ارشيف من :أخبار لبنانية
حامل عود ثقاب فوق برميل بارود
ناصر شرارة - صحيفة "الاخبار"
بعد خروجه من رئاسة الحكومة، أو إقصائه منها، أشعل الرئيس سعد الحريري النيران في شوارع في العاصمة وطرابلس. شبّه بعض عارفيه في دول الخليج تصرفه هذا بأنه محاولة «لاستيلاد عاشوراء رئاسية سنيّة». لم يلق تصرفه تأييد السعودية، لكنه لم يتعرض للتأنيب. اعتبره السعوديون مجروحاً يقوم بردّ فعل.
غادر الحريري لبنان، وبعد مضي حوالى عام ونصف على انقطاعه المتواصل عن البلد بات يستحق لقب المنفي، رغم أن سبب النفي ظلّ محل تساؤل داخل بيئته. البعض يفسّر النفي بأنه جزء من الخطة «ب» التي توصي بوضع السلفيين في وجه حزب الله. اعتقد الحريري، في البداية على الأقل، أنه يفيد من هذا المشروع لأنه سيظهر أن الفراغ السنّي الذي تركه سيملأه السلفيون. هكذا، تعامل كثيرون مع حركة أحمد الأسير على أنها «ظاهرة صنعتها ظروف إقصاء الحريري عن رئاسة الحكومة».
حقيقة الأمر أن الأسير وجد، في محيطه، كثيرين ممن لفتوه إلى قدرته على أداء دور فعلي لملء الفراغ الحريري الذي طال أمده وترك آثاراً سلبية على محيطه. قرّر الأسير فتح قناة حوار مع حزب الله، وحصلت مناقشات بالواسطة وبطريقة غير رسمية. وفيما كان الإعلام يتكفّل بإخراج الرجل إلى دائرة الأضواء، انطلقت التحليلات والتقديرات بشأن حقيقة ما يقوم به، وتردّد الكثير عن تلقّيه تمويلاً من شخصية خليجية لتشجيعه على خطوات ساخنة ضد حزب الله وعدم حصر تحركه بما يجري في سوريا.
قبل يوم من تنظيم اعتصامه وسط بيروت، التقى الأسير بالنائب وليد جنبلاط، ثم ألقى خطاباً دلّ مضمونه على قدر من الذكاء يفوق أقرانه. تردد أنه استمع في هذا السياق إلى نصائح من جنبلاط نفسه. في وقت لاحق، أعلن تيار المستقبل أنه لا يقدم الغطاء لحركة الأسير، إذ إن التيار الأزرق وجد أن الرجل يتعامل معه كخصم وليس كحليف، بينما كان السلفيون يعربون عن خشيتهم من أن يسحب الأسير مناصريهم، وبدأ هؤلاء بالتشكيك حتى في قدرات الأسير الدينية ومرجعيته الفقهية. ووصل الأمر ببعض رموز الحركة الإسلامية إلى الانقطاع عن زيارة مسجد بلال بن رباح، معقل الأسير الأساس، في صيدا.
من جانبها، رفضت الجماعة الإسلامية، منذ اللحظات الأولى، الإقرار بحالة الأسير الخارج من صفوفها. فالرجل، بنظرها، صاحب هوية فقهية هجينة، عدا عن أن الجماعة رأت في حركته «محاولة اختراق للحريرية السياسية»، ما تحول إلى تكرار لدور جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش).
لكنّ مراقبين يعتقدون أن سبب المواجهة بين الأسير من جهة، وبين السلفيين والجماعة من جهة ثانية، هو التسابق على نيل الاعتراف، من كل من السعودية وقطر، بأهمية مكانتهم في الساحة اللبنانية في هذه المرحلة، خصوصاً بعد انكفاء دور الحريرية السياسية، وصعود حالات الحركات الإسلامية في المنطقة. ويقول مراقبون إن الجماعة الإسلامية حاولت تسويق نفسها في الرياض على قاعدة ترك «قيادة السنّة الرسمية» لتيار المستقبل مقابل تولّي الجماعة «القيادة الشعبية». لكنّ السعودية أدارت ظهرها لهذا الطرح، فيما تحمّست له قطر.
يشرح القلقون من حالة الأسير سبب خشيتهم بالقول إن رهانات الخارج على حركته قد تقود إلى مفاجأة غير محسوبة، تتمثل في أن تجد القوى السنيّة الأخرى نفسها مجبرة على الالتحاق بخطوته الحالية، لتحاشي البقاء خارج صورة الاهتمام الخليجي بحركته. وما يشجع على هذا الاعتقاد هو اتساع ظاهرة «التكيّف» مع الواقع الذي فرضه على الأرض، سواء من قبل الدولة اللبنانية التي توحي البيانات الرسمية الصادرة عنها بأنها ما عادت تطالبه بفك أسر المسرب الشرقي الرئيسي في صيدا على طريق الجنوب، بل بالامتناع عن قطع المسارب الفرعية الأخرى المتبقية، أو من قبل تيار المستقبل الذي تعلن شخصياته أنها لا تتفق مع أسلوبه ولكنها موافقة على مطلبه. ويبدو لافتاً في هذا السياق أن النائبة بهية الحريري التي غادرت صيدا إلى خارج لبنان، قبل يوم من بدء اعتصام الأسير، واصلت غيابها عن المدينة.
وعملية التكيّف مع حركة الأسير بدأت تشمل أيضاً المدينة نفسها بعدما خاب أملها بتولّي الدولة أمر وقف الاعتصام. والأخطر من ذلك ما يشاع من تسريبات عن أن هيئات وقوى متضررة من قطع طريق صيدا الجنوبي باتت تفكر في حلول جذرية لتلافي تهديدها برهن انتظام حركة تنقل مصالحها ببورصة الحروب المذهبية والسياسية التي تشن ضدها، وذلك عبر شق طريق يربط بين العاصمة وعمق الجنوب، لا يمر بمدينة صيدا.
لكنّ اللافت صدور إشارات من قبل قوات اليونيفيل الدولية إلى استعدادها للتكيف مع قطع الطريق الرئيسي الذي تسلكه قوافلها اللوجستية بين مواقعها وراء خط الليطاني ومراكز إمدادها في العاصمة. وتبدي مصادر رسمية على علاقة مع هذه القوات استغرابها أن قيادة اليونيفيل لا تبدي قلقاً تجاه تعرّض خط حركة القبعات الزرق للتشويش، فيما كانت درجت على المطالبة ليس فقط بتأمين هذا الخط الدولي عسكرياً، بل بحماية بيئته من أن توجد فيها أي قوى تكنّ عداءً فكرياً للدول الغربية. وبخلاف إلحاحها الدائم على تأمين الطريق الساحلية، فهي تكتفي اليوم بطلب إرشادات من الجهات الأمنية المختصة لسلوك المسارب الفرعية البديلة له.
وفي سياق متصل، ترى المصادر المعنية أن الهدف الأساس لحركة الأسير هو إخضاع «محرمات المقاومة» لاختبارات تحت غطاء دولي. وهذا ما يسمح لأوساط دبلوماسية بالنظر إلى حركة الأسير على أنها تخدم فكرة تقويض قوة المقاومة في لبنان. والدوليون سيكونون مستعدين للتورط في نتائجها العملية أكثر، كلما شعروا بأنها قادرة لوجستياً على الاستمرار وتحقيق نتائج ضمن هذا الهدف المركزي، وأن «المطلوب منه» استفزاز حزب الله كي يخرج بوصفه حزباً شيعياً وليس كمقاومة، إلى الشارع، وحينها يجري إشعال نار الفتنة. ويتهم مصدر دبلوماسي الأسير بأنه «رجل متهور يحمل عود ثقاب مشتعل ويقف على صخرة وسط حقل نفط قابل للاشتعال، وكل مهمته التهديد بأن عود الثقاب سيفلت من قبضته ليشعل الحقل، في حال جرت مهاجمته لإخراجه عنوة من مكانه».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018