ارشيف من :أخبار لبنانية

حزب الله يحمي «التفاهم».. بقرار استراتيجي كبير

حزب الله يحمي «التفاهم».. بقرار استراتيجي كبير
نبيل هيثم ـ "السفير"

لعلها المرة الأولى منذ توقيع «تفاهم مار مخايل» بين «حزب الله» و«التيار الوطني الحر»، قبل ست سنوات، تصل العلاقة بينهما الى هذا المستوى من الحذر والفتور. الاتهام أن «حزب الله» سمح لحليفه نبيه بري أن يهين رئيس أكبر كتلة مسيحية في مجلس النواب عبر طريقة تمرير «قانون المياومين».. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سرعان ما أفصحت قلوب العونيين عن لائحة من المآخذ تتمحور كلها حول انتقاد الحياد السلبي لـ«حزب الله» وانكفائه عن تقديم العون اللازم في المعركة البرتقالية الإصلاحية ضد الفساد.

واللافت للانتباه في موازاة ذلك، ان «حزب الله» ظل معتصما بالصمت ولم ينزل الى ساحة السجال مع حليفه العوني، الذي ذهب بعيدا في رد فعله، وصولا الى القول إن جسر العلاقة بين الحليفين، يحتاج الى جهود وخطوات وتفاهمات جديدة تتجاوز نمط الاتصالات التقليدية ولقاءات تطييب الخواطر.. و«ألف باء» أية تسوية إيجاد مخرج لقضية المياومين التي لا يمكن أن يبلعها عون مسيحيا ولا أي من حلفائه المسيحيين.
حتى الآن، اكتفى «حزب الله» بمعالجات بعيدة عن الأضواء، توزعت بين لقاء عقد بعيدا عن الأضواء بين الوزير جبران باسيل ومسؤول وحدة الارتباط والتنسيق الحاج وفيق صفا، مساء يوم الجمعة الماضي، وبين سلسة اتصالات تولاها المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» الحاج حسين خليل، في اتجاه الرئيس نبيه بري و«الجنرال» ميشال عون، وتمحورت حول وجوب التهدئة السياسية والاعلامية مقدمة لاجراء نقاش تقييمي هادئ للعلاقة بين الجانبين.

وبرغم أن الهجوم العوني لامس في بعض ردود الفعل أصل العلاقة السياسية بين الجانبين، وركيزتها المتمثلة بـ«تفاهم مار مخايل»، من خلال كلام باسيل قبيل سفره الى البرازيل، فإن الحزب تحلى بفضيلة الصمت لأسباب عدة منها:
اولا، إن «حزب الله» يدعو الى عدم تكبير الامور وإعطائها أبعادا في غير محلها. ولعل اتهام الحزب بأنه منكفئ او مقصّر او متفرّج او غير متعاون في «معركة الفساد»، تنفيه استعادة سريعة للعلاقة بين الطرفين ولمحطات التنسيق السياسية والحكومية والمجلسية.

ثانيا، إن «حزب الله» لم يستسغ ابدا ادخاله من قبل حليفه كطرف في النزاع حول المياومين، ومن ثم التصويب عليه، ومع ذلك، فإن الصمت قد يكون أفعل سلاح مطلوب في هذه المرحلة، لحصر الأضرار وتبريد بعض الرؤوس الحامية في الاتجاهين، علما ان تاريخ العلاقة المتوترة بين نبيه بري وميشال عون فرض على الحزب ان يكون دائما في موقع المتدخل الحيادي بين الطرفين لإيجاد آليات للمعالجة الايجابية.

ثالثا، ما يزال «حزب الله» يعتبر ان ليس بينه وبين حليفه البرتقالي أية مسافات أو تراكمات، خاصة أن التفاهم المعقود بينهما، والذي يشتهي كثيرون في الداخل والخارج انفراط عقده، ما يزال يشكل عنصر توازن وطني وحماية متبادلة بمعزل عن أية أمور اخرى، وبالتالي فإن القاعدة التي يعمل «حزب الله» بهديها هي الحفاظ ليس على التفاهم بمعناه الحرفي بل على صيغة سياسية جريئة غير مسبوقة في التاريخ اللبناني الحديث أقدم عليها السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون ونجحا الى حد كبير في جعل قاعدتيهما الشعبيتين تتفاعلان معها، وبالتالي المطلوب «إغراق» كل التفاصيل واحتواؤها في التفاهم، وليس إغراق التفاهم في التفاصيل الصغيرة».

رابعا، من الطبيعي أن يتعاطى «حزب الله» مع هجوم حليفه عليه بهدوء وروية، انطلاقا من حرصه الشديد على العلاقة مع «التيار»، وهذا ان عبر عن شيء، فإنما يعبر عن وجود قرار سياسي كبير بتغليب الاستراتيجي على التفاصيل والجزئيات الداخلية برغم أهميتها كلها.
خامسا، إن «حزب الله» يدرك ان هناك قوى داخلية وخارجية تنفخ في النار لإحراق العلاقة بينه وبين حليفه «التيار الوطني الحر»، وتستغل اي تفصيل صغير وناتج عن يوميات الممارسة السياسية، لإبرازه وتكبيره والبناء عليه لعله يشكل الشرارة لهدم كل ما بني على مدى سنوات.

ولعل استعادة مرحلة ما بعد عقد التفاهم بين «حزب الله» و«التيار الحر» تستحضر كيف جعل هذا التفاهم اكبر قوة في العالم، اي الولايات المتحدة الأميركية، ومعها بعض دول «الاعتدال العربي»، تضع نصب عينيها هدفا استراتيجيا يتمثل في تخريب العلاقة بين الحزب والتيار، لا بل قدمت مغريات كثيرة للعماد ميشال عون سارع الى ادارة ظهره لها، وبالتالي فإن اولوية «حزب الله» الدائمة هي قطع الطريق على هؤلاء. لذلك يصبح أسلوب الصمت ابلغ من اي كلام، لأن الاستهداف لا يطال علاقة بين حزبين ولا بين زعيمين أو طائفتين أو أكثرية سياسية، بل يهدد مجمل التوازن الوطني وقد يأخذ البلاد الى مطارح سياسية جديدة.

سادسا، ان استهداف العلاقة اليوم يعني إطاحة الحكومة الميقاتية، وثمة محاولة موصوفة جرت في الآونة الاخيرة في هذا الاتجاه وكان نصيبها الفشل، ولعل ضرب عرى العلاقة بين القوى الاساسية في الاكثرية اي «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» وحركة «امل»، هو أفضل وصفة سياسية لإطاحة الحكومة. ومن هنا فإن الصمت مقرون بعمل صامت ايضا لتدوير كل الزوايا الحادة، حماية للعلاقة والتحالف والحكومة في آن معا، وثمة تعهدات أولية حصل عليها «حزب الله» تصب في هذه الخانة.

سابعا، مهما كانت خيوط العلاقة التحالفية متينة، فإن ذلك لا يعني أن يذوب طرف بالآخر، وكما لـ«التيار الوطني الحر» شخصيته ومواقفه وحرية حركته وهوامشه، كذلك بالنسبة إلى الرئيس بري الذي يطيب له دائما أن تكون هوامشه الداخلية والإقليمية أوسع من باقي حلفائه، وبالتالي ما يجمع «حزب الله» ببري وعون أعمق من قضية قانون أو تعيين، ودائما على قاعدة «هذه عين وهذه عين، وطموحنا ليس أن نخسر حليفا صادقا وصلبا بل ربح حلفاء آخرين».
يقول العارفون إن «حزب الله» سعى جهده قبل طرح ملف المياومين على الهيئة العامة لمجلس النواب إلى تدوير الزوايا بين كل المعنيين، ولعل الساعات السابقة للجلسة، شاهدة على سلسلة مشاورات مكثفة أجراها الحزب في هذا الاتجاه، ومن هنا، قد لا يكون في قرارة نفسه متقبلا للطريقة التي أدار فيها العونيون او بري ملف المياومين في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، كما ان الانفعال العوني كان في الإمكان تجاوزه وترك القانون كما اقر في مجلس النواب يسير في أطره الدستورية صوب رئيس الجمهورية او المجلس الدستوري.

تلك الادارة العونية افسحت امام تكتل خصوم جبران باسيل وقد عبر عن ذلك صراحة احد نواب كتلة «المستقبل» الذي قال اثناء انعقاد الجلسة التشريعية: «قرارنا تهدئة اللعب مع الجميع، ونحن نريد فقط ان نكسر جبران باسيل». كما شكلت تلك النافذة معبرا لـ«مسيحيي 14 آذار» للانطلاق في حفلة مزايدة مسيحية موصوفة على ميشال عون وصولا الى محاولة سرقة الراية منه لمنعه من يكون مستثمرا مسيحيا حصريا في ملف المياومين، وبالتالي محاولة نقل المشكلة الى مكان آخر وتجلى ذلك في دخول «مسيحيي 14 آذار» من باب المياومين والتصويب المباشر بدءًا من معراب على صلاحيات رئيس المجلس النيابي، علما ان 14 آذار كانت اول من بادر الى وضع اقتراح قانون حول المياومين ابعد بكثير من مفاعيل القانون الذي اقره مجلس النواب، حيث يرمي الى التثبيت الفوري للمياومين بصرف النظر عن عددهم، وقد وقع على اقتراح القانون المعجل المكرر كل من نائب «القوات» انطوان زهرا ونائبي «الكتائب» فادي الهبر وسامر سعادة، وأما «حزب الله» فقد رفض التوقيع.

الا ان السؤال الذي يفرض نفسه في موازاة الحملة العونية على «حزب الله» هو: هل أحسن عون التوقيت في مهاجمة حليفه، في الوقت الذي يتعرض فيه للاستهداف من الأميركيين والإسرائيليين وعرب الخليج وصولا الى الداخل؟
2012-07-09