ارشيف من :أخبار عالمية

التحول من الديكتاتورية إلى الديمقراطية؛الطريق الصعب لـ"محمد مرسي"

التحول من الديكتاتورية إلى الديمقراطية؛الطريق الصعب لـ"محمد مرسي"
بقلم مرتضى ميرمطهري
صحيفة اطلاعات

بعد سنوات طويلة من سيطرة  الحكم الديكتاتوري في مصر والذي انتهى بثورة شعبية عارمة ومن ثم انتصارها،أ ُنتخب "محمد مرسي" من قادة الإخوان المسلمين كرئيس للجمهورية المصرية، ومع تولى مُرسي منصب رئيس الجمهورية، فإن الشك والقلق بدأ يساور بعض المصريين من "مُرسي" لجهة مصير ومستقبل حكومته، وفيما إذا كانت قادرة على أن تمارس صلاحياتها ومهامها القانونية المنبثقة من منصبه، حيث بدأ مرسي عمله بلقاء الجنرال طنطاوي رئيس دولة مصر المؤقت ورئيس وزرائه كمال الجنزوري ؛هذين المسؤولين الذين قبلا برئاسة مُرسي لرئاسة الجمهورية بالثناء والإشادة  والابتسامة تعلو شفتيهما في حين أنه وفي وقت ليس ببعيد كانا قد ساهما في سجن مرسي في عهد  نظام حسني مبارك بسبب نشاطه في الإخوان المسلمين وقيادته لهذه الحركة.

لقد كان انتصار الثورة المصرية التي حدثت عقب عدة عقود من القمع والاستبداد والطغيان، إحدى ثمار نضال الشعب المصري المطالب بالحقوق والمحب للسلام، ولكن للآسف اليوم، ولأن النسيج السياسي والاجتماعي والعقائدي للمجتمع المصري معقد،  فإن ذلك أحدث فجوة سياسية عميقة في الصفوف "الثورية" للشعب المصري التي كانت تحاول في يوم من الأيام أن تناضل للإطاحة بحكم حسني مبارك، ولم يكن ظهور هذه الفجوة في البنية السياسية والاجتماعية والعقائدية للمجتمع المصري غير متوقع ، فنظام مبارك الذي تمت الإطاحة به عنوة من التاريخ السياسي المصري،أفرز توليفة من مطالب وآمال لمجموعات سياسية مصرية ناشئة ، أضحى لها دور ملحوظ في نظام ما بعد مبارك، إلا أن التوافق والاتفاق  بين هذه المكونات السياسية ليس أمراً سهلا وبسيطا من حيث التطبيق حيث أنه أوجد حالة من التوتر في البنية السياسية للمجتمع المصري.

التحول من الديكتاتورية إلى الديمقراطية؛الطريق الصعب لـ"محمد مرسي"

إن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية المصرية التي أظهرت الهامش الذي يفصل "مرسي" ومنافسه "أحمد شفيق" الذي كان أحد أركان النظام السابق، هو دليل واضح على وجود فجوة سياسية عميقة،وإن ردم هذه الهوة وإيجاد حالة من الاتحاد والتوافق الوطني ودفع المجتمع المصري نحو حكومة ديمقراطية وشاملة تمثل كل فئات الشعب المصري، هي مهمة صعبة وتحد كبير سيواجهه محمد مرسي في  الأيام الأولى لبدء حكومته، وفي الحقيقة فإن محمد مرسي مدرك بتعلمه من دروس التاريخ وأنه يسعى للتحول من الاستبداد إلى الاستقرار والديمقراطية في المجتمع المصري وهذا ما يحتم ضرورة تفوق وهيمنة المصالح طويلة الأمد على التضامن والتعصب والعلاقات السياسية والعقائدية والدينية والفئوية .


وهذا التحول التاريخي يحتاجه الشعب المصري حالياً، والمتمثل بالتعاضد والتكاتف غير المشروط ومع تجاهل كل الملاحظات السابقة، كما أن انتخاب الحكومة المصرية التي سيكون أعضاءها من جميع القوى السياسية المصرية وإيجاد أشخاص مؤهلين لتحمل المسؤولية، وجاهزون للتصدي لما يمكن أن يواجهوه من أزمات محتملة وتحديات عديدة سيكون عملاً صعباً بالنسبة لمحمد مرسي .

مع انسحاب مرسي من قيادة حزب الحرية والعدالة وتأكيده المتكرر بأنه رئيس لجميع الشعب المصري، فإنه يحاول بذلك أن يبدد مخاوف وقلق بعض الطبقات والشرائح المختلفة من المجتمع المصري، وأن يضع كل القوى السياسية والطبقات الاجتماعية بما تتميز به من وجهات نظر متعددة سياسياً وثقافياً ودينياً مع بعضها البعض، كما ينبغي على مرسي أن يسعى جاهداً نحو تجديد بناء البنية السياسية الحديثة لمصر مستفيداً من تعاضد وتكاتف كافة التيارات السياسية في مصر، ومع ذلك، ورغم أن مرسي لا يزال قريباً  بصلات وثيقة من الإخوان المسلمين، إلا أنه يتعهد بأن يختار رئيس وزرائه من الأشخاص خارج هذه الحركة (الإخوان المسلمين) وعلى الأقل أن يضع شخصاً مسيحياً وإمرأة في زمرة مساعديه ويتوجب على مرسي في إطار حكومته الجديدة أن يجد تشكيلاً منسجماً ومتحد ومتوافق وشعبي كي يستطيع بشكل تدريجي أن يبعد بتعقل العسكريين والباحثين عن السلطة الذين لا يزالون يبحثون عن حضور وتواجد في المشهد السياسي المصري.

التحول من الديكتاتورية إلى الديمقراطية؛الطريق الصعب لـ"محمد مرسي"

الحقيقة التي لا مفر منها أنه ثمة احتمال كبير بأن شخصيات غير منضوية تحت لواء الإخوان المسلمين قد لا ترضى بالعضوية في الحكومة التي شكل أغلب أعضائها من نشطاء حركة الإخوان المسلمين، وعلى الرغم من ذلك فإن مرسي يحاول أن يدعوا "محمد البرادعي " للتعاون معه باعتباره رئيساً سابقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية والحائز على جائزة نوبل للسلام والذي يحاول حاليا أن يؤسس حزبا سياسياً .

من المشكلات أو المصاعب الأخرى التي تواجه مرسي هي إحكام الجنرالات على السلطة بعد سقوط مبارك، وهذا ما يعتبرونه حق لهم وعلى رأسهم وزير الدفاع، ومن ناحية أخرى فإن إيجاد شخص يمكنه تولي منصب وزير الداخلية أيضا مهمة صعبة للغاية باعتباره يتولى مسؤولية  قوى الشرطة والأمن الداخلي، وبناءً عليه فإن أي شخص منتخب ينبغي أن يحظى بدعم عامة الشعب وأيضا أن يكون مقبولاً من جانب الشرائح الثورية في ائتلاف إخوان المسلمين، ولا يغيب عن بالنا أيضاً أن ميدان التحرير لا يزال مكاناً لتجمع مئات الأشخاص من أعضاء الأخوان المسلمين الذين يصرون على ضرورة أن يرفع العسكريين أيديهم عن ممارسة السلطة السياسية وأن ينحل المجلس مع اجراء انتخابات الرئاسة الجمهورية .

كما يتوقع الإخوان المسلمين من محمد مرسي أن يتفاوض مع الجنرالات حول هذه المسائل، كما أن لدى مرسي يقين أيضا بأن التباحث مع العسكريين مسألة حساسة وتستدعي الحيطة والحذر والتعقل الكبير ،وعلى أية حال فإنه رغم سقوط النظام المصري السابق وانتصار القوى الثورية، فإنه لا يمكن تجاهل حقيقة أنه لن تستتب أمور النظام المصري حديث الولادة وكذلك استقرار حكومة ديمقراطية إلا بالاتحاد والاتفاق والإجماع بين مختلف مكونات الشعب المصري.

وفي مثل هذا التحول السياسي فإن قسماً كبيراً من المسؤولية تقع على عاتق محمد مرسي الذي ينبغي عليه أن يجمع كل  قوى الشعب مع بعضها بسعة صدر ، فضلا عن الدور الذي يمكن أن يلعبه في تبديد سوء الفهم المحتمل وقلق بعض فئات وطبقات من المجتمع المصري من الخوف من حكم الإخوان المسلمين بشكل خاص، وينبغي على محمد مرسي أن يتخذ إجراءات تصب في خانة استقلال الرأي وممارسة كامل الصلاحيات النابعة من منصب رئيس الجمهورية وأن يتمتع بدعم العسكريين حتى يتجنب الدخول في توترات ونزاعات محتملة .

خلاصة القول؛إن مرسي في الحقيقة سيواجه في الأيام القادمة مصاعب عديدة وكما أن ثورة مصر وسقوط نظام مبارك كانا طليعة "الربيع العربي" فإن الدول العربية حاليا وأيضا دول العالم تتابع عن كثب تطور الأحداث في مصر ،لترى كيف سيقود رئيس مصر  المجتمع المصري نحو هدفه المنشود المتمثل في رقي وتقدم الشعب المصري واستمرار الحكم الديمقراطي، لذلك فإنه يمكن أن نقول إن مهمة مرسي خطيرة والمستقبل أمامه صعب.

ترجمة علي العبدالله ـ سورية

2012-07-04