ارشيف من :أخبار لبنانية

سياسيّون يزرعون أقاربهم للوصول إلى "الكنز المدفون": مـلــف الـبـتــرول عـلــى نــار حـامـيــة

سياسيّون يزرعون أقاربهم للوصول إلى "الكنز المدفون": مـلــف الـبـتــرول عـلــى نــار حـامـيــة


جعفر العطار - صحيفة "السفير"


مقدّمة لمواطن لم يصدّق بعد: في بحر لبنان ثروات بترولية. الثروات البترولية، بعد استخراجها، تتحول إلى أموال نقدية، وغير نقدية. الثروات تعود بالنفع على اللبنانيين، من دون استثناء، من خلال سبل شتى. السبل تفضي في النهاية إلى تغيير الواقع الاقتصادي، للمواطن اللبناني وبلده. المواطن اللبناني لم يصدّق بعد.
للمواطن اللبناني دولة. في الدولة رؤساء ووزراء ونواب ومؤسسات. عندما عرفت الدولة، قبل نحو أربعة أعوام، احتمال وجود ثروات بترولية، عملت، تباعاً، على إنجاز قانون الموارد البترولية. المواطن لم يصدّق الأمر.
بعد إنجاز القانون في العام 2010، كان ملف البترول يسير في سكة بطيئة. الملف نضج في العام الحالي، ولمّا نضج، أعلن المعنيون في الدولة «الإنجاز الكبير»: إصدار مراسيم تطبيقية لتشكيل «الهيئة الناظمة». لم تكن إنجازاً.

الهيئة الناظمة في القانون اسمها «هيئة إدارة قطاع البترول»، ومن اسمها يستطيع المواطن أن يسبر صلاحيتها الأولى: إدارة ملف مالي لم يعرفه لبنان قط. لم يتخيل يوماً أن يكون ثمة كنز في بحره. الكنز ملك للمواطنين، والمواطن لم يصدّق بعد.
عندما يقرر المواطن أن يصدّق، فثمة طلاسم ينبغي عليه فكّها. الطلاسم موجودة عمداً كي لا يفهم، وكي يبقى ممسوساً بقطع الطرق، وغياب الكهرباء، وحرمانه من الاستشفاء المجاني، ودأبه في البحث عن وظيفة، والحلم في ابتياع شقة، وأحلام كثيرة.
في بحر لبنان ثروات بترولية. هذه ليست أحلاماً. الثروات تتحوّل إلى أحلام، ما إن يقلب المسيطرون على الدولة الطاولة: «أنا أريد فلاناً، لكن أنا أريد فلاناً»، في سعيــهم لتعيين هيئة إدارة قطاع البترول، الهــيئة التي من دونها لن يعرف لبنان الكنز المدفون في البحــر. ربما يعرف السواد الأعظم، إذا نجح داعم «فلان» في ما أراد. الداعم السياسي لـ«فلان» يحارب من أجله، الآن، ظناً منه أن فلاناً سيغدو حساباً مالياً مفتوحاً له.

الخواتيم الأولى

بينما كان المواطن منهمكاً بهمومه وأتراحه ومصائبه، كان ملف البترول يُطبخ على نار حامية، في مطابخ السياسة، ترافقه علامات الارتياح من الملهاة السائدة في البلاد: قهر اجتماعي، وحروب سياسية. اليوم، أضحى الملف في خواتيمه الأولى.
المراحل الأولى تكمن في تعيين أفراد الهيئة الناظمة. عندما فُتحت الدورة لمقدّمي الطلبات، كان عددهم نحو ستمئة شخص، يحلم كل منهم بأن يكون فرداً من الأفراد الستة. فالهيئة، كما البلاد، مقسّمة إلى ست طوائف، لكل طائفة كرسي.
في المراحل الأولى للتقويم، كان الاختيار يعتمد على معايير الفئة الأولى. درست اللجنة المعنية الطلبات، واستقرت على 85 طلباً. ثمة من مقدّمي الطلبات من رشّح نفسه لأكثر من اختصاص، وهو حق مشروع.

غربلت اللجنة الأسماء، وفق المعايير الشفافة. أصبح عدد الطلبات 50. مرّت الأيام، ثم بدأت المقابلات الشفهية بين أصحاب الطلبات الخمسين، وبين اللجنة المعنية: الوزير المختص (وزير الطاقة)، وممثل عن مجلس الخدمة المدنية، وممثل عن وزارة التنمية الإدارية.
بينما كانت اللجنة تغربل الأسماء، كان ثمة أسماء مدعومة من سياسيين مسيطـرين في البلاد. نجحت الأسماء. اليوم، ثمة 15 اسماً، من بينها أصحاب كفاءات، تشهد سيرهم الذاتية بذلك، وثمة من لا يعرف ما الفرق بين النفط والغاز.
بعد «الاتفاق» على الأسماء الستة، في أي لحظة بدءاً من اليوم، تُرفع إلى مجلس الوزراء من جانب وزير الطاقة. يبحث المجلس في الأسماء، وإما يوافق عليها وإما لا. بلا اللجنة، يبقى الملف مكانه، كما كان منذ بدأ الحديث عن «الإنجازات» الزائفة.
من اليوم، وحتى رفع الأســماء، ثــمة معــركة طاحنة، بعيداً من الإعلام، وبعيداً من المواطن الذي لم يصــدّق بعد، يحــاول «أبطالها» فرض مرشّحيهم، وفق صفقات سياسية. من بين المرشحين، أقارب لجهات سياسية.
السياسيون الذين يعملون على فرض هؤلاء، لا يعرفون أن عضو الهيئة ليس حساباً مالياً مفتوحاً لهم. إذ ثمة آلية تجرّد الفرد الواحد من البتّ بأي قرار. لكن السياسيين يعرفون أن المواطن لم يصدّق بعد.

وعود لبنانية

في العام الماضي، نظمت وزارة الطاقة «المنتدى اللبناني الدولي لاستكشاف البترول». آنذاك، سألت شركات البترول العالمية، الدولة اللبنانية: «متى تُطلق دورة التراخيص؟»، فكان الجواب: «قريباً».
ومن بين الأسئلة، التي تدلّ أجوبتها على مدى جدّية الدولة الحاضنة للكنز المدفون، سؤال أساس: «هل تم تشكيل الهيئة الناظمة؟»، فكان الجواب: «قريباً».
اليوم، عند التاسعة والنصف صباحاً، وبعد مرور عام، تجتمع نحو مئة شركة بترول عالمية في «المنتدى والمعرض اللبناني الدولي لاستكشاف البترول»، الذي تنظمه وزارة الطاقة. لقاء العام الماضي، وفق مصادر وثيقة الصلة، كان إعلامياً. وحتــى في الإعلام، بدا هشاً: طلاسم.
لقاء اليوم، وفق المصادر ذاتها، كان متوقعاً له أن يكون الجوهر الأساس للخطة المستقبلية، وتمثّل التحدي في أن ينعقد بعد تشكيل الهيئة الناظمة. لكن الهيئة لم تُشكل، وبالتالي فإن المراسيم التطبيقية، لأي إجراء جذري، جدّي، لم تصدر بعد.

اليوم، ستعرض الشركات العالمية «تكنولوجيا الحفر العميق» وعروضاً أخرى، وستجتمع مع المعنيين في الدولة، كي تعرف مدى الجدّية الراهنة والمستقبلية. في المقابل، سيعرض الفريق الذي واكب إعداد القوانين المعنية، التطورات التي حصلت من العام الماضي.
وسط ذلك، وبيــنما المواطن لم يصدّق بعد، وربما لن يصدّق أن بحر لبــنان نائم على ثروات مالية ضخــمة، يتعــين على السياسيين، الذين يعملون ليلاً نهاراً علــى دعم مرشحين لهم، أن يتذكروا ملاحظة بسيطة: الأسرار، في لبنان، لها مدة زمنية محدودة، ضيقة الأفق، وسريعة الانتشار. هذه الثروات ليست ملكاً لكم، وهي الفرصة الجدية الأولى لنهوض بلد فقير، فيه الكثير من اللصوص الذين لا يشبعون.





2012-07-03