ارشيف من :ترجمات ودراسات
سيناء : واقع متأزم يُقلق "اسرائيل" و يقوّض العلاقات الهشّة مع مصر
إعداد: علي شهاب
فرض الواقع المضطرب في شبه جزيرة سيناء وضعا ملتهبا على الحدود مع "اسرائيل" يزيده سوءا وقوف السلطات المصرية عاجزة عن "ضبط الأمن" في ظل تصاعد الهجمات ضد اسرائيل على ايدي الجماعات في غزة و البدو المحليين بما يزيد الضغط على "اسرائيل" ويفرض عليها اتباع سياسات جديدة تتلاءم مع الوضع المتأزم في سيناء ، خلاصة وصلت اليها دراسة تناولها معهد واشنطن لسياسات الشرق الاوسط لـلعميد المتقاعد "مايكل هرتسوغ " ، الذي شغل سابقاً منصب رئيس شعبة التخطيط الاستراتيجي في جيش الدفاع الإسرائيلي ورئيس موظفي مكتب وزير الحرب الاسرائيلي.
وهنا قراءة في تفاصيل الدراسة:
" تتزايد الحوادث الامنية على الحدود المصرية مع "اسرائيل" بما يدفع الوضع الى مزيد من الانفجار ان لم تلق المنطقة مزيدا من الانتباه الدولي ، فقد اضحت سيناء جبهة ارهابية نشطة تشكّل تحدي لـ"اسرائيل"، و بدأ الامر في 20 حزيران/يونيو 2012 حيث شنت "إسرائيل" هجوماً جوياً على غزة قتل ناشطاً جهادياً له صلة بالهجوم الذي وقع عبر الحدود من سيناء في الثامن عشر من حزيران/يونيو بحسب "اسرائيل"، وأسفر هجوم يوم آخرعن مقتل عامل إسرائيلي كان منخرطاً في بناء السور الحدودي بين "اسرائيل" ومصر،فيما تبنت جماعة جهادية المسؤولية عن الحادث بقولها إن مصرياً وسعودياً كانوا من بين مرتكبي الجريمة، وفي التاسع عشر من حزيران/يونيو تم إطلاق صاروخين من طراز "غراد" عيار 122 ملم من شبه الجزيرة فوقعا بالقرب من مدينة وقاعدة عسكرية في عمق جنوب "اسرائيل"، هذه الحوادث جعلت من سيناء مصدر للقلق الاسرائيلي الدائم .
في عام واحد تعرّضت "اسرائيل" لأربعة حوادث امنية في سيناء ، ففي آب/أغسطس 2011 قُتل 8 إسرائيليين قرب ميناء إيلات على البحر الأحمر في هجوم عبر الحدود خططت له جماعة إسلامية فلسطينية ونفذه بدوي. وفي مطلع نيسان/أبريل 2012، أُطلقت ثلاثة صواريخ من طراز "غراد" عيار 122 ملم من سيناء إلى داخل موقع لبناء مجمعات سكنية في إيلات، ولكن لم تقع إصابات. وفي ذلك الشهر نفسه، كشف مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي اللواء أفيف كوخافي النقاب عن أن جيش الدفاع الإسرائيلي قد أحبط خلال الشهرين السابقين أكثر من عشرة مخططات إرهابية كان مصدرها من شبه الجزيرة ليصبح التهديد المتصل بسيناء مماثلاً لنظيره المتعلق بغزة.
لا سلطة في سيناء
ان خروج الرئيس المصري حسني مبارك من السلطة، ترك فراغ امني في سيناء امتلأ بجهاديين قدموا من غرب قناة السويس وقطاع غزة، وانضموا الى البدو المحليين الذين نفروا من الحكومة وفقدا الأمل في تحسين ظروفهم الإقتصادية فتحولوا الى القيام بالتهريب عبر الحدود، كما تسلحوا جيدا متأثرين بشكل متزايد بالأيديولوجية السلفية، فعملوا على التعاون مع حركة حماس وغيرها من الجماعات الإرهابية الفلسطينية من قطاع غزة .يخيّم على سيناء حالة غموض، لا سلطة بمناطق كبيرة فيها ، ففي الأشهر الثمانية عشرة الماضية هاجمت جماعات مصرية وفلسطينية مسلحة العشرات من مراكز الشرطة ونقاط التفتيش والمؤسسات الحكومية ،فقتل عدد من رجال الشرطة، وتم تخريب خط أنابيب الغاز بين مصر و"اسرائيل" في شمال سيناء أربع عشرة مرة، كما اختطف البدو مؤقتاً سائحان أمريكيان أواخر الشهر الماضي وطالبوا بالإفراج عن أحد رجال قبائلهم، في الوقت نفسه يعاني أفراد القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين المكلفين بمراقبة الأحكام الأمنية لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية من الهجمات المتواصلة، فهؤلاء تعرّضوا للاستهداف في 187 حادثة إطلاق رصاص بالذخيرة الحية ما بين كانون الثاني/يناير وأيار/ مايو من هذا العام.
في حين تَركز اهتمام القاهرة و مواردها على المناطق الرئيسية للبلاد في غرب قناة السويس، بالمقابل ترتكز قوات ذات كفاءات أقل في شبه الجزيرة تشن بين وقت وآخر عمليات تأثيرها محدود ضد مسلحي سيناء، وعادة تتركز مثل هذه الجهود على تهديدات تخص الأمن القومي المصري على وجه التحديد والتي تصدر بعضها من قطاع غزة.
لن يكون علاج مشكلة سيناء بالقوة ، بل بالحوار مع القبائل المحلية و الاستثمار الاقتصادي في شبه الجزيرة ، لكن لامستقبل منظور لهذين الحلين ، فالازمة الاقتصادية في غرب قناة السويس لن تسمح بذلك ، حتى ان الجيش استسلم لفقدان الامن الدائم في سيناء فاكتفى بنشر جزء صغير فقط من الكتائب السبع الإضافية التي وافقت عليها إسرائيل كاستثناء مؤقت لبنود معاهدة السلام.
سيناء تحبط الاسرائيلين
إن التحصّن الإسلامي الفوضوي والعنيف في سيناء يهدد أمنياً إسرائيل ، وتزايد الفوضى يسمح بتصاعد عمليات تهريب الأسلحة إلى داخل غزة، ومن ضمنها القطع التي تم أخذها من مستودعات الأسلحة الضخمة في ليبيا و التي وصفها رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي يورام كوهين بأنها "بوابة جديدة إلى الجحيم"، كصواريخ أرض جو متقدمة من طراز "سام 24" ، لتصبح سيناء منصة لإطلاق الهجمات المسلحّة ضد اسرائيل من قبل جماعات من غزة تستغل البدو من سيناء ، حيث تعدّ شبه الجزيرة سبيلا للتمويه عن منشأ الهجمات بما يقلل من احتمالات عمل انتقامي اسرائيلي في غزة ، كما تسمح الفوضى فيها من وصول الجماعات الفلسطينية بطريقة اسهل إلى إسرائيل و توفّر الغطاء للبنية التحتية العملياتية كما اختبار إطلاق صاروخ إيراني من غزة إلى سيناء قبل عدة أشهر.ان الواقع السيء في سيناء يسمح بتدفق الآلاف من الافارقة عبر الحدود بصورة غير قانونية الى اسرائيل للحصول على عمل ،كما ينتظر آلاف اخرين العبور بما ينعكس ضغطا كبيرا على النسيج الاسرائيلي المحلي ، لذا تحاول اسرائيل التكيف مع غياب الامن على حدودها الجنوبية بعد ان كانت سيناء منطقة سلمية منذ توقيع معاهدة السلام مع مصر في 1979 .
واقع غير مستقر تفرضه سيناء
على اسرائيل أن تحسّن استخباراتها في المنطقة لتتلاءم مع الوضع الجديد ، وهي تبني سياجا أمنيا على حدودها مع مصر على طول 150 ميل ،كما تسعى لنشر عدد اكبر من جيش الدفاع الإسرائيلي على طول الحدود، و يدرس الجيش نشر نظام الدفاع الصاروخي "القبة الحديدية" في المستقبل قرب إيلات، وايضا أنظمة الإنذار المبكر.
لكن اسرائيل التي لا ترغب بانتهاك بنود اتفاقية السلام مع مصر تتخذ اجراءات وقائية في غزة تؤدي الى صدامات عنيفة مع مسلحي غزة سيناء ، غير أن الهجوم عبر الحدود يجبرإسرائيل على العمل في شبه الجزيرة بما يضع ضغطاً كبيراعلى العلاقات الإسرائيلية المصرية الهشة ، وبالرغم من تمتع اسرائيل بعلاقات عملياتية طيبة مع الجيش المصري لكن الأخير مقيد بمشاعر شعبية معادية لإسرائيل و بـالاخوان المسلمين الذين اعلن قادتهم انهم سيحترمون التزامات مصر الدولية السابقة على ان يراجعوا اتفاقية السلام مع إسرائيل،وتحديداً ما يتعلق بشرط نزع السلاح في سيناء والذي يتم تصويره على أنه ينتهك السيادة المصرية، دون وضوح مدى قدرة حكومة "الإخوان" على نزع فتيل الأزمة على الحدود.
ليس بوسع اسرائيل إلا ان تطلب من واشنطن و المجتمع الدولي ايلاء اهمية للوضع المتأزم في شبه الجزيرة ، بينما ينبغي على المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإدارة المدنية الجديدة في القاهرة العمل على تعزيز القوات المصرية كماً وكيفاً على طول الحدود مع إسرائيل و محاربة التهريب و تحسين السيطرة على قناة السويس وطرق البر الرئيسية من المناطق الرئيسية لمصر إلى سيناء على أن توفّر الحماية لأفراد القوة متعددة الجنسيات والمراقبين و مواصلة التنسيق مع إسرائيل وراء الكواليس، كما يجب على السلطات المصرية معالجة الوضع بوسائل غير عسكرية كدمج البدو المحليين والاستثمار الاقتصادي لصالحهم، وهو ما يمكن للمجتمع الدولي أن يقدم له دعماً خاصاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018