ارشيف من :أخبار لبنانية
هكذا وُلدت فكرة تطيير الحكومة... وهكذا تمّ إحباطها
عزفٌ «رئاسي» على لحن التغيير... والأكثرية لن تذهب إلى الفراغ
نبيل هيثم - صحيفة "السفير"
تقول «قوى 14 آذار» بالفم الملآن، إن اسقاط الحكومة بأي ثمن وأي طريقة، هو هدفها الذي لن تحيد عنه منذ اسقاط حكومة سعد الحريري واليوم وغدا وحتى آخر لحظة تسبق الانتخابات النيابية المقبلة. وفي المقابل، فإن «قوى 8 آذار» وبقية مكونات الحكومة، من وليد جنبلاط الى «الوسطيين»، يدافعون عن الحكومة بوصفها أفضل الممكن تثبيتا للاستقرار ولمنع استئثار الفريق الآخر من الآن وحتى انتخابات العام 2013.
وبين هذا وذاك، فاجأ نجيب ميقاتي خصومه بأنه استطاع منذ «يوم الغضب الأسود» الشهير قبل سنة ونصف السنة وحتى أحداث طرابلس وعكار وبيروت الأخيرة، احتواء تلك المطبات وأن يقلبها لمصلحته بدلا من ان تكون ضده، كما سعى المخططون الذين اعتقدوا ان هزّ الاستقرار، خاصة في «بيته الطرابلسي»، سيزرع فيه الخوف ويحمله على الاستقالة. لكن نجيب ميقاتي قرأ في تلك التطورات قرارا خفيا يقضي باسقاط حكومته، عبر سيناريو اشبه ما يكون بسيناريو اسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي في أيار 1992، الذي مهّد آنذاك لانطلاقة الحقبة الحريرية بعد «استراحة انتخابية قصيرة» مع حكومة الرئيس رشيد الصلح.
بعد هذا الفشل، يقول متابعون للمسار الحكومي الحالي، تم الانتقال الى اعتماد تكتيك آخر يقوم على نسج خيوط اسقاط الحكومة بعيدا عن الضوء. وتردد في هذا الاطار، ان سياسيا لبنانيا زار السعودية في الأسابيع الأخيرة، والتقى رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري الذي اكد له انه آن الأوان لاسقاط حكومة ميقاتي «مهما كلف الامر».
الامر نفسه اكده الحريري خلال لقائه قوى «14 اذار» على هامش الزيارة التي قام بها وفد منها لجدة للتعزية بوفاة ولي العهد السعودي الامير نايف بن عبد العزيز. لم يكن الحريري آنذاك في وارد المشاركة في «هيئة الحوار الوطني»، وكان له موقف اعتراضي على ما صدر من عين التينة بعد لقاء الرئيس نبيه بري والسفير السعودي علي عواض العسيري حول الحوار. كذلك عبر الحريري عن هذا الاعتراض امام سليمان خلال زيارة الاخير للسعودية مطلع شهر حزيران الحالي، وبحضور وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل.
يومها، حدد الحريري شروطه للمشاركة في الحوار، ومنها تنفيذ ما اتفق عليه في الحوار سابقا، وحسم قضية سلاح «حزب الله» وتشكيل حكومة جديدة. تلك الشروط دفعت سليمان الى القول انه تمنى على الحريري المشاركة، لكنه لم يتبلغ منه لا رفضا ولا قبولا. تلك الشروط نفسها تم النص عليها حرفيا في بيان «كتلة المستقبل» الذي خرج بنبرة حادة من الحوار، قبل ان يتم تعديلها سريعا واخضاعها للرغبة الملكية الواردة في برقية الملك عبد الله بن عبد العزيز للرئيس سليمان.
في تلك الفترة، كما يقول المتابعون للمسار الحكومي، حصلت حركة تواصل بين بيروت والرياض، وتبين أن بعض المستويات في المملكة كانت تعمل على انضاج طبخة حكومية. وربطا بذلك ثمة من يقول ان احدى الشخصيات السياسية اللبنانية السنية غير الحريرية، قد تم استدعاؤها الى المملكة وتم التباحث معها في امكان ترؤس الحكومة الجديدة. اما التغيير فيتم كنتيجة للحوار الوطني.
وفي سياق مكمل، جاء موقف احد الوزراء الوسطيين المعروف بعلاقاته الوثيقة بالمملكة ليؤكد «ان حكومة الانقاذ يمكن ان تتشكل بعد الحوار وليس قبله». وعلى هذا الاساس، تدرج موقف «قوى 14 آذار» من رفض المشاركة في الحوار الى المشاركة ومن ثم الموافقة على «اعلان بعبدا». وكان الواضح ان الهدف من الحوار لم يكن السلاح، بل الحكومة.
ويشير المتابعون الى أن الموضوع الحكومي كان في صلب محادثات سليمان في السعودية، وربطا بتلك المحادثات نقلت شخصية سياسية لبنانية بارزة الى بعض المراجع في الاكثرية قبيل انطلاق الحوار، اشارات عن مسعى جدي كي يشكل الحوار جسر عبور الى حكومة جديدة. وثمة من اخذ على عاتقه مفاتحة وليد جنبلاط، ويقال ان ذلك قد تم، علما بأن ما بدر عن جنبلاط في ظل هذه الاجواء، عكس تمسكا بميقاتي بقوله قبل فترة انه سيعيد تسمية ميقاتي لرئاسة الحكومة، وبتأكيده قبل ايام لـ«السفير» ان لدينا رئيس حكومة ممتازا، «فقط اعطوه شوية معنويات».
هذا التوجه التغييري حرّك مشاورات مكثفة في أوساط الاكثرية المكونة للحكومة، انتهت الى تشكيل مظلة حماية لها، ومن هنا جاء القرار بتفعيل العمل الحكومي، ولم تحمل لقاءات الثلاثي الوزاري محمد فنيش وعلي حسن خليل وجبران باسيل مع رئيس الحكومة اشارة اعتراضية شديدة الوضوح على ما تجري حياكته في بعض الكواليس، فحسب، بل حملت قرارا صريحا بقطع الطريق على اي محاولة للمس بالحكومة، تعديلا او تغييرا. وثمة من اكد ان تغيير الحكومة تحكمه آليات معينة، ان بنزع الثقة في مجلس النواب او باستقالة اكثر من ثلث اعضائها او باستقالة رئيسها. وأي من هذه الاحتمالات غير وارد، فلا الاكثرية في وارد نزع الثقة بل العكس في وارد تعزيزها اكثر، ولا الاكثرية في وارد استقالة اكثر من ثلث وزرائها.
كما ان رئيس الحكومة الذي يضع الموقف الدولي ركيزة في مقاربته للكثير من القضايا، يدرك أن التغيير الحكومي ليس مطلوبا لا دوليا ولا من قبل أي جهة اقليمية وازنة، وبالتالي هو ليس في وارد الاستقالة، ما دامت الحاجة الدولية والاقليمية للاستقرار اللبناني قائمة، علما بأنه بات يدرك ان مساحة الدعم الغربي له اميركيا واوروبيا قد شهدت اتساعا ملحوظا في الآونة الأخيرة، وخاصة من قبل الاميركيين الذين باتوا يعتبرون حكومته عنصر امان واستقرار للبلد، فضلا عن دعامتين اساسيتين هما حاكمية مصرف لبنان وقيادة الجيش اللبناني.
ويشير المتابعون للمسار الحكومي الى أنه مع سفر ميقاتي الى البرازيل، غداة الجولة الحوارية الأولى، شكل الموضوع الحكومي عنوان مشاورات اجراها رئيس الجمهورية مع القوى السياسية ليكون هذا العنوان على مائدة الحوار، قائلا بوجوب «ان نعطي للناس اشارة ايجابية. تعديل حكومي. تغيير حكومي، أي شيء. المهم ان نخرج بايجابيات»، الا ان قوى الاكثرية رفضت مقاربة موضوع الحكومة في «هيئة الحوار»، علما بأن هذا الموقف الرئاسي تزامن مع محاولة قامت بها سفارة دولة خليجية مؤثرة لتقصّي ما اذا كانت الاكثرية بصدد الموافقة على طرح الملف الحكومي على طاولة الحوار، خاصة ان تلك السفارة، شكت من أن اداء الحكومة الميقاتية «يعاني الضعف والبطء وقلة الانتاجية».
ومع عودة ميقاتي من البرازيل، تجدد مسعى التفعيل الحكومي، وبالتالي تم اخراج الموضوع الحكومي من التداول، من دون ان يستبعد قيادي بارز في الاكثرية ان يكون إخراجا موقتا وان يعيد فريق التغيير المحاولة من جديد.
ويلخص القيادي ما حصل في الآونة الاخيرة بقوله: «لقد لمسنا ان هناك اكثر من طرف محلي واقليمي يحاول تلمّس المناخ السياسي للاكثرية، لجهة ما اذا كان مؤاتيا لخوض معركة اسقاط الحكومة ام لا، ونستطيع القول ان تماسك موقف الاكثرية شكل سدا امام محاولات اسقاطها، لأن البديل هو المجهول والفراغ».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018