ارشيف من :ترجمات ودراسات

سباق التسلح في الخليج

سباق التسلح في الخليج
بقلم أحد رضايان قيه باشي
عن موقع ir .tabnak


باعت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2011 ما مجموعه 57 مليار دولار من تجهيزات عسكرية لست دول خليجية عربية في منطقة الخليج "الفارسي"حيث يشكل هذا الرقم 60% من مجمل الأسلحة الأمريكية المباعة في هذا العام.

وطبقاً لتقارير وزارة الدفاع الأمريكية، فإن المملكة العربية السعودية في أواخر عام 2011 أوصت وزارة الدفاع الأمريكية بما قيمته 18 مليار دولار كثمن للتسليح العسكري، وكما إن الإمارات العربية المتحدة عقدت اتفاقية منظومة الدفاع الصاروخي مع الولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 3 مليارات دولار، وعلى الرغم من أن أغلب دول منطقة الخليج لا تقدم إحصائيات واضحة عن شرائها للأسلحة، فإن الجدول أدناه ـ الذي تم وضعه بمساعدة المراكز الرسمية المصدرة للأسلحة يظهر إلى حد ما حجم واردات الاسلحة إلى دول الخليج، من قبل الدول الكبرى بين عامي 2000 حتى 2010م:
سباق التسلح في الخليج

الأرقام بمليون دولار / Source: SIPRI Military Expenditure Database,

كما إن الجدول أدناه يشير إلى تكاليف التسليح للدول الخليجية كنسبة مئوية من الناتج المحلي الاجمالي، بعبارة أخرى، إن الجدول أدناه، يبين مقدار الاستهلاك المئوي من الناتج المحلي الإجمالي في كل من هذه البلدان، ويشير إلى استهلاك شراء الأسلحة والنفقات العسكرية مقارنة مع معدل شراء دول العالم.


سباق التسلح في الخليج

كما هو ظاهر من الجدول أعلاه، فإنه باستثناء بلدين هما ايران والعراق، اللذان لا يمتلكان إمكانية الشراء نظرا للعقوبات المفروضة عليهما سواء أكانت احادية الجانب أو متعددة، في حين أن دولا أخرى شملتها الدراسة تحظى بأعلى تصنيف في شراء المعدات العسكرية مقارنة بالمعدلات العالمية، لا سيما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية اللتان تحظيان بملاءة مالية عالية ناجمة عن الإيرادات المرتفعة من الربح الآتي من بيع النفط ـ فإنهما من أكثر الدول شراءً للأسلحة خلال هذه المدة.
رغم أن الدول النفطية تؤمن احتياجاتها من الأسلحة من الأسواق الأوربية والآسيوية والأمريكية، فإنه في الوهلة الأولى تظهر الولايات المتحدة الأمريكية كمحتكر لبيع الأسلحة في منطقة الخليج.
سباق التسلح في الخليج

واستناداً للإحصائيات المتعلقة بحجم بيع وشراء الأسلحة في العقد الأخير في منطقة الخليج الفارسي، فإنه يمكن أن نطرح النقاط التالية:

1- إن سباق التسلح في منطقة الخليج الفارسي هو في حالة اشتداد. لإثبات هذه الظاهرة المتزايدة، فإنه بالإمكان الاستفادة من الاحصاءات الرسمية المذكورة أعلاه حتى أواخر عام 2008، حيث تدل هذه الإحصاءات على الاهتمام المتزايد من قبل الدول العربية في منطقة الخليج بالشراء المرتفع من الأسلحة ومن ضمنها توصية عُمان والمقدرة بـ 5.3 مليارات دولار لوزارة الدفاع الأمريكية من أجل التسليم في أواخر عام 2011، إضافة إلى قيام وزارة الدفاع الأمريكية ببيع 209 صاروخ باتريوت بقيمة 900 مليون دولار إلى الكويت في أوائل عام 2011 وتوصية الحكومة الكويتية ببعض المعدات العسكرية من أمريكا، وفي النهاية، فإن عمليات الشراء والتوصيات الضخمة التي تقوم بها كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة عام 2011 وحتى عام 2012، تشير في مجملها إلى رواج سباق التسلح في منطقة الخليج الفارسي.

إضافة إلى هذه الاحصاءات التي حاولنا بعرضها أن نشير بشكل ملموس إلى شيوع سباق التسلح في المنطقة، مع الاعتماد على مسألة اشتداد الأحداث السياسية في المنطقة والخوف التاريخي للدول العربية في المنطقة من "النهوض" الإيراني، كل ذلك أدى إلى تشجيع تلك الدول إلى التغلب على مخاوفها من خلال شراء المزيد من الأسلحة الثقيلة، واستناداً لآخر تقارير مقدمة من جانب الشركات المصدرة للأسلحة، فإن منطقة الخليج " الفارسي" تشهد نمواً متزايداً لجهة شراء الأسلحة، مقارنةً مع باقي مناطق العالم في نفس المدة الزمنية وذلك مع شراء بأكثر من مئة مليار دولار من المعدات العسكرية عام 2010 و2011 مقارنة مع سنة 2007 التي شهدت شراءً بأكثر من 53 مليار دولار، بناءً عليه فإن المقال الحالي يؤكد ازدياد الانفاق على التسلح في المنطقة اعتمادا على منهج تاريخي ـ تطبيقي (المقارنة والتحليل) كآلية لسباق التسلح وكأداة بيد القوى العظمى في المنطقة وذلك من أجل الحد من تنامي قوة إيران في المنطقة.

سباق التسلح في الخليج

كما أننا في هذا المقال حاولنا أن نصل عن طريق التحليل الإحصائي إلى تبيان أن التحليل السياسي أكثر قابلية للفهم من لغة الأرقام والإحصاءات.

2- باعتبار أن عملية بيع الأسلحة ذات ريعية وربحية للدول فإنها ترفع من مقدرة شراء أسلحتها لصالح الدول الراغبة فيها وهذا الأمر يكفل قضية استمرارية التسابق نحو التسليح، والجميع يعلم أن اقتصاد كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والعراق وإيران مرتبط بشكل مباشر بالإيرادات الآتية من بيع النفط والغاز، بحيث إن أكثر من80 % من الإنفاق الحكومي يأتي من أماكن بيع النفط والغاز، ولا يمكن أن نتخيل أي عملية شراء أو استثمار من دون عوائد ناجمة عن بيع النفط أو الغاز، فمنطقة الخليج الفارسي تحتل دائما المرتبة الأولى بين باقي دول العالم وذلك مع امتلاكها 2/3 من الاحتياطي النفطي العالمي وأكثر من 30% من احتياطي الغاز العالمي. وهذه البلدان منذ أوائل القرن العشرين وحتى اليوم عملت على استخراج وبيع هذه المادة الخام حسب إمكاناتها واستخدمت هذه الطريقة من أجل تغطية إنفاقها الجاري.
3- تحتكر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها تصدير الأسلحة في المنطقة. ولتأكيد هذه المسألة يمكن أن نستخدم أيضا الجداول المعروضة وكذلك النظر إلى أحداث وتطورات المنطقة ولا سيّما انهيار الاتحاد السوفيتي وأحداث 11 أيلول والتواجد العسكري الأمريكي في الخليج الفارسي وذلك لنفهم أكثر هذا الاحتكار.

لماذا ظهر سباق التسلح في الخليج الفارسي؟ عند النظر إلى الإحصائيات المقدمة وتطبيق النظريات الواقعية حول ظروف ومزايا هذه النوع من السباق وفي الإجابة عن هذا السؤال، لماذا ظهر سباق التسلح في منطقة الخليج الفارسي، فإنه يمكننا أن نذكر النقاط التالية:
1- تخشى الولايات المتحدة الأميركية من السياسات الايرانية في دول عربية عدة، فضلا عن تشجيعها لنهج معاداة إيران والتخوف منها، والهدف من ذلك هو خلق حالة التصادم مع إيران، بناءً عليه فإن البدء بسباق التسلح إضافة إلى التعزيز العسكري للدول الخليجية المذكورة في مواجهة إيران، سيؤدي إلى مزيد من استنزاف الموارد الاقتصادية الإيرانية. وبعبارة أخرى إنه بعد الحرب العالمية الثانية ولا سيما نهاية الحرب الباردة فإنه لم تلق سياسات الهيمنة الأمريكية في منطقة الخليج الفارسي أي معارضة، ولذلك فإن أمريكا وحلفاءها انتهجوا سياسة التخلص من معارضيهم بطريقتين؛ الأولى هي استخدام سلاح العقوبات والثانية هي بدء سباق التسلح من أجل استنزاف موارد وثروات الدول المستوردة بما يمكن أن يساهم في تكريس نفوذها وهيمنتها في المنطقة.

2- تثير أمريكا العداوات الحدودية والقومية والدينية بين دول حوض الخليج الفارسي كي تدفعهم إلى البحث عن كيفية الحفاظ الدائم على قوتهم العسكرية في سبيل الدفاع عن حدودها ومواردها، وذلك بالاعتماد على سياسة إشاعة مناخ من الفوضى بين تلك الدول، خصوصاً مع إيجاد الكيان الصهيوني في المنطقة ودعمه من قبل الغرب والولايات المتحدة الأمريكية ودول المنطقة من أجل الخوف من العدوان الإسرائيلي على أراضيهم الأمر الذي يدفعها إلى شراء المزيد من الاسلحة الثقيلة، ومع انهيار الامبراطورية العثمانية أُحدثت تقسيمات حدودية ناجمة عن الحرب العالمية الأولى والثانية أدت إلى إحداث كنتونات سياسية غير طبيعية بين الدول العربية من الناحية الحدودية والقومية والعرقية حيث تحولت هذه المسألة مع ظهور الحركات والأيديوجيات العربية والإسلامية إلى تحد كبير بالنسبة لكيانات هذه الدول، ورغم كل محاولات بعض الشخصيات التاريخية كجمال عبد الناصر لإضعاف هذه الحدود غير الطبيعية لكنها بقيت حتى يومنا هذا وأدت أيضا إلى أن يقوم العراق بحملة عسكرية على الكويت أو قيام انتفاضات فلسطينية ونزاع بين العرب والكيان الصهيوني فضلا عن الخلافات الحدودية بين الدول العربية.

تبعات سباق التسلح

في الإجابة على ما يمكن أن يحمله نزاع في المنطقة من مضاعفات وتبعات في سباق التسلح، فإننا نعرض عدة نقاط:

1- انخفاض حجم التعاون بين دول المنطقة سيكون ناجماً عن إشاعة جو من عدم الثقة بين الدول كما شهدنا ذلك أبان الحرب الباردة بين القوتين العظميين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وتصديقا لذلك في منطقة الخليج الفارسي فإنه يمكن الإشارة إلى عدم مشاركة إيران في مجلس التعاون الخليجي وخفض حجم التبادل الاقتصادي بين ايران والإمارات العربية المتحدة في الأشهر الأخيرة وكذلك اتخاذ مواقف مختلفة وأحيانا متناقضة للدول الخليجية تجاه إيران حتى ان الجميع كان ميالا أكثر نحو تأييد الاختلاف معها أكثر من التقارب.

2- استنزاف الموارد المادية لكل بلد مستورد للأسلحة تذهب لشراء أسلحة غير ضرورية فضلا عن تكبدها تكاليف ضخمة لصيانة هذه الأسلحة، كما أن أكثر عمليات الشراء الضخمة لهذه الدول تتضمن معدات عسكرية كالمقاتلات والمروحيات والصواريخ المتطورة حتى إن صيانتها تحتاج أيضا إلى فنيين ذوي خبرة، بناءً عليه فإن شراء هذه الاسلحة وكذلك صيانتها تحتاج إلى كم كبير جدا من المال.

سباق التسلح في الخليج

3- سيادة مناخ من النزوع نحو "العسكرة " في المنطقة والتي أدت إلى إحلال الطرق والحل العسكري بدلاً من الحلول الدبلوماسية وفي مثل تلك الظروف فإن المؤسسات العسكرية ستكون ذات تأثير لاتخاذ قرارات تمس السياسة الخارجية بحيث تتحول فيها لغتها الدبلوماسية إلى لغة القوة، وقد رأينا ذلك بشكل واضح في الحرب الباردة، حيث كانت أجهزة السياسة الخارجية لكل من القوتين العظميين تحت تأثير مباشر من الجيش.

4- تدخل القوى الاقليمية في شؤون المنطقة بحجة ضمان أمن مواردها ـ ولا سيّما في منطقة الخليج الفارسي ـ وفي مقدمة تلك الدول أمريكا وبريطانيا، حيث إن التوترات يشتد أوارها مع حدوث سباق التسلح كما هو الحال في منطقة الخليج الفارسي حيث إن موارد كثير من هذه البلدان التي تعتمد على مصادر الطاقة، هي في خطر، وعليه فإن حدوث سباق تسلح، يمكن أن يكون ذريعة لتواجد منطق القوة في المنطقة، فضلا عن التواجد العسكري الأمريكي أيضا في قواعد عسكرية عديد في البلدان العربية ـ والتي ترى فيها إيران خطرا عليها.

5 ـ خلق حالة من التوتر في المنطقة، وذلك لجهة أن بعض القضايا الجزئية والصغيرة تتحول فيما بعد إلى توترات شاملة كما حدث في الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإيراني إلى جزيرة أبو موسى أو المسألة المتعلقة بمضيق هرمز. وبعض هذه التبعات المباشرة تزيد من احتمال وقوع الحرب بين الدول المتنافسة.

ترجمة علي العبدالله ـ سورية
2012-06-29