ارشيف من :أخبار لبنانية
«وعد» في ورشة نقاش: سابقة حزبية
زينب ياغي - صحيفة "السفير"
انتهى إعمار الضاحية الجنوبية، في أيارالماضي، وفي تموز تقيم مؤسسة «وعد» ورشة عمل، تبدأ غدا في «فندق غاليريا»، بعنوان «فرادة التجربة»، وتستضيف فيها عدداً من المهندسين اللبنانيين والعرب والأجانب، من أجل تقويم تجربة إعمار ما دمرته حرب إسرائيل في العام 2006.
وتتناول الورشة دور الهيئة الهندسية الاستشارية وهي تضم سبعة من كبار المهندسين المعماريين في لبنان. وقد وضعت الهيئة المخطط التوجيهي للمنطقة بشكل يتناغم مع المخطط السابق، كما أشرفت على عمل شركات الدروس الهندسية التي وضعت تصاميم المباني مدى مطابقتها للمباني السابقة. ودور بلديات الضاحية الجنوبية التي تابعت المشروع وشاركت في التوجهات العامة له، وفي حل مشاكل السير، وتقديم التسهيلات اللوجستية، ومساعدة السكان في تنظيم ملفاتهم قانونيا لدى الوزارات المعنية.
وتتناول تجربة مشاركة السكان وأصحاب الحقوق في عملية الإعمار، وكيفية الحفاظ على حقوقهم، بمعنى ضمان المساحات التي كانت تحتويها الوحدات السكنية. ثم الحفاظ على شبكة الطرق التي كانت موجودة سابقاً ووضع حدود لها، واحترام التراجعات عن حدود الشوارع والطرق، مع احترام المخططات التوجيهية المقرة للمنطقة سابقاً، وإلغاء التعديات على الأملاك العامة.
وكانت أبرز أهداف المشروع، وفق الجهات المنظمة، أن يكون وسيلة لإعادة النسيج المديني والاجتماعي، واستعادة الذاكرة الجماعية وترسيخها، وأن يشكل إنجازاً مهنياً وتقنياً لأنه حصل في زمن قياسي، استمر فترة خمس سنوات تقريباً. وستتم مقاربته مع نماذج أخرى للإعمار في لبنان وهي: سوليدير، وشارع سوريا وطريق الشام. وفي الوطن العربي: القدس وغزة، وفي إيران تجربة بناء مدينة بام، بالإضافة إلى تجارب بناء مدن أوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي لا تزال حتى اليوم موضع بحوث ودراسات ومقارنات.
فقدان الثقة يلغي دور الدولة
من المعروف أن تجربة إعادة إعمار الضاحية أثارت الكثير من الجدل السياسي، وانتهت إلى تولي جمعية جهاد البناء إعادة الاعمار. ويقول مدير مشروع «وعد» المهندس حسن الجشي إن التجربة مختلفة عن باقي تجارب الإعمار التي حصلت في العالم، بعد الحروب، أو الكوارث الطبيعية، موضحا أن هناك ثلاثة نماذج للإعمار تقريبا: الأولى تتولى فيها الدولة العملية كليا، والثانية تتعاون فيها مع القطاع الخاص، وفي الثالثة، تعد التشريعات اللازمة، على أن توكل أمر الإعمار إلى شركات عقارية خاصة، وذلك ما حصل لدى إعمار وسط بيروت عبر شركة سوليدير. والأمر المشترك في النماذج الثلاثة هو وجود الدولة.
يتابع الجشي: «لم نعرف تجارب في العالم، اكتفت فيها الدولة بدفع تعويضات مالية للسكان، على أن يتولوا بأنفسهم إعادة الإعمار، لأنه مسألة شاقة ومضنية، ويؤدي إلى خلق المشاكل، خاصة إذا كانت المباني المهدمة مشتركة، كما هي الحال في المدن».
يضاف إلى ذلك، فإن قيمة التعويضات التي دفعتها الحكومة للضاحية، هي عبارة عن مساعدات مالية، وليست تعويضات كافية. فقد تم دفع مبلغ سبعين مليون ليرة، بدل بناء الوحدة السكنية، وعشرة ملايين ليرة بدل أثاث. وكان ذلك المبلغ يكفي حينها لبناء شقة مساحتها مئة وعشرة أمتار مربعة تقريبا، بينما هناك شقق سكنية كثيرة مساحتها أكبر من ذلك.
وتعتبر التعويضات اختراعاً لبنانياً، بدأ مع نهاية الحرب الأهلية، وانسحب على ما تدمره إسرائيل. وهناك عدد كبير من المهندسين الذين سبق لهم وانتقدوا طريقة دفع التعويضات، لأنها تعني تخلي الدولة عن مسؤوليتها، وتسمح بالتلاعب بالأموال المقررة، وسرقتها وهدرها.
ويمكن تخيل كيف ستكون عليه مباني الضاحية، لو اعتمد السكان على التعويضات فحسب، فستكون مباني غير مكتملة، أو مبنية، وغير مبلطة، أو غير مطلية، أو من دون مصاعد.
الانقسام السياسي
لا بد من التوضيح مجدداً، أن حرب تموز حصلت في ظروف الإنقسام السياسي الحاد، بين فريقي الرابع عشر والثامن من آذار، ومن ثم انسحبت تلك الظروف على عملية إعادة إعمار الضاحية، التي حصلت في ظل فقدان الثقة كليا بين «حزب الله» وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة. لذلك رفض الحزب حينها تولي الحكومة عملية إعادة الإعمار، ووافق على دفع التعويضات.
وانطلاقا من ذلك، تولت جهاد البناء المشروع، وهي منظمة أهلية، وتلك سابقة لم تحصل في العالم. وجرت عملية تكليف الجمعية، بعد اجتماع عقده الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله، مع أصحاب الوحدات السكنية المدمرة، وطلب منهم أن يختاروا، إما الحصول على التعويضات، والبناء بأنفسهم، وإما توكيل الحزب بعملية البناء. وقد تم حينها توزيع استمارات على رؤساء لجان المباني، من أجل أخذ آراء السكان. وتبين بعد تعبئة الاستمارات، أن سبعين في المئة من السكان كانوا مع تولي الحزب عملية البناء، وخمسة في المئة طلبوا البناء بأنفسهم، بينما تردد خمسة وعشرون في المئة في خياراتهم. وعندما وصلت نتيجة الاستفتاء إلى الحزب، اتضح له أن الغالبية تريد توكيل جهاد البناء، فتم تكليفها بإعادة الاعمار. وفي ما بعد انضم المترددون إلى الغالبية.
ويؤكد الجشي أن السيد نصرالله كان مع تولي الناس عملية البناء بأنفسهم،على أن يقوم الحزب بمساعدتهم فنيا وماليا. لكن خيارهم جعله يكلف جهاد البناء، وهي التجربة الأضخم لها في البناء، واعتبرها البعض مغامرة كبرى.
ومع التجربة، اكتشفت جهاد البناء أن خيار الناس كان الأفضل لها ولهم، لأن أصحاب كل مبنى كانوا سيحتاجون إلى مهندسين ومصممين ومنفذين ومعاملات عقارية، تستدعي بذل الكثير من الجهد للتفاهم عليها.
مشاركة السكان في اختيار منازلهم
من أهم ميزات المشروع، الحفاظ على النسيج الاجتماعي للمنطقة كما كان قبل الحرب، فعاد أصحاب الشقق، والمحال، والجيران، والأولاد أنفسهم إلى أماكنهم. وشارك الناس في اختيار تصاميم المنازل، ومن ثم إجراء تعديلات عليها، خلال مراحل التنفيذ، وتلك مسألة شاقة، لأنها تجبر المنفذ على تعديل التصميم الأصلي للشقة. ولم يتم اختيار لون للسيراميك أو البلاط أو الطلاء في كل مبنى، كما يحصل عادة في المباني المعدة للبيع، بل وُضعت مجموعة ألوان أمام السكان للاختيار منها.
وسيشارك في ورشة الغد وزراء التنمية الادارية والثقافة والمهجرين محمد فنيش وغابي ليون وعلاء الدين ترو، ونقيب المهندسين إيلي بصيبص، ووزير الاسكان الايراني السابق محمد سعيد كيا، والنقيب عاصم سلام، والبروفيسور سكوت بولين من أميركا، والمهندس إيريك فيرديه من المجلس الوطني للبحوث العلمية الفرنسية، وكان من المنتقدين لمشروع «وعد»، ورئيس هيئة المعماريين العرب المهندس إميل عكرا، ومنسق الهيئة الاستشارية في مشروع وعد المهندس رهيف فياض، والمعماري برهان قطايا، وممثل نقابة المهندسين الأردنيين أيمن زعيتر. والمعماري برهان قطايا، ولطف الله الحاج.
ويتحدث في الافتتاح كل من مدير مشروع «وعد» والمهندسان محمود شرف الدين ومحمد دندشلي، وممثل عن العائدين إلى منازلهم علي حجازي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018