ارشيف من :أخبار لبنانية
مراجعة «المستقبل» للحوار: السنيورة يقــدّم أوراق اعتماد
حسن عليق -"الاخبار"
عند كل محطة سياسية وأمنية، يعيش تيار المستقبل أزمة موقف وخيار. حتى اليوم، يرى مستقبليون أن أداء الرئيس سعد الحريري ليس سوى سلسلة من الأخطاء والإخفاقات. واليوم، ليس "لدينا أمل في اداء مختلف، ما دام القرار بيد الشيخ سعد".
مرة جديدة، تُدخل قيادة تيار المستقبل جمهورها في الإحباط. ليست المرة الاولى، وربما تكون هذه المرة الأقل أثراً على المستوى الشعبي. لكن الفصل الجديد من الإحباط الناتج من المشاركة في «الحوار الوطني»، فعل فعله على مستوى القيادات الوسطية والعليا. منذ العام 2008، أدمن تيار المستقبل الفشل والتراجع، لكن، من دون ان يمس ذلك كتلته الصلبة شعبياً. حلم إنشاء ميليشيا مسلحة لمواجهة حزب الله تبخر في شوارع بيروت خلال ساعات، مع عشرات ملايين الدولارات التي صرفت عليه.
التحريض على النظام السوري تحول فجأة إلى صداقة شخصية بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس سعد الحريري. والاخير ذهب في العلاقة مع قصر المهاجرين إلى حد الرهان على إبعاد النظام السوري عن حزب الله. وعندما ترأس الحكومة، ألّفها وفق شروط خصومه الذين اخرجوه منها بطريقة سيئة. وبعدما راهن بعض جمهوره وحلفائه عليه، لقيادة المعارضة، انسحب من لبنان بلا تاريخ محدد للعودة. حتى موقف الحريري مما يجري في سوريا لا يرضي الكثيرين من أنصاره. خلف الأبواب المغلقة، يذكّر هؤلاء بأن الحريري صمت أربعة أشهر عما يدور خلف الحدود الشمالية والشرقية. وخلال هذه الفترة، منع وسائل إعلامه من الجهر بمواقف معادية لنظام الأسد. وفي إحدى المرات، أوعز إلى أحد معاونيه للتبرؤ من نشاط أقيم في بيروت، دعماً للمعارضة السورية.
في المحصلة، اعتاد الحريريون الاحباط الذي يسببه لهم زعيمهم الغائب. وآخر هذا الاحباط، أتى من قصر بعبدا، وتحديداً من طاولة الحوار. قبل الجلوس خلفها، هاجمها المستقبليون. كان كلامهم يوحي بأنهم لن يقبلوا المشاركة. ربطوا بينها وبين إسقاط الحكومة، رافعين السقف إلى مداه الأقصى في لقاء 14 آذار في منزل الحريري في وسط بيروت. كانت كتلة المستقبل النيابية قد حصلت من الشيخ سعد على تعهد بأن يسلك طريق إسقاط الحكومة حتى نهايته. ثم أتت رسالة الملك السعودي إلى رئيس الجمهورية. يسأل مستقبليون: «لو أننا لم نطلع على رسالة الملك، لكان مقبولاً أن نقول إننا رافضون للحوار. ولو أننا أعلنا رفض الحوار، ثم اتت رسالة الملك، لكنا أعلنّا بصراحة أننا سنشارك نزولاً عند رغبة الملك. لكن ان تصل الرسالة، ونستمر بوضع شروط على المشاركة، ثم نشارك من دون أي شرط، فهنا قمة الغباء السياسي».
وهذا التوجه، يضيف مستقبليون، «دفع حلفاءنا في القوات إلى عدم المشاركة، محرجين، بعدما ذهبوا بعيداً في مجاراتنا رفضاً للحوار». وهكذا، ظهر الحريري من جديد في مظهر من لا يمكن الاعتماد عليه.
الفصل الجديد من الاداء السياسي الخاطئ، بحسب مستقبليين، لم ينته عند أصل الجلوس على طاولة الحوار، بل تعداه إلى ما جرى في الجلسة، واداء الرئيس فؤاد السنيورة فيها. والاخير، كان «العقل الراجح» للتيار خلال السنوات الماضية في رأي الناشطين الزرق. لكنه هذه المرة، لم يكن على قدر توقعاتهم. برأيهم، تخطى السنيورة التفويض المعطى له، من خلال الموافقة على إعلان بعبدا، مجاناً. حتى المحكمة الدولية لم ترد في الإعلان. وحده ذِكر اتفاق الطائف كان الغُنم، في مواجهة دعوة السيد حسن نصر الله إلى عقد مؤتمر تأسيسي.
بصمة الرئيس الأسبق للحكومة على إعلان بعبدا فجّرت موجة غضب في وجهه داخل أروقة المستقبل. وخلال الأسبوع الماضي، عُقِد اكثر من اجتماع «كاد الصراخ في بعضها أن يصل إلى الشارع». المشكلة لدى بعض الحريريين أن السنيورة تفرد بقرار الموافقة على إعلان بعبدا. «ما كان يجب أن يوافق على هذا الإعلان، قبل التشاور معنا»، يقول بعض هؤلاء، مضيفين: «لم نجد تفسيراً لما قام به، إلا أنه يقدّم أوراق اعتماد للطرف الآخر، للقول إنه ملتزم بثوابت تسمح له بالعودة إلى السرايا الحكومية مستقبلاً».
ما جرى قد جرى. ماذا عن اليوم، وغداً؟ «لا شيء»، يجيب أحد نواب المستقبل. «سنعود إلى طاولة الحوار، وسنضغط باتجاه وضع سلاح حزب الله عليها». وماذا لو رأيتم أن البحث في هذه المسألة لا يجدي؟ هل ستقصدون السعودية لتقولوا إن الحوار غير نافع؟ يجيب النائب نفسه: «لن نفعل ذلك، فالسعودية «ملهية» بشؤونها بعد وفاة ولي العهد». زميل له يؤكد أن المشاركة في الحوار مستمرة، إلى أن يُرفَع سيف الأمر الملكي عن الحريري.
وحتى ذلك الحين، يضيف سياسيون من 8 آذار، سيكرر المستقبل ما قام به بعد الجلسة الماضية للحوار: أراد الهروب من الإحراج الذي تسبب به لنفسه، فلجأ إلى التحريض من زاوية مداخلة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة في طاولة الحوار، والقول إنها تضمنت تهديداً بالحرب الأهلية. فعل المستقبل ذلك، رغم أن مشاركين في الحوار، سواء من فريقي الانقسام السياسي أو من «الوسطيين»، أكدوا ان مداخلة رعد كانت هادئة، وانه حذّر من استمرار الوضع الراهن، «ومغامرة البعض بأمن البلاد، وكأن الحرب الأهلية نزهة». وأكّد مشاركون في الطاولة أن رعد تحدّث من زاوية من يخشى على البلاد من الحرب لا من يهدد بها. لكن المستقبل قرر استخدام هذا الكلام للتحريض، لتغطية الخطأ الذي أوقع فيه نفسه وجمهوره. وصار بإمكان من يجالس مستقبليين أن يسمع منهم بوضوح: «هذه الاخطاء لن تكون الاخيرة، ما دام قرارنا في يد سعد الحريري».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018