ارشيف من :أخبار لبنانية
الرؤية الروسية للحل في سورية.. فرز حقيقي بين دعوات الحوار والعسكرة
عيسى الشمّاس-"الثورة" السورية
دعت روسيا الاتحادية إلى عقد مؤتمر دولي حول الوضع في سورية ، والإسهام في إيجاد الوسائل المناسبة لإنجاح خطّة / كوفي عنان / لحلّ الأزمة السورية . صدرت تلك الدعوة عن وزير الخارجية الروسيّة السيد / سيرغي لافروف / في أثناء مؤتمره الصحفي الذي عقده في الثامن من شهر حزيران الحالي ، مؤكّداً على ضرورة حضور إيران هذا المؤتمر ، بوصفها قوّة إقليميّة ومعنية بأمن المنطقة واستقرارها.
وضمن إطار هذه الدعوة، جرت اتصالات بين الخارجية الروسية وكلّ من الخارجية الأمريكية والفرنسية، كما قام السيد / لافروف / بزيارة إلى طهران يوم الأربعاء ( 13/6/2012 ) ، وزيارة إلى بغداد يوم الجمعة ( 15/6/2012 ) وبحث مع المسؤولين الإيرانيين والعراقيين إمكانية عقد هذا المؤتمر، على أساس العمل التكاملي وتحمّل المسؤولية الجماعيّة، ولا سيّما من قبل الدول المجاورة لسورية، والدول التي لها علاقات مباشرة مع الدولة السورية ، ويمكن أن يكون لها دور فاعل في حلّ الأزمة السورية من خلال تقديم المساعدة الممكنة لإنجاح مهمة السيد / عنان / .
وفي المؤتمرين الصحفيين اللذين عقدهما السيد/ لافروف / مع السيد/ علي أكبر صالحي/ وزير خارجيّة إيران ، ومع السيد / هوشيار زيباري / وزير خارجيّة العراق ، تمّ التأكيد على وقف العنف والتوقّف عن دعم العصابات المسلّحة ، وإعطاء الفرصة للسوريين لحلّ مشكلتهم بأنفسهم من خلال الحوار للتوصّل إلى الحلّ السياسي/ السلمي ، مع رفض أي تدخّل خارجي في الشؤون السوريّة. وأكّدت الخارجيّة الروسية دعوتها للمؤتمر الدولي حول سورية في نهاية حزيران الجاري ، واستعداد روسيا لاستضافة هذا المؤتمر في موسكو ، أو عقده في أي مكان تقترحه الدول المشاركة .وتأتي هذه الدعوة متلازمة مع فكرة / كوفي عنان / لتشكيل مجموعة اتصال بشأن سورية من الدول المعنية بالوضع السوري ، تكون مهمّتها اتخاذ الإجراءات المناسبة لتنفيذ خطّته وإنجاح مهمّته، التي أوكلها إليه المجتمع الدولي ممثّلاً بمجلس الأمن ، الذي طالب الجهات المعنية بالأزمة السورية أن تقدّم المساعدات اللازمة للمبعوث الدولي..
وبالنظر إلى طبيعة المؤتمر الذي دعت إليه روسيا ، فإن عمله ينطوي على اتجاهين أساسيين ؛ الاتجاه الأول مع الدولة السورية ، والاتجاه الثاني مع المعارضة عامة والمعارضة المسلّحة خاصة، من أجل إيجاد القواسم المشتركة التي يمكن أن توفّر المناخ السليم لإنهاء حالة العنف والمواجهة المسلّحة، والتوصّل إلى حلّ يضمن وحدة سورية وسيادتها ، بعيداً عن أي شكل من أشكال التدخّل الخارجي ، ومن أي جهة كانت، بحيث يتحاور السوريون بفئاتهم المختلفة، ويقرّرون مستقبل بلدهم على أسس ديمقراطية ومشاركة جماعيّة. وإذا كان المؤتمر الموعود ذا طابع دولي ، ويمكن لأي دولة أن تشارك فيه إذا رغبت، فإنّ ما يثير الاستغراب والتساؤل، أن تبدي بعض الدول العربية والأجنبية التي تقف إلى جانب المعارضة المسلّحة، قلقها من دعوة إيران لهذا المؤتمر، أو بالأحرى رفض بعض الدول مشاركة إيران في المؤتمر، مع أنّ إيران دولة لها وزنها الإقليمي ، وتمتلك كثيراً من الأوراق الإيجابية (الخضراء والحمراء ) التي يمكنها أن تلعب بها من أجل إيجاد الحلول المناسبة للأزمة السورية ، ولا سيّما أنّ لها علاقات طيّبة مع الدولة السورية ، وتحرص على إنهاء الأزمة بالطرائق السلميّة ، وإعادة الأمن والاستقرار للشعب السوري .
ولكن إذا كان رفض مشاركة إيران في المؤتمر الذي دعا إليه السيد/ لافروف / أو في مجموعة الاتصال التي اقترحها السيد / عنان / بحجّة أنّ إيران تمثّل طرفاً منحازاً إلى الدولة السورية ، فكيف يمكن قبول مشاركة دول تجاهر علانية بدعم المعارضة وتسليحها ، وتؤيّد تصعيد عملياتها الإرهابية ، كما تفعل ( أميركا وفرنسا وتركيا، والسعودية وقطر..) وغيرها من الدول التي تموّل الجهاديين (المرتزقة) الإرهابيين ، وتتعامل بشكل فاضح مع عصابات اسطنبول التي ترفض أي حوار مع الدولة السورية الوطنية ، وتتمسّك بنظرية وهمية /تحريضيّة تدعو إلى إسقاط ( النظام ) بالقوّة المسلّحة ولو كان ذلك بفعل التدخّل العسكري الخارجي .
فإذا كانت تلك الدول التي تدّعي حرصها على سورية وحلّ أزمتها بالطرق السلمية / السياسيّة، صادقة في نواياها، وإن كان يشكّ فيها ، فإنّ عليها أن تظهر ذلك الحرص على أرض الواقع ، حيث المحكّ الفعلي لترجمة ادعاءاتها ، ليس بمعارضة المشاركة الإيرانية بل بدعوتها إلى المشاركة ، سواء في المؤتمر أم في مجموعة الاتصال ، لوضعها أمام مسؤولياتها الإقليميّة والدولية ، وسيجدون أنّها أهل لذلك . كما يمكن دعوة أية دولة ترغب في المشاركة بنية صادقة لحلّ الأزمة السورية ، بدلاً من مجموعة ما يسمّى (أصدقاء سورية ) وهم في حقيقة الأمر يقفون بانحياز تام إلى جانب قلّة من الشعب السوري الممثّلة في المعارضة المسلّحة التي أخذت بأسلوب العنف والإرهاب بدلاً من الحوار الوطني السلمي، ويتجاهلون في المقابل الأغلبية الساحقة من الشعب السوري الرافض للإرهاب والمؤيّد للحوار والخطوات الإصلاحية وبناء الدولة الحديثة .
لا شك إنّ انعقاد هذا المؤتمر الذي قد تنبثق عنه مجموعة اتصال بشأن سورية، سيكون مناسبة لعملية فرز دولي حقيقيّ بين من يريد حلّ الأزمة السورية بالطرائق السلمية ، وبين من يريد تصعيد التوتّر وأخذ البلاد إلى مزيد من سفك الدماء السورية، وسيكون المؤتمر بالتالي فرصة ليثبت المجتمع الدولي أنّه في مستوى المسؤوليّة الأخلاقية والإنسانية التي بني عليها ميثاق الأمم المتحدة ، وفي مقدّمتها عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للأعضاء، ولا سيّما مسؤوليّة تلك الدول التي تدّعي أنّها تمثّل المجتمع الدولي لاتخاذ موقف محايد وموضوعي لمعالجة الوضع السوري، تحت مظلّة دولية نظيفة. أمّا سورية ، فإنّها ترحّب بأي جهد صادق ومخلص يسهم في إنهاء الوضع الراهن، والتخلّص من عمليات العنف والإرهاب، وتشجيع الحوار الوطني المسؤول بين أبناء الوطن الحريصين على مصلحة وطنهم وشعبهم، ومنع التدخلات الأجنبية مهما كانت طبيعتها ، ومن أي جهة كانت ، لإيقاف نزيف الدم السوري وتفادي خطر الانزلاق نحو حرب أهلية أو( طائفيّة ) كما يروّج المحرّضون، ولم يدركوا أنّ آثار ذلك ستكون كارثية،لا قدّر الله ، على المنطقة بكاملها خدمة لمشاريع أجنبية . ولكن السوريين الشرفاء يدركون أنّ مصلحة الوطن هي الأعلى ، وسيادة الوطن هي الأغلى ..!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018