك للاسبوعية أن "ألمانية تساهم في ضمان وجود دولة إسرائيل لسنواتٍ مديدة قُدما". كل هذا هو تعبيرات واضحة عن وجود بديلٍ كهذا في صلبه فرضية أن بناء قدرة "ضربة ثانية" إسرائيلية سيسمح بإرساء ميزان رعبٍ مع إيران نووية. وهناك بديل آخر: دفع مبادرة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية قدماً، ولا تكون لا لهم ولا لنا. حقيقة أن إسرائيل لم تعلن لغاية الآن ما إذا كانت سترفض المشاركة في المؤتمر الذي تنظمه الأمم المتحدة لدفع هذه الرؤية – والذي يمكن أن يقام هذه السنة أو السنة القادمة – هو تعبير عن أنه حتى هذا البديل لم يُنحَّ جانباً.
كذلك دفع عملية السلام مع الفلسطينيين هو بديل. بالنسبة لغالبيتنا الصلة بين مشكلة إيران ومشكلة فلسطين غير واضحة. في المقابل، يرى جيراننا هذه الصلة واضحة ومفهومة تماماً. ما هو غير واضحٍ لهم هو إصرار إسرائيل على تجاهلها والمجازفة بمخاطر كبيرة. على سبيل المثال، في اللقاء الذي عُقد مؤخراً وضم أكاديميين وخبراء ورجال حكم سابقين من إسرائيل ودول عربية ودول أخرى في المنطقة، أمكن سماع هذا الكلام بصورة لا تحتمل تفسيرين. العالم العربي في حمى الربيع الذي تعصف فيه تهديدات التطرف إلى جانب وعودٍ بالديمقراطية والعلمنة.
إسرائيل غير مستهدفة
الصراع المركزي اليوم في المنطقة ليس بين إسرائيل والدول العربية أو إيران، بل بين الجهات الإسلامية المتطرفة وبين أولئك الطامحين للمضي بشعوب المنطقة نحو الحداثة. بين مختلف الذين ألقوا كلمات كان هناك غير قليلٍ من الخلافات حول الوجهة التي تتجه إليها المنطقة. لكن الجميع كان لديهم تصور واحد واضح: اتفاق إسرائيلي – فلسطيني سيدفع المنطقة نحو اتجاهات إيجابية ويوفّر على إسرائيل إلى حدٍّ كبير الحاجة لمواجهة مشاكل أمنية صعبة، على رأسها التهديد الإيراني. هذا ما قاله ممثلون من دول الخليج ومن مصر والأردن ولبنان والضفة الغربية، وكذلك خبراء أوروبيون وأميركيون.
بعض الخبراء في الشؤون الإيرانية، الذين مالوا أكثر للخط الرسمي وعبّروا عن موقف النظام، شددوا على تصريحاتٍ إيرانية رسمية من الماضي وبحسبها إنهاء النزاع سيُغلق بالنسبة للنظام الملف الإسرائيلي. وأوضح آخرون أن تهديدات أحمدي نجاد هي جزء من السياسة الداخلية الإيرانية وتتصل بجهوده للبقاء، فيما مكانته آخذة في الضعف وفترته الرئاسية تتبدد. ووافق هؤلاء أيضاً على أن إحراز تقدّمٍ مهم في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية سيُبقي متطرفي النظام في طهران من دون الهدف الإسرائيلي. كائناً ما كان، أمكن من كل هذه النقاشات فهم أمرٍ واحدٍ بوضوح: إسرائيل ليست على المهداف الإيراني وهي ليست السبب في سعي إيران للقنبلة. إسرائيل يمكنها أن تكون على هذا المهداف إذا ما حاولت القضاء لوحدها على البرنامج النووي (الإيراني).
وقد طُرحت مسألة عقلانية قادة المنطقة غير مرة في النقاش الإسرائيلي. مسألة مسؤولية واستعداد زعيم على شاكلة أحمدي نجاد للمخاطرة هي بالتأكيد ذات صلة في سياق العلاقات المستقبلية مع إيران نووية. لكن جيراننا – وهذا ما يتبين – أكثر قلقاً من مستوى عقلانية قادة إسرائيل. عندما نسمع ما لديهم ليقولوه، وعندما نفهم كيف تبدو الأمور من وجهة نظرهم، لا شك أن لديهم "مسألة" جدية.
لم يسبق أن واجهت إسرائيل أبداً وضعاً المخاطر فيه كبيرة إلى هذا الحد. لكن من سبق ووُصفوا من قبل رئيس الشاباك السابق بأنهم "مشيحانيين" (خلاصيين)، يصرّون على أخذ المخاطر وترك الفرص. يمكن تفسير هذه السياسة بطرقٍ كثيرة، لكنها بالتأكيد ليست عقلانية".
(*) قسم العلاقات الدولية ـ جامعة حيفا
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018