ارشيف من :أخبار لبنانية

الخميني: واحد من حملة الرسالات التي زعزعت أركان الظلم

الخميني: واحد من حملة الرسالات التي زعزعت أركان الظلم
غازي خير بك* ـ "الديار"

كان ذلك في آخر العقد السابع من القرن الفائت، عندها كنت مع الكثير من ابناء هذه الامة في ضيافة لدى احد الانظمة حيث اكرمنا فانزلنا في زنازين تشبه القبور، ولكن وبرغم ذلك كنا نلتمس لظلامنا الاعذار. فهم لم يفلحوا في بناء المدارس والجامعات، وانما في بناء السجون، والمثل العربي يقول: «الجود من الموجود». انذاك كان الزمن قد توقف بالنسبة لنا، وكانت قطيعه مع العالم الخارجي ما خلا صوت مذياع صغير يحمله الحارس الذي يروح جيئة وذهابا امام زنازيننا، ومنه تناهى الى اسماعنا لاول مرة اسم ذلك القائد العظيم «الخميني» وبعد ان عرفناه وعرفنا الخطوط العامة لمراميه واهدافه بدأ اسمه يدخل مسامعنا فيثلج صدورنا وكأنه نسمة ظهرة في يوم صيفي قائظ.

اخلي سبيلنا بعد حسن ضيافة نحسد عليها وخرجنا الى الهواء الطلق، لنجد ان اخبار الثورة الايرانية قد ملأت الدنيا وشغلت الناس، وبسرعة عدنا الى قواميسنا التي سبق واعدها ستالين وفتحنا باب الثورة فصل الخميني فلم نجد لهذا المصطلح اثرا، فانقسمنا على الفور بين من آثر الارتباط بالقاموس وانتهى به الامر الى احضان اعداء الانسانية، ومن تعلق بشجرة الحياة المتجددة ابدا ورفض ان تفصل الثورات على مقياس واحد فرأى في الثورة الايرانية واحدة من اعظم الثورات في العصر الحديث وفي «الخميني»، اماما للثوريين والمستضعفين على امتداد هذه الارض التي ملأها الظلم والجور. كانت بوصلة الثورة تشير بما لا يدع مجالا للشك الى انها سلكت السبيل القويم، وقد تجلى ذلك في اول قرار اتخذته بطرد السفارة الصهيونية من طهران واحلال سفارة لفلسطين بدلا منها، واعلان قائد الثورة «الامام الخميني» ان «اسرائيل» غدة سرطانية يجب اجتثاثها، ولقد قرأ اعداء الثورة على امتداد العالم الرأسمالي هذه الرسالة جيدا وفهموا ان استهداف اسرائيل التي ليست سوى قاعدة متقدمة لنظام الاستكبار العالمي الظالم، انما هو استهداف لهذا النظام برمته، فبادروا على الفور الى شن حرب بربرية ظالمة جمعت كل رموز الظلم في هذا العالم اللامتحضر واستخدمت جلاد العراق انذاك كرأس حربة من اجل تدمير شعب لم يرتكب اي ذنب سوى انه اراد ان يخلع نير الذل عن عاتقه، ان يمتلك حريته، ان يخرج من موقع الذل والذيليه الذي ارتضته له الاسرة البهلوية، ان يكون هو هويته وان يكون حاضره امتدادا لتراثه السيادي الذي عبر عنه الفيلسوف وعالم الرياضيات والشاعر الكبير «عمر الخيام» بقوله:
لو كان لي كالله في فلك يد
لم ابق للافلاك من آثار
وخلقت افلاكا تدور مكانها
وتسير حسب مشيئة الاحرار
كان لا بد لهذا الشعب العظيم من ان ينفخ بروحه في رجل قائد اهل لاستقبالها وحضانتها ورعايتها وصونها فكان الامام الخميني ذلك الرجل الذي خرج من اوجاع اولئك الفقراء، ومن تطلعهم الى الحرية والعدل. كما انه لا مجال للشك في ان ارثه الفكري والثقافي زاده تمسكا والتزاما بهؤلاء المستضعفين فهو الذي تمسك دائما بترداد وصية الامام علي لولديه الحسن والحسين: «فلتكونوا دائما حماة الضعفاء واعداء الظالمين». وهذا ما ترجمته مسيرته منذ اللحظة الاولى، اذ يذكر الاستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه «مدافع آية الله»: انه وبعد عريضة ارسلت للشاه موقعه من الامام الخميني تحمل مطالب شعبية واضحة ارسل اليه الشاه رجلا من «السافاك» برفقة رجل دين من وعاظ السلاطين وكلفهم بانذاره الا يعود لمثلها، وفي اليوم التالي خرج الامام الى الناس من على منبر مسجد فاطمة وشرح لهم ما دار بينه وبين الوفد بكل وضوح ثم ختم متوجها الى الشاه بالقول: «لم اعدد قلبي لتلقي انذاراتك وانما اعددته لتلقي رماحك. وعندما عرض عليه الشاه تسهيل رحيله الى العراق اذا شاء ذلك، اجابه «لن اتخلى عن مسؤولياتي بعون الله، واذا كان لنا ان نموت، فسنكون من الشهداء، واذا كتب لنا الحياة فسنكون من الظافرين».

لقد واجه الامام ثقافة الاستهلاك الغربية بنفس القوة والشجاعة التي واجه بها سلطة التبعية، لا بل انه رأى في هذه الثقافة الخطر الاكبر الماثل على عقل وحركة الجيل الشاب على امتداد العالم الاسلامي والانساني فهو كقائد كان خارج دائرة الاستلاب على المستوى الذاتي كما هو على المستوى العام ولقد رحل عن هذه الدنيا ولم تتجاوز ملكيته: «دوشك وصندوق يضع فيه ثيابه، بالاضافة الى كتبه» في ذات اللحظة التي كانت علاقات الاستهلاك الرأسمالي تنتشر كالوباء فتفرغ الرؤوس وتتلف الوجدان وتحول اجيالاً بكاملها على مستوى العالم الى اشباح مستلبه امام سطوة الاستهلاك وابتذاله. السنا نحن العرب مثلا بامس الحاجة الى ثورة تحتل الاخلاق فيها موقع المكون الاساسي لنتمكن من مسح الصورة التي رسمتها لنا في الذهن البشري نخبة ساقطة من الحكام والسماسرة وتجار السلاح والصادرات والواردات - صورة العربي المسرف السوقي الباحث عن الملذات المستلب لغرائزه البعيد عن القيم العليا والخالي من الهم العام؟!
لقد جسد الامام الخميني في حركته حقيقة علمية يبدو انها قائمة في نظام الطبيعة، كما هي راسخة في نظام الاجتماع الانساني، وهي انه عندما تتجه الضرورة الموضوعية لفك قيد مجهود معين او لانتاج مستوى محدد من الحرية فلا بد من اختيار من هو قادر على التعبير عن هذه اللحظة التاريخية بكل المعاني؟ هل كان بمقدور اي شخص ان يعبر عن قانون الجاذبية غير «نيوتن»؟! وهل كان بمقدور اي كان ان يفصح عن النسبية غير «اينشتاين»؟! او هل من الممكن لغير «ماركس» ان يكتشف نظرية «فضل القيمة» التي ارست الاساس المتين لتحطيم الرأسمالية؟! وهكذا لم يكن بمقدور اية شخصية من الامساك بناحية التاريخ في اللحظة التاريخية للشعب الايراني سوى الامام الخميني! لقد توحدت روح الامة في هذا الرجل، فافصح في التعبيرعنها ايما افصاح، واندفعت تملأ كيانه قوة وثقة فزادها بان منحها من فكره الثري وعقله الجبار السبل الواسعة للوصول الى اهدافها.

كانت المحطات والمنعطفات التي واجهت الثورة قبل الوصول الى تحقيق شرطها الاول - القبض على السلطة السياسية - كثيرة وخطيرة بعضها مصدره الحركة السياسية المنخرطة في حراك الشارع وحتى بعض معاونيه الذين طالبوه بان يسمح بمواجهة الجيش بقوة السلاح! الا انه كان يجيبهم دائما بالرفض معللا: بانكم لن تستطيعوا ان تنزعوا سلاح الجيش بمواجهته بقوة السلاح. فرجال الجيش هم اخوتكم وابناؤكم يشعرون بما تشعرون فلا تنخدعوا بالمظهر الخارجي للبزة العسكرية. ان كل ما نحتاجه هو ضربة واحدة تطيح بالحلقة التي تربطهم بالشاه... ناشدوا قلوب الجنود، وليقتلوننا انهم اخوتنا وسنقابلهم بالترحاب، وسنبرهن ان الدم اكثر قوة من السيف. وكان يختم رسائله الى الجنود بعبارة «غفر الله لكم ولكن تذكروا ان الدماء التي تسفكونها هي دماء اخوانكم، كم نتمنى لو استفاد «ثوارنا» في سورية من هذا الدرس الثوري العظيم.
هناك مسألة في غاية الاهمية تميز بها القلة من قادة الحركات الثورية الكبرى في التاريخ، وهي مسألة الحدس الثوري اي قدرة القائد التي تشبه الغريزة في ان يكون «بارومتر الثورة» في ان يعرف في كل لحظة درجة المزاج الثوري لدى الجماهير فيتقدم في اللحظة المناسبة ويتراجع في اللحظة المناسبة. ولعل مسألة الحدس هذه تشكل لدى القلة النادرة من القادة من خلال تميزهم بعناصر فريدة يستجمعونها في شخصيتهم، كعمق الوجدان وصدق المواقف والتجربة الثرية والثقافة الواسعة والفكر الخصب، وكلها اجتمعت في شخص الامام الخميني، لذلك كانت جميع خياراته صائبة، حيث تمكن من انقاذ الثورة من مطبات الترهيب وكذلك من مطبات الترغيب، ففي لحظات ما قبل الانتصار عرض عليه الحكم على ان يبقى الشاه ويتحول الحكم في ايران الى نوع من ملكية دستورية بحيث يكون موقع الشاه كموقع ملكة بريطانيا، الا انه رفض رغم قبول المعارضة وغالبية معاونيه، ومرد ذلك حدسه ومعرفته العميقة بمزاج شعبه الذي آلى على نفسه بان ينقلب على واقع الظلم بكل تفاصيله.


لم يكن الحكم في فكر الامام غاية بحد ذاته، وانما وسيلة لتحقيق مرتكزي العدالة والحرية، وهذا لن يتحقق ما لم تمتلك الثورة فكرا هو الارضية المتينة للانطلاق في عملية بناء الانسان والمجتمع ومن هنا جاء طرحه لنظريته في «ولاية الفقيه»، هذه النظرية التي لم تلق حتى الآن ما تستحقه من البحث والدراسة والنقاش، بمقدار ما لاقت من الحملات الدعائية الاعلامية المعادية التي تفتقر الى اي اساس علمي وازن! وعلى الرغم من ان نظام الحكم اللذين اشتقا من اصولها النظرية اجترحا المعجزات في مجال البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وصياغة وتكوين الانسان الجديد المتحرر من عقد النقص ومن امراض الحضارة الرأسمالية فان نزعة الهجوم الاحمق ضدها هي السائدة وليس ذلك الا لانها حجة ضد اولئك الذين يتسللون في الظلام ليفسدوا العالم وقد امتلأوا جهلا وغرورا واستهتارا، سيبقى الخميني قامة شامخة في تاريخ الانسانية ونصيرا وقدوة واماما لكل معذبي الارض ولعله نقطة الذروة في المنحنى الذي يبشر بافول عصر بربري متوحش وحلول آخر انساني محله.

*كاتب وصحافي سوري

2012-07-02