ارشيف من :أخبار لبنانية

من الـ«داتا» إلى الـ«ايمسي»: منع الجرائم أم التنصت؟

من الـ«داتا» إلى الـ«ايمسي»: منع الجرائم أم التنصت؟

ايلي الفرزلي - صحيفة السفير


نادراً ما يمر بيان أو موقف لأي من قوى وشخصيات «14 آذار» من دون الإشارة إلى موضوع «داتا» الاتصالات. بعد محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، كما بعد محاولة اغتيال رئيس حزب «القوات» سمير جعجع، ازدادت تلك التصريحات «عنفاً». حتى أن حرب لم يتردد في اتهام الحكومة مباشرة بالمشاركة بالقتل.
لم يلق هذا الكلام صداه عند «8 آذار» التي تعاملت مع الاتهامات كما لو أنها لم تكن، مفضلة اعتبارها مجرد «مزحة سمجة».

هذا لا يعني أن تلك القوى تقلل من أهمية محاولة الاغتيال التي تعرض لها حرب أو غيرها، انطلاقاً من قناعتها أن «اليد التي تهدف إلى الفتنة في لبنان من وراء محاولات الاغتيال، لن تميز بين 14 و8 آذار». وهي إذا كانت تسعى الآن لتنفيذ هدفها من خلال الاعتداء على قيادات معارضة «فهذا لا يعني أن قيادات الأكثرية بمنأى عن الخطر نفسه».

يلخص وزير الاتصالات نقولا صحناوي، في بيانه الأخير لسان حال حلفائه في الأكثرية، متوجهاً لمن «يستدرجون يوميا عواطفنا الصادقة على دماء شهداء لبنان» بالقول إن الوزارة ومنذ صدور قرار مجلس الوزراء في الأول من شباط الماضي «لم تعد المعنية بمسألة الداتا الكاملة وعملها محصور في تنفيذ ما يردها من الهيئة القضائية المختصة بالفصل بطلبات الأجهزة».

لا يكترث مصدر في المعارضة لقرار الهيئة القضائية الذي صدر في السادس من الشهر الماضي، والذي يسمح للأجهزة بالحصول على كل حركة الاتصالات من دون مضمونها: اسم المتصل، اسم المتصل به، نوع الاتصال، (عادي أو خلوي)، التاريخ، الساعة، المدة، الموقع الجغرافي للمتصل والمتصل به، حركة الرسائل، من دون المضمون ومن دون حركة تحويل الرصيد بين الارقام، بصمة الجهاز (IMEI) وبصمة الشريحة (IMSI) شرط أن تكون محددة بمنطقة جغرافية معينة أو بأرقام محددة أو الاثنين معاً.

النقطة الأخيرة هي التي فجرت الخلاف بعد محاولة اغتيال حرب، وجعلت كل اللبنانيين يسمعون مصطلحاً اجنبيا جديداً هو (IMSI) («ايمسي») لم يكن قيد التداول حتى في ذروة الحديث عن حجب الـ«داتا».

يسمح الحصول على «أيمسي» (IMSI)، بحسب مصدر تقني، بمعرفة تاريخ إحراق الخط وإعادة تشغيله، أو نقله من جهاز إلى آخر. عند السؤال عن أهمية هذه المعلومات أمنياً، تتحول الأجوبة التقنية إلى رهينة الموقف السياسي.

تؤكد المعارضة، «تقنياً»، أن هذه المعلومات ضرورية لملاحقة المجرمين وتتبع أثرهم، إضافة إلى كونها ترفع من احتمالات منع الجرائم قبل وقوعها. في المقابل، و«تقنياً» أيضاً، ترى الأكثرية أن من يريد حقاً العمل لحماية الأمن فهو قد حصل على أكثر من حاجته، بحسب قرار الهيئة الأخير. كما تؤكد أن عدم الاكتفاء بالحصول على بصمة الشريحة الخاصة بمناطق محددة وأرقام محددة أمر يثير الريبة.

يعتقد مصدر أكثري أن «الهدف الوحيد من الإصرار على هذه المعلومات هو الالتفاف على قانون الاتصالات الرقم 140/ 99 الذي ينص على صون حرية التخابر. ويشرح أنه بجهاز لا يزيد وزنه عن 3.5 كيلو غرام ويدعى IMSI Catcher، يمكن لمن يملكه ويملك بصمة الشريحة أن يتنصت على المضمون الصوتي للاتصال أو على المضمون النصي للرسائل.

ويسأل المصدر عن سبب عدم تحرك أي من الأجهزة، باستثناء قوى الأمن الداخلي، للمطالبة بهذه البصمة، مؤكداً أنه لو كان الهدف الحصول على وضع الشريحة فقط، لكان يمكن لقوى الأمن أن تحذو حذو الأجهزة الأخرى والتي بدأت تحصل من وزارة الاتصالات على معظم المعلومات التي تتعلق بالشريحة (تاريخ تأسيس الخط، تاريخ إلغائه، ومن ثم تاريخ معاودة تشغيله مع تحديد الأجهزة التي استعمل بها) ومن دون الحصول على «IMSI» (ايمسي).

ويسأل المصدر «هل يعقل ألا تكون الأجهزة الأخرى مهتمة بمنع الجرائم وحماية الأمن، حتى لا تطلب بصمة الشريحة، إذا كانت بالأهمية التي تتحدث عنها المعارضة»؟
لا يعطي مصدر معارض أهمية لإشارة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بعد اجتماعه بممثلي الأجــهزة الأمنية وأعضاء الهيئة القضائية، قبل يومين، بأنه تبلغ منــهم أنهم حصلوا على كل ما يريدونه، معتــبراً ان ما قيل ليــس إلا ذراً للرماد في العيون، فيما الحقيقة أن الحكومــة ومن خلفــها الأكثرية ما تزال تصر على تقيــيد عمل الأجهزة الأمنية لأسباب مجهولة.

وإذ يؤكد المصدر المعارض أن كل ما حصلت عليه الأجهزة لا قيمة له من دون الحصول على «IMSI» الشاملة كل الأراضي اللبنانية، تتوقف مصادر متابعة عند التزام قوى الأمن الداخلي بقرار الهيئة القضائية قبل محاولة اغتيال بطرس حرب، والذي ظهر جلياً في الطلبات الثلاثة التي قدمتها في 9 حزيران الماضي، وتطلب بموجبها الحصول على كل الـ«داتا»، من دون أي إشارة إلى حاجتها إلى «IMSI»، حتى في النطاق الذي تسمح به الهيئة (مناطق محددة). علماً أن هذه الطلبات التي وقعها رئيس الحكومة بتاريخ 29 حزيران، تغطي كل الفترة التي لم تحصل فيها قوى الأمن على الـ«داتا» الكاملة بسبب رفض الهيئة، وهي تشمل ثلاث فترات زمنية تبدأ في 16 كانون الثاني وصولا الى يوم الجمعة الماضي. المصادر نفسها تؤكد أن وزارة الاتصالات نفذت تباعاً الطلبات.

يختصر نائب أكثري «النقاش العاطفي»، داعياً من يظن حقاً أن الأكثرية تقصر في حماية الناس والمسؤولين، إلى التقدم باقتراح قانون يحسم مسألة الـ«داتا» بشكل نهائي، بدل التركيز على المزايدات.

يفضل مصدر وسطي اختصار النقاش، بالقول إن مبالغة المعارضة في موضوع الـ«داتا يؤكد أن الهدف هو سياسي بالدرجة الأولى، فيما يرى في المقابل، أن الأكثرية لن تتضرر كثيراً إذا ما أعطت معلومات موجودة أصلاً في حوزة عدد من الموظفين، إلى الأجهزة الأمنية، مهما كان توجهها، إذ لا يعقل أن يكون الموظف أكثر حرصاً على المعلومات التي يملكها من تلك الأجهزة.

2012-07-16