ارشيف من :أخبار لبنانية
برّي: لا شيء اسمه كسر باسيل
لا تحمّل قوى 8 آذار الخلاف مع الرابية كثيراً. هي غيمة صيف عابرة بالنسبة إليها. لقاء الأربعاء كان فرصة لرفع الرئيس بري لواء الإيجابية، ومحضر الجلسة التشريعية الأخيرة هو اليوم أمام هيئة مكتب مجلس النواب.
تنظر قوى 8 آذار إلى «النصف الممتلئ من الكوب» في قضيّة مُياومي شركة كهرباء لبنان، والأزمة التي لحقتها بعد الجلسة النيابيّة أوّل من أمس. هي «أزمة وتمرّ، ليست الأولى ولا الأخيرة»، يُطمئن «الآذاريون» سائلهم؛ فلا حزب الله ولا الرئيس نبيه برّي «في وارد التفريط بهذا التحالف تحت أي مسمّى». على منضدة التشريح، الاختلاف بين التيار الوطني الحرّ وحليفيه حركة أمل وحزب الله «ليس سوى قشور». للاختلاف بنظر هولاء حسنات، أولاها سقوط مقولات هيمنة حزب الله على الحكومة وقرارها. «بروباغندا المغرضين» بدأت منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. «قوّصوا» عليها ليل نهار، لم يوفّروا توصيفاً: حكومة ولاية الفقيه، حكومة السلاح، حكومة القمصان السود. وعند كلّ امتحان كانت المقاومة تجمع دليلاً جديداً على أن حزب الله طرف في الحكومة لا اليد التي تحرّكها من الخلف. يتابع الراوي الحسنات على أصابع اليد: يتهم «المغرضون» أنفسهم منذ سنوات رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون بالتبعيّة لحزب الله. يؤكّدون دائماً أن قرار التيار الوطني الحرّ ليس قراراً مستقلاً، «مطبخه» ليس الرابية بل الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وينزعون عن عون تمثيله المسيحيين. فشل خصوم عون مجدداً: أثبت «الجنرال الحديدي» أن «قرار تياره مستقل»، وهو «زعيم المسيحيين بلا منازع»، وما فعله خصومه المسيحيون تحديداً هو «محاولة اللحاق به» في دفاعه عمّا يراه هو «حقوقاً للمسيحيين».
كلّ الكلام الجميل عن الإيجابيّة لا يمنع الأسئلة: هل ينحصر الإشكال بقضيّة المياومين وحدها؟ ما هي حقيقة الخلاف في ملفّ التنقيب عن النفط والغاز بين بري ووزير الطاقة جبران باسيل؟ هل في البال اصطفاف سياسيّ جديد، أم مراجعة لشكل التحالفات على ضفّة التيار الوطني الحرّ أو ضفّة الرئيس برّي؟
الردّ عند برّي نفسه. كان لقاء الأربعاء فرصةً ليعبّر عن «صدق النيات». تحدّث بإيجابية عالية عن عون، وعن رسوخ التحالف «الاستراتيجي». أكثر من ذلك، أشار برّي إلى أنّه في كلّ مرّة كان يجري فيها التواصل المباشر مع الجنرال كانت الأمور تأخذ المجرى السليم، وتنتج مخارج إيجابية. حتى حين سمع برّي من أحد نوّاب كتلته ما يُقال بحقّه في أروقة الرابية، لم يعلّق على الأمر كثيراً، محمّلاً المسؤوليّة «لمن ينقل للجنرال معلومات خاطئة». وحين طُرحت معه ضرورة وقف التراشق الإعلامي مع نوّاب التيّار، أبدى الاستعداد الكامل. ولعلّ «أبلغ» ما نُقل عن برّي هو لاءات ثلاث: لا شيء اسمه كسر جبران باسيل، لا تحالف ثلاثياً (على قاعدة تحالف مسيحي كالتحالف القديم بين كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إدّة، أي لا عودة إلى حلف مسيحي مقابل حلف إسلامي) ولا تحالف رباعياً (هذا الذي نشأ بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري بين أمل وحزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل، أي لا إعادة تموضع سياسي في البلد)، فيما ينفصل التباين في ملفّ التنقيب عن النفط عن أي معضلة أخرى. هو «اختلاف تقني بحت في تداخل الصلاحيات بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذية». يسجّل العارفون بالتفاصيل لبري فضلاً كبيراً في إدخال هذا الملفّ حيّز الاهتمام الجدّي، بعد تقديم الوزير علي حسن خليل اقتراح القانون وإحالته على اللجان المشتركة، ومن ثمّ مشاركة برّي في «27 جلسة» للجان المشتركة، فيما لا يحتّم عليه النظام الداخلي لمجلس النواب ذلك.
هكذا، لا مشكلة في قضيّة المياومين «غير القضيّة نفسها»، بحسب قوى 8 آذار. وكيف الخروج منها؟ «نحن الآن أمام مسارين» كلاهما يمرّ عبر «هيئة مكتب مجلس النواب». وفق المادة الثامنة من النظام الداخلي، «من صلاحيات الهيئة درس الاعتراضات التي تقدم في شأن محاضر الجلسات وخلاصاتها، وإدارة الجلسات والتصويت وإعلان نتيجة الاقتراع والفصل بها». وتقول المادة 57 أيضاً إنه «إذا وقع خلاف على ملخّص المحضر، تنظر الهيئة فيه بعد الرّجوع إلى المحضر التفصيلي، وتضع تقريراً بذلك يُعرض على المجلس للبت فيه». وأمام الهيئة التي ستجتمع اليوم حلّ من اثنين: إمّا التصديق على المحضر، أو عدم التصديق والعودة به إلى المجلس. إذا حصل التصديق، ترحّل القوانين إلى رئاسة الجمهوريّة، وبالتالي يوافق رئيس الجمهورية أو لا يوافق على ما يراه مناسباً، فيعيد القانون إلى مجلس النواب لمناقشته من جديد. أما المسار الثاني، فيتوقف المعنيون عنده كثيراً: «قد يشكّل خرقاً ميثاقيّاً لناحية مسّه بموقع رئاسة مجلس النواب في إطار التوازن الطائفي، فلا يمكن الحديث عن نصوص دستورية وقانونية بمعزل عن روحية الميثاق الوطني». يعيد المعنيون التأكيد أنه «لا أحد يستسهل هذا الأمر، عدم التصديق هو طريق وعر، يؤدي إلى تعقيد الأزمة ويعيد النظر باتفاق الطائف»، ويعودون إلى بداية التسعينيات، «سبق للرئيس الحريري أن عطّل العمل بمرسوم النظام الداخلي لمجلس الوزراء بحجّة أنّه يمسّ بموقع رئاسة المجلس».
على هامش الصورة، يبذل نوّاب في تكتّل التغيير والإصلاح وآخرون من كتلة الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير جهوداً كبيرة لردم الهوّة، والخروج بحلّ «يحفظ موقف الجميع». بينما في جوّ الأكثريّة كلامٌ آخر: «التحالف بين التيار والحزب والحركة تحالف استراتيجي واعد، له دور أساسي في مستقبل البلد، ولا يجوز أن يهزّه هذا النوع من الخلافات». يحمّل هذا «الجوّ» أيضاً باسيل مسؤوليّة التوتّر الحاصل: «جبران محترف في صناعة العداوات» وهو سمح «لانتهازية القوات اللبنانية والكتائب بتعويم صورة طائفية لإيجاد شرخ في التفاهم»، ويسأل بعض نواب الأكثرية: من يذكر سامر سعادة وإيلي كيروز وأنطوان زهرا «يقفزون» حماسة للقانون، «ثمّ يخرجون من الجلسة اعتراضاً في خطوة مكشوفة؟».
يضيف العارفون: «خطابات الجنرال تظهر أحياناً أن هناك معلومات غير دقيقة، لا يتحمّل مسؤوليّتها هو، بل محيطون به».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018