ارشيف من :ترجمات ودراسات

"الربيع العربي" ومخاوف الأقليات الدينية

"الربيع العربي" ومخاوف الأقليات الدينية
بقلم: علي  قادري
عن موقع  asriran.com (عصر ايران)

لعل إحدى خصائص الثورات العربية أنها "براغماتية" المطالب الشعبية حتى وصل بها المطاف إلى الشوارع، وبغض النظر عن مصير هذه الثورات، فإن البحث في الشعارات الثورية يدلل على أنها تسعى نحو تغيير سلوك الأنظمة الحاكمة وإيجاد تحول في العلاقة بين الحاكم والشعب، والثورة البحرينية أبرز مثال في هذا المجال، فعلى الرغم من أن الإسلاميين البحرينيين يعتبرون العمود الاساسي للثورة، ويتولون حركة الاحتجاجات إلا أن نوع الشعارات التي ترفع في هذه الثورة هي ذات طابع إيديولوجي أكثر منها براغماتي، لذلك فإن الناس يتطلعون لتحقيق نتائج محددة وملموسة، كما أن إعادة هيكلة السلطة وإزالة التمييز الذي تمارسه السلطة بحق الناس وأصحاب المطالب هو ما يسعى لتحقيقه الشعب البحريني.

"الربيع العربي" ومخاوف الأقليات الدينية

أما في مصر وتونس وسوریة وليبيا واليمن فإن لهذه الثورات أي ضا مثل تلك الخاصية ،وعدم وجود خطاب إيديولوجي أدى إلى أن يستفيد الإسلاميون من الفرصة المتاحة أمامهم بأكبر قدر ممكن، كما أنهم  قبلوا بتحمل مسؤولية مسار التطورات والحراك الثوري  وذلك مع تواجد التيارات والقوى الليبرالية في الصفوف الثورية، وبالطبع كان هذا متوقعاً وغير مستبعد ، حيث يعتبر الإسلاميون في البلدان العربية دائما أساس المجموعات المعارضة للحكم ويقدمون  إيديولوجياتهم على أنها خطاب بديل للنظام العلماني .

کما أن ولوج الخطاب الإيديولوجي إلى مضمار المطالبات البراغماتية للثورات العربية أدى إلى إيجاد فجوات وثغرات كانت موجودة في الأصل على مستوى هذه البلدان، علما أن أساس هذه الثغرات أو الفجوات، هي ثغرات دينية وطائفية، حيث دخلت إلى مضمار  الحراك الثوري بعد نشاطها كأحد العوامل ضد الثورية، ومصر هي المثال الأبرز في هذا الصدد، حيث تشير الإحصاءات السكانية  إلى أن المسيحيين الأقباط يشكلون حوالي 10 % من السكان رغم أن نظام حسني مبارك كان يمارس تمييزاً شديداً ضد المسيحيين الأقباط بحيث أنه حتى في المناطق التي يكون سكانها من الأكثرية المسيحية فإنه لا يمنحهم إذن بناء كنيسة فيها .


ومع بدء ثورة 25 يناير 2011 انضم المسيحيون إلى احتجاجات وتجمعات الشعب المصري، واستمر هذا التواجد والحضور استمر إلى  لحظة ما بعد سقوط مبارك،ورغم ذلك ومع وجود دعم مطلق للمسيحيين المصريين للثورة، فإن هذه الأقلية وقفت ودعمت بشكل جدي أحمد شفيق الذي كان ملتحقا بالنظام السابق في الانتخابات الرئاسية المصرية، وظهور مثل هذا السلوك كان طبيعياً من جانب المسيحيين  في ظل حدوث الكثير من التوترات بين السلفيين  الأقباط، حيث أن هذه الأقلية المسيحية في حالة قلق من أن يمارس  الإسلاميون سياسيات أكثر تشدداَ ضد المسيحيين في حال توليهم السلطة .

"الربيع العربي" ومخاوف الأقليات الدينية

إن موقف الأقليات المتعلق بـ"الثورة السورية"هو أكثر تعقيداً، ويظهر تحليل موقف الأكراد في ما يتعلق بتطورالأحداث في سورية، أنه على الرغم من عدم حصول هذه الأقلية على ابسط حقوق المواطنة (كحصولهم على هوية شخصية) فإن القبائل الكردية امتنعت من الدخول الفاعل في المجلس الوطني المعارض للنظام ؛وهو  منهج استمر حتى مع انضمام أحد الأكراد للمجلس الوطني المعارض المتواجد في اسطنبول.

ويقال أنه في الوقت الحالي تعتبر المناطق التي يقطنها الأكراد من أكثر المناطق السورية أمناً ،حيث أن المسلحين الأكراد بدعم وتشجيع من قبل النظام حتى الآن لا يسمحون بدخول مجموعات مسلحة إلى المناطق التي تخضع لسيطرتهم .إن الطائفة العلوية التي تدعم غالبيتها  النظام السوري بشكل طبيعي، والطائفة المسيحية أيضا، وهي تشكل قرابة 10 % من السكان، وهي ما زالت تمتنع  من الدخول في هذه "الثورة"، ومع  بدء "الثورة" السورية بيّن أحد رؤساء تحرير إحدى الصحف الكويتية المعروفة في مقالة له،أن نظام بشار الأسد سيسقط حتى من دون دخول المسيحيين إلى معترك الثورة إذا لا حول ولا قوة للمسيحيين!!

وبالطبع إن عدم دخول المسيحيين وانضمامهم لصفوف "الثورة" ليس بمعنى أنهم لا يريدون التغيير والتطور في سورية أو أنهم يدافعون عن النظام بعناد، بل لأنهم قلقون من الفوضى والقتل الذي من الممكن أن يلحق بهم بعد سقوط النظام ويكون مصيرهم مشابه لمصير المسيحيين العراقيين، حيث كان عدد المسيحيين العراقيين  ـ قبل سقوط نظام صدام حسين ـ يزيد عن مليون و350 ألف شخص، وحتى بعد احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية وبدء موجة واسعة من الاضطرابات في المدن العراقية فإن مسيحيي العراق وكافة المراكز المتعلقة بهم تعرضت لهجمات واسعة قامت بها مجموعات تابعة لتنظيم القاعدة بحيث أن السكان المسيحيين في العراق بعد الهجرة الجماعية بالكاد يمكن أن يصلوا إلى 450 ألف  شخص.

إن تبني مثل تلك السياسيات من قبل الطوائف المسيحية كبدتهم أثمان باهظة، وبحسب تقرير صحيفة "الصاندي تايمز" اللندنية فإنه خلال عدة  أشهر مضت تم  تهجير أكثر من 50 ألف مسيحي من مناطقهم في مدينة حمص ،من قبل المسلحين السلفيين الملتحقين بـ"الجيش السوري الحر" كما عملوا على الاستيلاء على منازلهم كغنائم حرب علما أن هؤلاء السلفيين يتلقون دعمهم من قبل السعودية .

وأشارت "الصاندي تايمز" نقلاً عن مسؤولي كنيسة الروم الأرثوذكس في سورية إلى أن هجوماً واسعاً شنه مسلحون على الكنائس المسيحية وعلموا على مصادرة أموالهم، واعتبرت الصحيفة الظروف الراهنة للمسيحيين السوريين مشابهة لوضع المسيحيين العراقيين، وكما هو الحال بالنسبة للأقباط المصريين فإن القلق  يراود كذلك المسيحيين السوريين، حيث أن المجال أمامهم سيصبح أكثر محدودية بمجرد وصول السلطة لحكومة اسلامية متشددة، ولذلك فإنه يفضلون أن يعيشوا تحت سيطرة الحكم العلماني على أن يقبلوا بمخاطر ناجمة عن دولة دينية متطرفة.

"الربيع العربي" ومخاوف الأقليات الدينية

أما في البحرين، فقد تهيأت أيضا ظروف مشابهة لتلك الموجودة في البلدان العربية الأخرى، ورغم أن قسماً من الأقليات السنية، في بداية الانتفاضة الشعبية، شاركت في ميدان اللؤلؤة، إلا أن أكثر أفراد هذه الأقلية تركت ميدان اللؤلؤة فيما بعد وذلك بعد لجوء نظام "آل خليفة " إلى إثارة التفرقة بين الشيعة والسنة، ورغم أن هذه السياسية وفرت أرضية لقمع هذه الاحتجاجات، إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم تجاهل قلق ومخاوف أقسام من الأقليات السنية في البحرين، ومخاوفهم من وصول دولة لديها نزعات دينية يمكن أن تضيق الخناق عليهم !.

ترجمة علي العبدالله ـ سورية
2012-07-13