ارشيف من :ترجمات ودراسات

لماذا تدافع روسيا بعناد عن سورية؟

لماذا تدافع روسيا بعناد عن سورية؟
عن موقع Iran diplomatic
بقلم: جهانگیر کرمی*

باعتبار أن روسيا أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، فإنها كانت ولا تزال تصوت ضد أي مشروع قرار يتعلق بمجريات الأحداث السورية ويدين نظام بشار الأسد، فضلا عن حيلولتها دون التصويت عليه لاحقاً، فمساعي وإصرار روسيا في دعمها لـبشار الأسد والنظام السوري شكلت هذه الأيام موضع اهتمام وسائل الإعلام العالمية، ولكن في تحليل أسباب وجذور مسألة العناد الروسي تجاه سورية ينبغي التطرق إلى عدة نقاط:

أولا: تعتبر سورية في منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لروسيا فرصة إستراتيجية، وفي الواقع هي الجزء الأخير من بقايا حلفاء الاتحاد السوفييتي السابق. من جهة الظروف الفعلية، فإن دعم الحلفاء في المنطقة لم يسجل لمصلحة روسيا لجهة موازين القوى وتطورات المنطقة، إلا أن هذه المسألة هي"اعتبارية" بالنسبة لروسيا، كما ينبغي أخذ هذه المسألة من جهة عدم رغبة موسكو في الابتعاد عن البحث عن النفوذ في المنطقة أكثر من سعي تركيا حالياً للبحث عن النفوذ في المنطقة، وأيضاً في مسألة تصاعد ظاهرة وصول التيارات الإسلامية السلفية والإخوانية في المنطقة.

كما أن المسائل الاقتصادية أيضا، هي سبب آخر من أسباب الدعم الروسي لسورية، حيث يصل حجم المبادلات التجارية السورية بالنسبة للأسلحة ما يقارب 1 مليار دولار، والمبادلات التجارية (غير الأسلحة) تصل إلى حدود 1 حتى 5/1 مليار دولار، وعلى الرغم من أن هذا الرقم ليس مهماً للغاية،إلا أن هذه القضية تؤخذ بالحسبان لجهة أن روسيا شريك أساسي وأول بائع للأسلحة لسورية، وهذه الشراكة قديمة وتصل إلى 45 سنة. وفي تحليل هذه الشراكة ينبغي القول بأن هذا الأمر بالنسبة لسورية يصب في خانة التوازن الاستراتيجي مع عدوتها اللدود " إسرائيل" وبالنسبة لروسيا يصب في خانة الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي للحد من النفوذ التركي والحضور المؤثر في معادلات الشرق الأوسط، لذلك فإن الحفاظ على العلاقات العسكرية المتمثلة بالتسليح بين البلدين واستمرار وجود قاعدة عسكرية (قاعدة طرطوس) في سورية وكذلك الحفاظ على نظام بشار الأسد من الأولويات المهمة بالنسبة لروسيا.

لماذا تدافع روسيا بعناد عن سورية؟

النقطة الثانية؛ أن عودة بوتين إلى سدة الحكم ترافقت م ع نوع من الإبهام الذي شاب العلاقات بين روسيا وأمريكا وأيضا بالمشكلات والتعقيدات السياسية في الشرق الأوسط، حيث تحولت روسيا بشكل عملي إلى لاعب مؤثر في المنطقة، كما ضاعفت التعقيدات والتطورات التي شهدتها المنطقة من الجهود المبذولة من جانب الروس للعب دور مهم في مشهد التطورات السورية بالتعاون مع إيران.


إلى جانب هذا الحالة، فإنه ينبغي الإشارة إلى ظهور ما تعتبره روسيا تهديدات وتعقيدات روسية داخلية وإقليمية، ومن جملتها تواجد 30 مليون مسلم داخل روسيا و60 مليون مسلم في الخارج القريب من المحيط الروسي (في منطقة آسيا الوسطى والقفقاز)، الأمر الذي منح هذه التعقيدات في الظروف العصيبة التي تشهدها المنطقة حالة خاصة لجهة أن الدول وحلفاءها يواجهون مخاطر ما يسمى التحرك المحتمل لهؤلاء المسلمين ومن ناحية إمكانية بدء دعم التيارات الإسلامية ووصولها إلى السلطة في الشرق الأوسط، كما أن المسلمين الروس والمتواجدين في المنطقة القريبة منها أيضا أحد التعقيدات الطبيعية التي ترسم مستقبل روسيا المبهم والإشكالي.
في مثل تلك الظروف، فإن روسيا تحاول أن تعارض أي قرار يصدر عن مجلس الأمن يمكن أن يضع النظام السوري على محك التضييق، إلا أن هذه المعارضة لها مبدأ حقوقي مهم وهو أنه لا ينبغي لمجلس الأمن في منظمة الأمم المتحدة أن يتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان وأن يتدخل في قرارات تتعلق بالشعوب.

ولكن ورغم ذلك فإن معارضة روسيا لأي قرار يخص سورية له قيود أيضاً، حيث إن روسيا لا تريد أن تخدش النظام السياسي لبوتين في العالم في الظروف الحالية، وذلك في ظل تنامي موجة الاحتجاجات المعادية للحكومة في المدن الروسية الكبرى كما حصل في انتخابات الدوما الأخيرة.

لماذا تدافع روسيا بعناد عن سورية؟

وينبغي النظر إلى الشأن السوري بنوع من الواقعية لجهة أن موقعه يختلف كثيراً عن باقي البلدان العربية، وبعبارة أخرى إن بعض المجموعات المتواجدة تحت جناح المعارضة السورية والتي تحاول أن تصل إلى السلطة في سورية، قسم كبير منها مؤلف من المجموعات السلفية والإخوانية التي بإمكانها أن تحد من فضاء الحريات والديمقراطية في هذا البلد، كما أن شريحة مهمة من الشعب السوري والتي تشمل العلويين والدروز والأكراد والمسيحيين وحتى أهل السنة يمكن أن يواجهوا مصاعب جدية مع حكومة دينية سلفية وإخوانية، كما أن المسألة المهمة التي ينبغي الإشارة إليها هي أن كل ما يجري في سورية هو في الأساس من إنتاج مساعٍ قطرية وسعودية، واللتين تعتبران من أكثر الحكومات على وجه الأرض افتقاراً إلى الديمقراطية وحتى أن مفهوم الانتخابات في أدبياتهم السياسية يغيب عنهما، ولذلك فلربما في الشأن السوري لم يكن قلة هذا الفضاء جديا في سورية ولذلك ومن أجل فهم الأمور على حقيقتها ينبغي الاخذ بعين الاعتبار جميع حيثيات وأبعاد هذه المسألة.

على كل حال يسعى الرأي العام ووسائل الإعلام الغربية كي يقدم الدولة الروسية وكل الدعم المقدم من قبلها لدمشق، بصورة سلبية، في حين أن روسيا لا تزال تقف حتى الآن في وجه أي قرار يعادي سورية أو حتى أي مشروع قرار قد يصدر عن مجلس الأمن.
ومع كل هذه التفاسير التي قدمناها سابقاً، فإنه ليس من الواضح إلى أي مدى يمكن أن تستمر روسيا في عملية المعارضة أو استخدام الفيتو في مواجهة القرارات المتعلقة بسورية، ولهذا السبب فإنه ثمة احتمال بأن تتم عملية مساومة أو تسوية في الأزمة السورية والدخول في حوار مع بعض الأطراف الغربية، وأيضاً يمكن لروسيا أن تصوت إيجاباً لأي قرار أكثر اعتدالاً يخص سورية، لتبدأ مسألة التباحث مع المعارضة السورية في موسكو كي تجنب روسيا نفسها ضغط الرأي العام العالمي وتخفف من وطأة الأجواء الملتهبة في الداخل الروسي.

* أستاذ مساعد في الدراسات الروسية في جامعة طهران
ترجمة علي العبدالله ـ سورية

2012-06-21