ارشيف من :أخبار لبنانية
الأكثرية تستدرك جولة والمعارضة تفوّت فرصة ولكن ماذا في الأفق القريب؟
ابراهيم بيرم - صحيفة "النهار"
الذين شهدوا هجمة قوى المعارضة على الحكومة خلال الايام القليلة الماضية، ولا سيما بعد ردود الفعل في عكار على اطلاق القضاء العسكري الضباط الذين أوقفوا على خلفية مقتل الشيخين، اضافة الى مهرجان مجدليون ظنوا لبعض الوقت ان الامور ذاهبة ولا ريب نحو اسقاط الحكومة كحد أدنى، أو "انفصال" منطقة عكار عن لبنان كحد أقصى. في المحصلة عاش البعض فترة أمام هذه الزوبعة السياسية على الارض، على اقتناع فحواه أن المعارضة ما أقدمت على ما بدأته إلا لكي تصل الى فرض أمر واقع لا سيما وانها بدت قابضة على ناصية الامور بعدما نجحت في احراج الرئيس نجيب ميقاتي وفي اظهار منطقة الشمال عموماً وكأنها باتت في قبضتها. لكن الواضح ان يوم أول من امس وتحديداً بعد جلسة مجلس الوزراء، تبددت مفاعيل كل هذه الهجمة للمعارضة وعادت الامور تدريجاً الى نصابها، مما اباح لقوى في الأكثرية أن تخرج باستنتاج جوهره ان المعارضة صارت محكومة في الآونة الاخيرة بالقيام بهذا النوع من الهجمات على الحكومة، واظهار انها هي صاحبة الكلمة العليا، وذلك انفاذاً لحسابات ومقاصد عدة في المرحلة الراهنة أبرزها:
- التعويض المعنوي عن عدم قدرتها على احداث تغيير عملي في الواقع الذي فُرض بعد تأليف حكومة ميقاتي قبل عام ونيف.
- ان المعارضة تعتقد ان هجماتها المتكررة على المستوى السياسي وحراكها على الارض، تجعل خصومها في موقع الارتباك الدائم وفي موضع رد الفعل. وعليه فإن في قوى الأكثرية من لا يزال يجزم بأن حركة الشيخ أحمد الأسير في صيدا حظيت أساساً بمباركة ضمنية من فريق بارز في قوى المعارضة.
- إن المعارضة تريد من كل هجماتها المتكررة حماية واقع سياسي وأمني نجحت في اقامته في مناطق شمالية، يكون مدخلاً احتياطياً الى الازمة في سوريا، وربط نزاع دائم مع الساحة المشتعلة منذ 16 شهراً.
- عموماً أرادت المعارضة انهاك جبهة الخصوم بدءاً من ميقاتي مروراً بـ"حزب الله" وصولاً الى "التيار العوني"، فضلاً عن المؤسسة العسكرية التي أربكت أخيراً، مما جعل قيادتها تبحث عن تسويات مع هذه الجهة أو تلك لا سيما بعدما فقدت السند والغطاء السياسي الذي كان لها.
- استفادت المعارضة، باعتراف قوى في الأكثرية، الى حد بعيد، من تباين الرؤى داخل الأكثرية وانقسامها محاور متصادمة في غالب الاحيان داخل الحكومة نتيجة اختلاف حساباتها ورهاناتها.
في كل الاحوال، فإن قوى في الأكثرية تأخذ كل هذه الوقائع العنيدة بالاعتبار، وتقر بها، لكنها في المقابل ترى انها نجحت في تحقيق انجازين هما بالنسبة اليها مهمان في هذه المرحلة:
الاول: صمود الحكومة رغم كل ما اعترى مسيرتها من عثرات وما واجهته من عقبات، وما تعرضت له من حملات وعمليات ابتزاز بفعل لجوء كل القوى على اختلاف ميولها الى لعبة الشارع، وقطع الطرق وحرق الاطارات.
الثاني: الحفاظ على معادلة الاستقرار النسبي رغم كل مظاهر الفلتان الجوالة في أكثر من منطقة.
لا تكتم قوى في الأكثرية أن ثمة معادلات وحسابات اقليمية ودولية، ساهمت الى حد بعيد في الحيلولة دون نجاح محاولات جدية بذلت لتغيير التركيبة الحكومية الحالية، خصوصاً في الاسابيع القليلة الماضية، وساهمت ايضاً في الحيلولة دون انفلات حبل الامور بشكل واسع في لحظات معينة، لكنها في موازاة ذلك ترى ان الفضل الأول والأخير في الثبات الحاصل في المعادلة التي أٌرسيت منذ اكثر من 14 شهراً يعود الى قدرتها الذاتية على معالجة الأمور بالتي هي أحسن، وعلى فرضها قواعد لعبة متينة يعرف خصومها أن لها فيها الكلمة الفصل.
وفي نتائج الجلسة ما قبل الأخيرة لمجلس الوزراء ما يثبت ذلك فهي:
- ان حكومة الاكثرية قادرة مع كل مظاهر الضعف التي تتبدى فيها، على تدوير الزوايا واجتراح الحلول، وهو ما ظهر جلياً في المقررات التي اتخذت و"التسويات" التي تم التوصل اليها في مواضيع معقدة كالوضع في عكار.
- اظهر الثلاثي الذي يشكل عصب الحكومة الحالية ("التيار الوطني الحر"، "حزب الله"، حركة "امل") انه ما زال ممسكاً معاً بأوراق اللعبة في داخل مجلس الوزراء بدليل سحب خيار التصويت من طاولة البحث.
- بدا الرئيس نبيه بري من خلال هذه الجلسة منضبطاً في اقصى حدود الانضباط مع وزراء "تكتل التغيير والاصلاح" و"حزب الله" حيال كل الملفات والبنود التي طرحت على طاولة الجلسة، وهو تطور اثبت مجدداً من جهة ان بري لا يخطئ في الخيارات الاستراتيجية الكبرى، ولا يضيع البوصلة، واظهر من جهة اخرى عدم صحة ما تردد لحظة انفجار الخلاف بينه وبين "التيار البرتقالي"، من ان بري سائر في كنف رهانات اخرى ربما تفضي به الى العودة الى خيارات مشابهة لخيار التحالف الرباعي2005.
- كان قرار المجلس بنشر الجيش على طول الحدود مع سوريا لضبط الوضع في نظر الكثير من المراقبين عبارة عن صيغة تسووية من شأنها أن تعيد الاعتبار الى المؤسسة العسكرية خصوصاً في الشمال بعد "النكسات" التي مني بها هناك منذ عملية مقتل الشيخين، لكنه كان ايضاً إقراراً بأحقية مخاوف وتحذيرات الأكثرية من دفع البعض للوضع في الشمال نحو منزلقات لا تتماشى اطلاقاً مع سياسة "النأي بالنفس" التي رفعتها الحكومة منذ زمن بعيد، وسياسة رفض المناطق العازلة التي أقرتها الجلسة الأولى لطاولة الحوار الوطني في طورها الثالث الاخير، فضلاً عن ان هذا القرار نبه الى خطورة ما يحصل تكراراً وكل ليلة على الحدود الشمالية. ومهما يكن من امر، انتهت اول من امس مع جلسة مجلس الوزراء ما قبل الاخيرة مفاعيل هجمة المعارضة خلال الايام القليلة الماضية، بيد أن هذا الامر لا يعني انتهاء المزيد من الهجمات المماثلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018