ارشيف من :أخبار لبنانية
الانقلاب على جنيف
أحمد حسن - صحيفة "البعث"
لم يكن لمؤتمر ما يسمى بأصدقاء سورية في باريس سوى مهمة واحدة، وقد أداها بنجاح لافت، الانقلاب على "جنيف"، ورفع مستوى استعدادات محور الحرب، في وجه محور الحل السلمي للأزمة السورية، وهو ما لم يخفه المشاركون جميعاً من المضيف الفرنسي، إلى الممول العربي، الذي أبدى استعداده لتقديم كافة أنواع الدعم لتطبيق الفصل الأول من ميثاق "قطاع الطرق" الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية وتقوده خارج مجلس الأمن، بعد أن أعلنت روسيا بوضوح أن لا آفاق أمامهم للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ولكي لا يعتقد أحد إننا نرمي الاتهامات سدى، فلنستعرض أفعال الحاضرين في باريس وليس أقوالهم فقط، فالمجموعة الأوروبية وصلت إلى المجموعة السادسة عشرة من عقوباتها على الشعب السوري وتخطط للمزيد، ومجموعة الدول العربية الحاضرة، وصل إيمانها بحريات الشعب السوري وحقوقه إلى حد إقرار قطع البث الفضائي الوطني عنه، وبينما يلهج "العربي" بمحاسن الفصل السابع بين الكلمة والأخرى، يضع السلطان العثماني أراضيه وأسلحته ومخابراته وطائراته في تصرف القتلة، في وقت وصلت حتى قنابل الدولة المحايدة "سويسرا" إلى سورية، قبل بدء أعمال المؤتمر، ولو عبر دولة أخرى.
لكن القراءة الأعمق لمشهد المجتمعين في باريس، توضح لكل ذي عينين، أن الخوف الذي برز في عيونهم لم يكن على الشعب السوري وما يحصل له، فهم يعرفون فعالية أسلحتهم ومدى فتكها به، ولكنه جاء من "يقين" بعضهم و"تسليمه" الضمني، بصحة ما أعلنته موسكو عن "تشكل النظام العالمي الجديد انطلاقاً من سورية"، وهو ما تزامن مع تحذير استراتيجي مشهود له مثل هنري كيسنجر من مغبة التورط هناك، لأنه "سيخل بالتوازن العالمي"..إلا أن "التسليم" و"التحذير" و"اليقين"، لم ولن يمنع بعض "الهواة" في السياسة الدولية، وبعض "العقول الصغيرة" على رأي سيرغي لافروف، من محاولة الوقوف في وجه حركة التاريخ التي تسير بثبات في اتجاه انتهاء نظام القطب الواحد، وأفول نجم الهيمنة الغربية المطلقة على العالم.
وفي هذا الإطار من الواجب ملاحظة حقائق عدة أفرزتها الأيام القليلة الماضية، أولها أن "جنيف" ما كان له أن ينعقد ويخرج بتلك النتائج لولا أن القوى الغربية قرأت بدقة معاني تكرار "الفيتو" الروسي الصيني المزدوج في مجلس الأمن الدولي، ودلالات اتكائه على الحامل السوري، وليس "العامل" فقط، الأمر الذي جعل همها الوحيد يتمثل في محاولة "جر" الموقفين الروسي والصيني إلى صفها، لكن فشلها في ذلك هو ما يفسر حدة الهجوم الذي تعرض له البلدان في اجتماع باريس.
وثاني هذه الحقائق أن مؤتمر "باريس" وبسبب ما سبق، لم يكن له أن يخرج بنتائج غير متوقعة: المزيد من الضجيج الإعلامي المقصود، لمنح المشروعية المطلوبة للصيف السوري الساخن الذي تجهز له هذه القوى، وهذا ما يجب أن نحتاط له جيداً.
وثالث هذه الحقائق وأهمها أنه بعيداً عن باريس وجنيف وغيرهما، وبسببهما أيضاً، فإننا لن نكل أو نمل ونحن نردد: لا حل سوى في دمشق، ومن دمشق، لأنه إذا كان "دعاة الخراب" هؤلاء هم "أصدقاء" سورية، فماذا ننتظر من أعدائها إذاً..!!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018