ارشيف من :ترجمات ودراسات
محدَّدات الأداء العملاني الإسرائيلي في مواجهة غزة
كتب محرر الشؤون العبرية
بدا كيان العدو الصهيوني خلال جولة الاعتداء الأخيرة على قطاع غزة، وما قابلها من ردود صاروخية من قبل فصائل المقاومة الفلسطينية، أنه أكثر تقييدا وحرصا على عدم الذهاب نحو مواجهة واسعة مع القطاع واهله. ومن مظاهر الانكباح الإسرائيلي، الاداء الميداني الإسرائيلي.. والموقف الذي خلصت اليه المداولات الأمنية التي أجرتها القيادات العسكرية والاستخبارية والسياسية، وتم التعبير عنه بأن على الجيش "العمل بشكل متوازن وتدريجي". وهو ما يكشف بشكل رسمي بأن الكيان الغاصب كان حريصاً جدا على عدم توسيع المواجهة وفي الوقت نفسه الاستمرار في الاعتداءات.
كيف ولماذا؟
يدرك الكيان الصهيوني أن الذهاب بعيدا في المواجهة مع قطاع غزة، سيكون له تداعياته الفعلية في الساحة المصرية، في ظل ما تشهده من تقلبات وتطورات.. وتحديدا لجهة دفع القوى الإسلامية في مصر إلى تجاوز بعض الضوابط التي تلتزم بها حتى الآن لجهة الموقف من "إسرائيل" التي تدرك بأن التشدد في الموقف منها سيتحول إلى مادة تنافسية بين التيارات السياسية المصرية، فضلا عن أن النخبة السياسية باتت أكثر إصغاء إلى نبض الشارع المصري الذي كسر حاجز الخوف وبات أكثر جرأة واندفاعا وثقة في التعبير عن حقيقة موقفه. وقد كان هذا الأمر حاضرا بقوة قبل انتخاب مرشح الأخوان المسلمين محمد مرسي، رئيسا للجمهورية المصرية.. فكيف الآن وبات رئيسا فعليا لمصر.
في ضوء ذلك، من الطبيعي أن تكون وجهة التقدير الإسرائيلي، أن ما لم تتمكن من تحقيقه خلال عملية "الرصاص المصهور"، نهاية العام 2008، رغم ان الظروف السياسية الدولية والاقليمية كانت أفضل لها بالقياس إلى ما عليه الآن، لن تتمكن من تحقيقه في ظل الموازين والظروف الحالية، وتحديدا بعد سقوط مبارك ووصول الاخوان المسلمين إلى رئاسة الجمهورية.
من جهة أخرى، إن أي مواجهة واسعة مع قطاع غزة، في هذه المرحلة، يشكل انحرافاً حاداً عن الأولويات الإسرائيلية الإقليمية التي تقتضي التركيز على الخطر النووي الإيراني، بل إن أي مواجهة مفترضة، ستنظر إليها "إسرائيل" على أنها نوع من الاستدراج إلى ساحة وقتال، وفي توقيت، يسمح لإيران وحلفائها إلى توظيفه لصالح مشروع المقاومة في فلسطين والمنطقة.
وعليه، يؤكد الأداء الإسرائيلي والخيارات الماثلة.. والظروف المحيطة، أن تل ابيب ستبقى ملتزمة بالتحرك ضمن المحددات التالية:
ـ عدم توجيه رسائل ضعف إلى الطرف الفلسطيني وغيره، تبدو فيها كما لو أنها مكتوفة الأيدي في مقابل أي نوع من العمليات التي توجه ضدها. ويعود هذا الموقف إلى تقدير مفاده أن إتباع سياسة الامتناع عن الضربات سوف يؤدي حكما إلى إضعاف قوة ردعها الذي سيؤدي بدوره إلى تفاقم العمليات ضدها ويمنح الفصائل المقاومة هامشا أوسع في التحرك..
ـ ستواصل تل أبيب الامتناع عن العمل ضد المجموعات التي تتحرك في سيناء، حتى لو نفذت عمليات مؤلمة ضدها، بفعل القيود السياسية الناتجة عن معاهدة اتفاقية كامب دايفيد وتجنباً لتصعيد سياسي مصري ضدها. لكن في المقابل، ستواصل ايضا التمسك بسياسة الرد في قطاع غزة، على العمليات التي تنطلق ضدها من صحراء سيناء.
وعليه، سيبقى الأداء الإسرائيلي مسقوفاً بـ "بالتناسب والتدرج" وفعل أقصى ما يمكن من اجل عدم التدحرج نحو تصعيد واسع جدا، لاعتبارات تتصل بتطور القدرات في غزة، والظروف السياسية المتصلة بالساحة المصرية على الأقل إلى حين انجلاء معالم أداء الرئيس المصري الجديد، الذي بالرغم من انشغاله ببناء الوضع الداخلي على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلا أنه لن يتمكن من تجاهل الضغط الذي سينتج عن أي عدوان إسرائيل واسع.
ومع وقبل كل الاعتبارات الأخرى، تبقى أولوية مواجهة المشروع النووي الإيراني، هي الحاكمة والمسيطرة على خلفية صانع القرار في تل أبيب.. إلى حين تحول مصر إلى خطر داهم يفرض على الدولة العبرية التعامل معه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018